وُصفت محصّلة المحادثات الأميركية - الصينية بـ"المحدودة" من حيث الاختراقات الكبرى. واعتُبرت أهم نتيجة للقمة هي أنّ واشنطن وبكين جمّدتا تصعيد الحرب التجارية، لكنها لم تنهِ هذه الحرب، فالرّسوم لا تزال قائمة، والخلاف على السياسات الصناعية الصينية لم ينتهِ، والقيود الأميركية على التكنولوجيا المتقدّمة باقية، فيما تحتفظ الصين بورقة شديدة القوة تتمثّل في سيطرتها على أجزاء مهمة من سلسلة إمدادات المعادن النادرة.
أميركا لن تتنازل أبدًا عن موقعها الاستراتيجي تجاه الصين في مسألة تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي
من هنا، اكتسبت القمة بين أميركا والصين أهميةً تتجاوز العلاقة بين أكبر قوتيْن في العالم، فالملفّات التي حضرت على الطاولة، من الذكاء الاصطناعي والتجارة إلى الرسوم الجمركية، ترتبط جميعها بسؤال انتخابي جوهري: ماذا يستطيع دونالد ترامب أن يعود به إلى النّاخب الأميركي؟.
ويرى المتخصّصون الاقتصاديّون أنّ واشنطن لا تستطيع أن تسمح لنفسها بالتراجع في هذا المضمار، معتبرين أنّ أميركا لن تتنازل أبدًا عن موقعها الاستراتيجي تجاه الصين في مسألة تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي، وأنّ مقاربة ترامب تعكس رفضه لفرض قيود تنظيمية صارمة قد تعرقل الابتكار الأميركي، في مقابل إعطاء الأولوية للحفاظ على التفوّق الأميركي على الصين.
أما الصين، فعلى الرغم من عدم امتلاكها أحدث الرقائق، إلا أنها نجحت في تطوير نماذج متقدّمة تحتاج إلى قدرة حاسوبية أقلّ. وفيما تبدو المخاوف من مخاطر الذكاء الاصطناعي مهمّةً وأكثر وضوحًا، وعلى الرغم من شدّة المنافسة، تبقى هناك مساحة للتعاون إذ أكد الرئيس الصّيني ضرورة أن يبقى الذكاء الاصطناعي تحت سيطرة البشر.
وقد أبدى الرئيس الأميركي انفتاحًا على دخول شركات السيارات الصينية إلى أميركا، ولكن بشرط توظيف عمّال أميركيين، بينما لا يلغي وجود مصانع صينية توظف أميركيين احتمال تعرّض شركات السيارات الأميركية لضغوط أكبر أمام المنافسة مع الصين.
وعلى مستوى تمديد الهدنة التجارية الذي اعتُبر إنجازًا سياسيًا مهمًّا، تجدر الإشارة إلى أنّ إجمالي حجم تجارة السلع والخدمات بين أميركا والصين بلغ نحو 494.6 مليار دولار في عام 2025 (أرقام ومؤشرات التبادل التجاري لعام 2025)، وبلغ إجمالي تجارة السلع نحو 414.6 مليار دولار أميركي، وبلغت الواردات الأميركية من الصين 308.7 مليارات دولار (بانخفاض نحو 29.9% عن عام 2024).
من ناحية أخرى، بلغت الصادرات الأميركية إلى الصين 106 مليارات دولار (بانخفاض نحو 26% عن عام 2024)، بينما سجّل العجز التجاري السلعي الأميركي 202.7 مليار دولار لصالح الصين، متراجعًا بنسبة 31.8% مقارنةً بالسنوات السابقة.
الرئيسان الأميركي والصيني لم يضعا حدًّا للتنافس التجاري والتكنولوجي لكنّهما سعيا إلى إظهار أنّ التنافس يمكن إدارته
وتبيع الصين لأميركا المنتجات الإلكترونية والآلات والمعدات الميكانيكية والأثاث والألعاب والمعدّات الرياضية، بينما تبيع أميركا للصين غاز البترول وفول الصويا والرقائق الإلكترونية والطائرات وأجزاءها والآلات والمعدّات عالية القيمة. في حين بلغ الاستثمار المباشر الصيني في أميركا، وفقًا لبيانات 2024، نحو 40 مليار دولار، والاستثمار الأميركي في الصين نحو 122.9 مليار دولار.
في الختام، لم يخرج الرئيسان الأميركي والصيني من القمة بتسوية كبرى تضع حدًّا للتنافس التجاري والتكنولوجي والاستراتيجي بين أكبر اقتصادَيْن في العالم، لكنّهما سعيا إلى إظهار أنّ هذا التنافس يمكن إدارته، وأنّ العلاقة الشخصية بينهما قد توفّر مظلّةً سياسيّةً تحول دون انزلاق الخلافات إلى مواجهة مفتوحة، ليبقى الذكاء الاصطناعي متصدّرًا أجندة القمة في وقت تتسابق فيه أميركا والصين على تطوير الرقائق والنماذج الذكية وتحويل التفوّق التكنولوجي إلى نفوذ اقتصادي!.
(خاص عروبة 22)

