هل الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، مرشحة للتوقف قريبا بصورة نهائية والوصول إلى اتفاق سياسي دائم ومستقر؟ الإجابة هي لا مؤكدة. السؤال الثاني هل يمكن أن تستمر الحرب بصورة مختلفة ومتقطعة؟ الإجابة هي نعم إلى حد كبير. السؤال الثالث: هل ستعود المنطقة إلى ما كانت عليه صبيحة يوم 28 فبراير الماضي، أو لنوسع السؤال بصورة أكبر، هل تعود إلى ما قبل يوم 7 أكتوبر عام 2023؟ الإجابة هي أن ذلك مستحيل.
السؤال الرابع، وما السيناريو أو الوضع المرجح أن يتحقق في المنطقة؟ ينطلق هذا المقال من فرضية أساسية وهي أن الأهداف التي أعلنتها كل من أمريكا وإسرائيل لشن الحرب على إيران في 28 فبراير الماضي، لم تكن هي الأهداف الجوهرية، بل هي مجرد أهداف فرعية، رغم أهميتها وتم تسويقها من أجل "جمهور الترسو"، فى حين أن الهدف الأساسي هو إشعال صراع أو حرب إقليمية شاملة على أساس عرقي وقومي بين العرب والفرس، أو صراع سني شيعي، أو صراع عربي عربي، كما هو حادث الآن بين السعودية واليمن.
الهدف الذى يتضح جليا لنا الآن هو أن أمريكا وإسرائيل أشعلتا الحرب، وبما أن إيران لن تنهار أو تستسلم حتى الآن كما تصور البلدان فى البداية، وأظن أنهما لم يكونا يصدقان هذا السيناريو، فالهدف صار الآن توسيع الحرب، بحيث تنسحب أمريكا وإسرائيل من القتال المباشر، وتترك العرب وإيران يتقاتلان لسنوات، بحيث يستنزفان بعضهما البعض وتقوم واشنطن وتل أبيب بتزويد الطرفين بالأسلحة وصور الأقمار الاصطناعية والمعلومات الاستخبارية، وتكون النتيجة النهائية هي أن تصبح إسرائيل بدعم أمريكي اللاعب الرئيسي في المنطقة، وهكذا تعيد إسرائيل رسم المنطقة من جديد وتحقق فكرة إسرائيل الكبرى حتى ولو بصورة غير مباشرة.
توقف الحرب الآن والوصول لتسوية دائمة مستحيل لأن الطرفين لم يحققا الأهداف الأساسية. أمريكا وإسرائيل لم تهزما إيران بالضربة القاضية كما صوّر نتنياهو لترامب قبل اندلاع الحرب بـ17 يوما. وإيران لم تحقق الهيمنة الكاملة على منطقة الخليج، وطالما أن ذلك لم يحدث، فسوف يستمر الصراع بصورة أو بأخرى؛ أى حرب شاملة أو متقطعة بين الحين والآخر.
فى كل الأحوال لن تعود المنطقة إلى ما قبل 7 أكتوبر 2023، أو 28 فبراير الماضي، لأن هناك مشروعين متنافسين هما الإسرائيلي الأمريكي ضد الإيراني، وكل طرف يحاول أن يحقق أهدافه. وللأسف يجرى هذا الصراع على الأرض العربية التي غاب مشروعها إلى حد كبير، فصارت هي التي تدفع الثمن الأكبر أو العشب الذي تتقاتل عليه الأفيال!!
وبالمناسبة لست مع الذين يقولون إن هناك مسرحية، واتفاقا بين أمريكا وإيران منذ البداية. هذا كلام يخاصم المنطق والواقع. لكن يصعب أيضا تبرئة إيران من زعزعة استقرار المنطقة، والتدخل في شؤونها الداخلية منذ عام 1979، وإيصالها إلى الحال الراهنة، مستخدمة الورقة الطائفية المذهبية حينا، وشماعة فلسطين تارة أخرى، كما لا يمكن تبرئة بعض دول الخليج من المسئولية أيضا لرهانها على أمريكا وعرقلتها للعمل تحت مظلة عربية.
عدد كبير من المتابعين يتعاملون مع هذا الصراع وكأنه مباراة فى كأس لكرة القدم، ينبغي أن تنتهي بفوز فريق وهزيمة آخر بعد الوقتين الأصلي والإضافي وربما ضربات الجزاء، لكن أغلب الظن أننا أمام مباراة في دورى طويل ممتد لسنوات. وبالمناسبة فحتى إذا انهزم الحزب الجمهوري في انتخابات الكونغرس النصفية في 3 نوفمبر المقبل أو انهزمت الحكومة المتطرفة في انتخابات الكنيست الإسرائيلي في 27 أكتوبر الجاري، فإن ذلك لا يعني بالضرورة النهاية الفورية للحرب، لأنها ليست فقط حرب دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو، بل حربًا أمريكية إسرائيلية ضد إيران في إطار صراع أوسع يمتد إلى الصراع الأمريكي الصيني للسيطرة على طرق التجارة والممرات البحرية وسلاسل الإمداد.
السؤال الأساسي الذي يفترض أن يشغل بال كل عربي هو: وما الذي يفترض أن نفعله؟ الإجابة أن نتوحد قدر الإمكان لمنع أو تعطيل المشروعين الإسرائيلي والإيراني، ونراهن على أنفسنا، وإن كان هذا الأمر تكتنفه صعوبات جمة. البداية من وجهة نظري هي تنسيق مصري سعودي عاجل مع أي دولة عربية أخرى ترى أنه لا حل إلا فى الإطار العربي، والتنسيق مع أى دولة غير عربية تتفق مصالحها مع مصالحنا. لكن الخبر السيئ الآن هو أن علينا أن نتعود على أن الفترة المقبلة ستتسم بالفوضى وعدم الاستقرار.
(الشروق المصرية)

