صحافة

مفاتيح فهم انتخابات الكونغرس القادمة

محمد المنشاوي

المشاركة
مفاتيح فهم انتخابات الكونغرس القادمة

تتكرر مع كل انتخابات أمريكية، رئاسية كانت أو للكونغرس، مقولة إنها ستكون الأهم في التاريخ الأمريكي، أو إنها ليست كغيرها من الانتخابات السابقة عليها. ورغم المبالغة الأمريكية الواسعة في أهمية انتخابات الرئاسة التي تجري كل أربع سنوات، أو انتخابات الكونغرس التي تجري كل سنتين، إلا أن انتخابات الكونغرس في الثالث من نوفمبر المقبل تشهد من الظواهر ما لم تشهده أي انتخابات أخرى. بداية من وجود رئيس لا يخوض الانتخابات، لكنه يطغى على المشهد السياسي الأمريكي والعالمي بصورة غير مسبوقة، مرورا ببروز قضايا جديدة لم يتعرض لها الناخب الأمريكي من قبل، وصولا لتزامن الانتخابات مع حرب متوقفة تخوضها بلادهم في غياب دعم شعبي لمبرراتها ومعاناة واسعة من تبعاتها.

وحاليا يتمتع الجمهوريون بأغلبية بسيطة في مجلسي الكونغرس؛ ففي مجلس النواب لهم 218 مقعدا مقابل 214 للديمقراطيين وشغور دائرتين، ويحتاج الديمقراطيون فقط إلى 5 مقاعد لاقتناص أغلبية المجلس، وهو ما يتوقعه أغلب الخبراء وكل الاستطلاعات. وفي مجلس الشيوخ، يتمتع الجمهوريون بأغلبية 4 مقاعد؛ إذ لهم 53 سيناتورا مقابل 47 للديمقراطيين، ورغم تحفظ الخبراء والاستطلاعات في توقعاتها، إلا أنني أتوقع انتقال الأغلبية للديمقراطيين في مجلس الشيوخ كذلك. وجدير بالذكر أن الانتخابات تجري على كل مقاعد مجلس النواب الـ 435، و35 مقعدا (ثلث المقاعد) في مجلس الشيوخ.

ويضاعف من سخونة هذه الانتخابات تقاعد 58 عضوا في مجلس النواب، وتقاعد 14 سيناتورا في مجلس الشيوخ. وتقليديا تعطي الاستطلاعات والسوابق التاريخية أفضلية لانتخاب الأعضاء الحاليين، بينما يفتح تقاعد هذا العدد الضخم من الأعضاء الباب أمام سيناريوهات غير متوقعة. كما تجري انتخابات الكونغرس في ظل استقطاب غير مسبوق في السياسة الأمريكية تراجع معه عدد الدوائر المتأرجحة في مجلس النواب إلى 22 دائرة فقط بعدما كان العدد يصل إلى 70 دائرة قبل عشر سنوات. ويعني ذلك أنه لا يمكن لحزب واحد أن يحقق انتصارا كاسحا في هذه الانتخابات؛ ويُقصد بذلك أن يحصل حزب على أكثر من 60% من مقاعد مجلس الشيوخ و66% من مقاعد مجلس النواب، وهو ما يستحيل عمليا تحقيقه في هذه الانتخابات. ويعني ذلك استمرار تمتع الرئيس بممارسة حق الفيتو (رفض تشريعات الكونغرس) وعدم امتلاك أغلبية الكونغرس أغلبية الثلثين اللازمة للتغلب على الفيتو الرئاسي.

إلا أن أهم ما يميز هذه الانتخابات ثلاث ظواهر تجعلها ليست كسابقتها من أي انتخابات شهدها الكونغرس على مدار تاريخه: أولى هذه الظواهر تتعلق بالرئيس دونالد ترامب وطبيعته الاستثنائية؛ فعندما يكون هناك رئيس تنخفض نسبة الرضا الشعبي عن أدائه وسياساته إلى مستويات دنيا، يكون من الطبيعي أن يتوارى الرئيس عن الأنظار، ويتوقف عن المشاركة في المؤتمرات الانتخابية لمرشحى حزبه كي لا يكون عبئا عليهم.

