اقتصاد ومال

التوازنات الماكرو-اقتصاديّة في العالم العربي: حقيقة أم وهم؟

تحتلّ التوازنات الماكرو-اقتصاديّة موقعًا مركزيًّا في السياسات الاقتصاديّة المعتمدة في عددٍ من البلدان العربيّة، باعتبارها مدخلًا لتحقيق الاستقرار المالي والنّقدي واستعادة التوازنات الداخليّة والخارجيّة. غير أنّ السّؤال الذي يطرح نفسه هو: هل يشكّل احترام هذه التوازنات ضمانةً لتحقيق التنمية، أم أنّ تحويلها إلى هدفٍ في حدّ ذاته قد يتحوّل إلى عائقٍ أمام تطوير الاقتصادات العربيّة وتعزيز قدراتها الإنتاجيّة؟.

التوازنات الماكرو-اقتصاديّة في العالم العربي: حقيقة أم وهم؟

تستند مرجعيّة التوازنات الماكرو-اقتصاديّة، في جانب أساسي منها، إلى المدرسة النيوكلاسيكيّة في الاقتصاد، التي تولي أهميةً كبيرةً لتوازن الأسواق، والانضباط المالي، واستقرار الأسعار، وحريّة المبادرة الاقتصاديّة. وقد تَعزّز هذا التوجه مع صعود المدرسة النقديّة بقيادة ميلتون فريدمان، والاقتصاد الكلي الكلاسيكي الجديد المرتبط بروبرت لوكاس، في سياق دولي اتّسم بصعود الرأسمال المالي وتنامي نفوذ التيارات النيوليبيراليّة، خصوصًا مع وصول رونالد ريغان إلى الحكم في الولايات المتحدة ومارغريت تاتشر إلى رئاسة الحكومة البريطانية.

وجد هذا التوجّه في توافق واشنطن، الذي صاغ الاقتصادي جون ويليامسون وصاياه العشر سنة 1990، إطارًا مرجعيًّا للإصلاحات الاقتصاديّة التي حظيت بدعم المؤسّسات الماليّة الدوليّة، وفي مقدّمتها "صندوق النقد الدولي" و"البنك الدولي". وشملت هذه التوصيات الانضباط المالي، وإعادة ترتيب الإنفاق العمومي، والإصلاح الضريبي، وتحرير التجارة، وتشجيع الاستثمار الأجنبي، وخوصصة المؤسّسات العموميّة، وتحرير الأسواق، وحماية حقوق الملكيّة. ومع ارتباط التمويلات التي يقدّمها صندوق النقد الدولي، في عددٍ من الحالات، ببرامج إصلاح ومراجعات دوريّة، تحوّلت هذه التوجهات إلى مُحدّدٍ أساسيٍّ لاختيارات اقتصاديّة في بلدان عربيّة عديدة.

فرض سياسات متشابهة على بلدان تختلف في بنيتها الإنتاجية ومؤسساتها قد يؤدي إلى نتائج عكسية

وتتعلّق التوازنات الماكرو-اقتصاديّة، في هذا التصوّر، بالتوازن الداخلي الذي يشمل وضعية الميزانيّة العموميّة والتحكّم في التضخّم والمديونيّة، والتوازن الخارجي الذي يرتبط برصيد الميزان التجاري وميزان الحساب الجاري. ولا يتعلّق الأمر بالضرورة بإلغاء كلّ عجزٍ، بل بضمان قابلية الاختلالات للتمويل والاستمرار من دون التسبّب في أزمات حادّة. غير أنّ الإشكال يبدأ عندما تتحوّل هذه المؤشّرات إلى "معيار وحيد" لتقييم نجاح السياسات الاقتصاديّة، من دون الاهتمام الكافي بمضمون النموّ وبنيته وقدرته على خلق الثروة وفرص الشغل.

