يبدو "تفكّك الدولة اليمنية" هو السيناريو الأقرب حسبما تذهب دراسة حديثة للدكتورة زينب عبد العال، أستاذة الجغرافيا السياسية في كلية الآداب في جامعة بني سويف في مصر، وهو ما قد يُفضي في النهاية إلى سقوطٍ مدوٍّ لليمن بين كيانَيْن: أولهما في الشمال تسيطر عليه حكومة مركزية حوثية، والآخر في جنوبٍ يسعى إلى استعادة دولته السابقة.
تداعيات تفكّك اليمن سوف تمتد إلى الأمن الإقليمي العربي والأمن الدولي برمته
جميع المؤشرات تقول إنّ هذا السيناريو يظلّ هو الاحتمال الأخطر، إذا لم يتم التوصّل إلى اتفاق سياسي شامل، أو فشلت الأطراف في التوافق على مستقبل الدولة. وهو ما سوف يُلقي بظلال كثيفة على الخريطة الجيوسياسية للمنطقة، خصوصًا في ظلّ ارتباطه المباشر بأمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب، ما يجعل تداعياته لا تقتصر على اليمن، بل تمتدّ إلى الأمن الإقليمي العربي والأمن الدولي برمّته.
على امتداد أكثر من ثلاثة عقود، حافظ اليمن على نمط حكم مركزي، مدعومًا من بعض القوى الإقليمية وعلى رأسها المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي، وقد جاءت الوحدة اليمنية في عام 1990 بآمالٍ كبيرةٍ، غير أنّها سرعان ما واجهت العديد من العقبات البنيوية، التي أفضت في النهاية إلى صعود حركة الحوثيين في عام 2004، مع اندلاع المواجهات في محافظة صعدة شمال الدولة. وقد لعبت هذه التطوّرات دورًا كبيرًا في دخول اليمن مرحلةً من عدم الاستقرار، بلغت ذروتها مع بروز الاحتجاجات التي ضربت العديد من بلدان العالم العربي في عام 2011، ومهّدت الطريق أمام تفكّك العديد من النظم السياسية القائمة، وما أفضى إليه ذلك من حالة فراغ سلطوي، فتحت الطريق أمام أطراف مُتعدّدة للتنافس على الحكم، من دون قدرة أيّ منها على الحسم، وإعادة تشكيل حالةٍ من الحكم المركزي للدولة.
تبدو جذور الأزمة اليمنية، حسبما تذهب الدراسة، أعمق بكثير من كونها صراعًا سياسيًا معاصرًا، إذ تبدو أقرب إلى نتاج تراكم طويل من العوامل التاريخية والجغرافية والاجتماعية، التي أسهمت في هشاشة الدولة. إذ ظلّ اليمن على مدار عقود لا يعاني من ضعف بنية الدولة المركزية فحسب، وإنما أيضًا من صعوبات شتّى في إدارة التنوّع الاجتماعي والثقافي، ما أدّى إلى خلق حالةٍ من غياب التماسك الوطني، وتعدّد الولاءات المحلية والإقليمية.
دعم طهران "الحوثيين" أتى في إطار استراتيجية إقليمية متكاملة بهدف إعادة تشكيل توازنات القوة في الشرق الأوسط
وقد أسهمت الإخفاقات المتكرّرة في مسار التسويات السياسية، في إدخال الدولة في أتون حرب أهلية شاملة، خصوصًا مع زيادة تدخّل قوى إقليمية ودولية بدوافع أمنية وجيوسياسية، وهو ما أسهم في تعقيد الصراع، بعد تنامي قدرات الميليشيات المسلحة على استخدام البحر الأحمر مساحةً للتنافس، يتداخل فيها المحلي بالإقليمي والدولي.
كما أدّت سنوات الحرب في اليمن إلى انهيارٍ كبيرٍ في منظومات التعليم والصحة وباقي الخدمات الأساسية، بعد تعرض البنى التحتية للتدمير، فارتفعت معدّلات الفقر إلى أكثر من 80% في كثير من المناطق، وهو ما أنتج العديد من التوترات بين المجتمعات المحلية، وساهم في خلق دائرة مُفرغة يتغذّى فيها الصراع على الهشاشة الاجتماعية، ما أدّى إلى تعزيز فرص التجنيد لدى الجماعات المسلحة، وتوسيع اقتصاد الحرب القائم على المشاركة الاضطرارية لبعض الفئات. وقد مثّل الدور الإيراني، حسبما تقول الدكتورة عبد العال، أحد العوامل الخارجية التي لعبت دورًا كبيرًا في التأثير في مسار النزاع وتحوّلاته البنيوية، ذلك أن دعم طهران لجماعة "الحوثيين" أتى في إطار استراتيجية إقليمية متكاملة تُعلي من شأن "الوكلاء المحليين" لطهران، بهدف إعادة تشكيل توازنات القوة في الشرق الأوسط، في مواجهة النفوذ الأميركي في المنطقة، ولتهديد أمن المملكة العربية السعودية خصوصًا والأمن القومي العربي بشكل عام، عبر تعزيز قدرة طهران على إدارة صراعات متعدّدة الساحات في الإقليم.
ويبدو الوصول إلى تقدير حاسم، بشأن إمكان التوصّل إلى تسوية وشيكة للصراع القائم في اليمن أمرًا متعذّرًا، فالتقديرات المتشائمة تشير إلى أنّ مسار التسوية قد يستغرق ما بين 5 و10 سنوات. والإشكالية المركزية، حسبما ترى الدراسة، لا تتعلّق بخصوصيّة الحالة اليمنية، بقدر ما ترتبط بالطبيعة البنيوية لهذا الصراع، بوصفه نزاعًا مُركّبًا تتشابك فيه مصالح فاعلين محليين وإقليميين ودوليين، مع البنى الاجتماعية والدينية للمجتمع اليمني. وهو ما يجعل اليمن يقف أمام سيناريوات متعددة، أبرزها سيناريو التسوية السلمية، الذي يقوم على إعادة هيكلة الدولة، وفق صيغة سياسية توافقية تستوعب نتائج الحرب وتُعيد توزيع السلطة بطريقةٍ تمنع إعادة إنتاج مراكز الهيمنة التقليدية. وعلى الرغم من أنّ هذا السيناريو يبدو الأكثر ملاءمةً لتحقيق الاستقرار، إلّا أنّه يواجه مجموعةً من التحدّيات أبرزها مدى استعداد الأطراف اليمنية للتخلّي عن جزء من مكاسبها العسكرية والسياسية لصالح تسوية أوسع، وهو أمر يظلّ مرهونًا بمدى قدرة الفاعلين الإقليميين على دعم دولة يمنية مستقلّة غير خاضعة لهيمنة طرف خارجي.
الأزمة اليمنية من أعقد القضايا العربية في العقود الأخيرة
أما بقاء الوضع القائم، والمتمثّل في استمرار حالة اللّاحرب واللّاسلم، فيمثّل أحد السيناريوات المرجّحة، وهو وضع قد يُفضي في النهاية إلى انهيار شامل، قد يؤدّي بالضرورة إلى صعود جماعات مسلّحة جديدة مثل "القاعدة" و"داعش"، نتيجة ما سوف يُخلّفه من فراغ أمني وانهيار اقتصادي كبير، ما يجعل من الأزمة اليمنية واحدةً من أعقد القضايا العربية في العقود الأخيرة.
(خاص عروبة 22)