ورغم انخفاض شعبية ترامب إلى ما دون الـ 30% فى مختلف الاستطلاعات، إلا أنه يرفض الابتعاد عن دائرة الضوء، بل يقاوم ترامب ذلك لدرجة طلبه من مؤيديه التصرف كما لو كان هو على ورقة الاقتراع. ومع هيمنة ترامب الطاغية على الحزب الجمهوري، أصبح من الصعب على أي مرشح جمهورى الابتعاد عن الرئيس ترامب، وأصبح عليهم تبرير سياسات غير مقنعة لهم ولا لناخبيهم في الكثير من الدوائر التي طالما كانت جمهورية الهوى والتصويت. فقد تبنى ترامب سياسات دراكونية فيما يتعلق بالهجرة، ودفع ذلك بغضب واسع في دوائر الأمريكيين الهيسبانيك ممن صوت الكثير منهم لترامب في انتخابات 2024، وغضب كذلك الآلاف من المزارعين في ولايات جمهورية ممن اعتمدوا على مهاجرين غير شرعيين للقيام بالأعمال الضرورية التي لا يقبل عليها المواطن الأمريكي.

من ناحية أخرى، دفعت سياسات ترامب المتعلقة بفرض تعريفات جمركية ضخمة خاصة على كندا إلى غضب واسع في الولايات الحدودية الشمالية التي تعتمد تجارتها واقتصادها بصورة كبيرة على العلاقات المفتوحة وحرية التجارة مع كندا. كما أغضب ترامب الآلاف من الناخبين العرب والمسلمين ممن صوتوا له عام 2024، وذلك بسبب خطابه التهكمي على الإسلام خلال الأسابيع الأخيرة. ثاني الظواهر الفريدة لهذه الانتخابات أنها تتناول قضايا جديدة للمرة الأولى، فلم يسبق أن كان تشييد مراكز البيانات قضية انتخابية. اليوم يرفض 70% من الأمريكيين تواجد هذه المراكز في مناطقهم وولاياتهم. وأصبح موقف المرشحين من فكرة تشييد مراكز البيانات أحد القضايا المحددة لتفضيلات الناخبين بغض النظر عن هويتهم الحزبية.

وتبع ذلك بروز شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعى كممول كبير ولاعب مهم في الحملات الانتخابية فى العديد من الولايات. وأنفقت مجموعات سياسية متحالفة مع صناعة الذكاء الاصطناعي أكثر من 300 مليون دولار في هذه الانتخابات بصورة مباشرة، وتشير تقديرات إلى إنفاقها أكثر من مليار دولار بصورة غير مباشرة لدفع الناخبين لقبول تشييد مراكز البيانات في ولاياتهم وعدم التصويت ضد المرشحين المؤيدين لذلك.

ثالث الظواهر المتعلقة بهذه الانتخابات أنها تجري وسط حالة لا حرب ولا سلم فيما يتعلق بالمواجهة الأمريكية مع إيران. وهذه الحرب فريدة في عدم دعم الأمريكيين لها بنسبة ضخمة تقترب من 70% من الناخبين من كلا الحزبين. وبعد بدء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ارتفعت تكاليف الوقود داخل الولايات المتحدة إلى مستويات قياسية، ووصل متوسط سعر غالون بنزين السيارات إلى 4.6 دولار الأسبوع الماضي، مقابل 3.1 دولار قبل الحرب، ووصل سعر الديزل إلى أسعار غير مسبوقة كذلك. ودفع ذلك إلى ارتفاع حاد (بالمعايير الأمريكية) في أسعار كل شيء يستهلكه الناخب الأمريكي وخاصة الطعام والشراب، وأصبح ارتفاع الأسعار وارتفاع تكاليف المعيشة القضية الأهم عند الناخبين من كلا الحزبين. في النهاية يبقى أن نترقب مصير مرشحين من أصول مصرية: عبد الرحمن السيد لمقعد في مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيجان، وآدم حماوى لمقعد في مجلس النواب عن ولاية نيوجيرسي.

(الشروق المصرية)

يتم التصفح الآن