في مقابل هذه المقاربة، يبرز اقتصاديّون ينتقدون التعامل مع التوازنات الماكرو-اقتصاديّة باعتبارها وصفةً موحّدةً صالحةً لجميع الاقتصادات. ويأتي جوزيف ستيغليتز، الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد سنة 2001، في مقدّمة هؤلاء، إذ يرى أنّ الاستقرار المالي وتحرير الأسواق لا يكفيان وحدهما لتحقيق التنمية، وأنّ فرض سياسات متشابهة على بلدان تختلف في بنيتها الإنتاجيّة ومؤسّساتها قد يؤدّي إلى نتائج عكسيّة. كما ينتقد إعطاء الأولوية لخفض عجز الميزانيّة وضبط التضخّم على حساب الاستثمار والتشغيل والخدمات الاجتماعيّة، خصوصًا عندما يجري ذلك في ظروف الركود الاقتصادي. ويتقاطع هذا النقد مع أطروحات الاقتصادي الأميركي بول كروغمان، الذي دافع عن أهمية السياسات الاقتصاديّة المضادّة للركود، وعن ضرورة تقييم التدخّلات الاقتصاديّة في ضوء آثارها الفعلية.

الانفتاح الاقتصادي يطرح إشكالًا أساسيًا عندما يجري من دون مراعاة القدرة التنافسية للإنتاج المحلي

ولا يعني ذلك أنّ الاقتصاديّين المنتقدين يرفضون الاستقرار المالي أو يعتبرون العجز والمديونيّة هدفَيْن في حدّ ذاتهما، وإنّما يرفضون اختزال السياسة الاقتصاديّة في منطقٍ محاسباتي يتجاهل السياق الاجتماعي والإنتاجي. فالإشكاليّة ليست في العجز باعتباره عجزًا، بل في طبيعته وكيفية تمويله وتوجيهه؛ إذ يختلف العجز الناتج عن الاستثمار في البنية التحتيّة والقدرات الإنتاجيّة عن العجز الناجم عن نفقات لا تساهم في خلق قيمة مضافة. وينطبق الأمر عينه على المديونيّة، بحسب ما إذا كانت القروض توجَّهُ إلى الاستثمار المنتج أم إلى أغراض لا تضمن عوائد اقتصاديّة مستدامة.

أمّا في العالم العربي، فتظهر محدوديّة اختزال التنمية في مؤشّرات التوازنات الماكرو-اقتصاديّة من خلال استمرار ضعف التنويع الإنتاجي، ومحدوديّة الإنتاجيّة، والاعتماد على المواد الأوليّة والأنشطة ذات القيمة المُضافة المنخفضة، إلى جانب التفاوتات الاجتماعيّة والمجاليّة وضعف التشغيل المُنتج. فقد تحقّق بعض البلدان تحسّنًا في التضخّم أو عجز الميزانيّة أو احتياطيّات النقد الأجنبي، من دون أن يواكب ذلك تحوّلٌ عميقٌ في بنيتها الاقتصاديّة أو بناء قاعدة صناعيّة قادرة على خلق وظائف ذات قيمة مضافة مرتفعة.

التنمية المنشودة تتحقّق ببناء اقتصاد منتج ومتنوّع

ويطرح الانفتاح الاقتصادي بدوره إشكالًا أساسيًّا عندما يجري من دون مراعاة القدرة التنافسيّة للإنتاج المحلي. فالانفتاح على الأسواق العالمية، في ظلّ ضعف النسيج الإنتاجي الوطني، قد يوسّع الواردات بوتيرة تفوق نموّ الصادرات، ويُعمّق العجز التجاري والتبعية الخارجيّة. وهكذا يمكن أن تتحسّن بعض المؤشرات الماليّة، بينما يستمر الاختلال الخارجي بسبب تخصّص الاقتصادات في أنشطة أقلّ قيمة مضافة مقارنةً باقتصادات متقدّمة تُهيمن على المنتجات الصناعيّة والتكنولوجيّة ذات القيمة المرتفعة.

إنّ احترام التوازنات الماكرو-اقتصاديّة يظلّ ضروريًّا لتفادي الاختلالات الحادّة وضمان استدامة المالية العامّة والاستقرار النقدي، لكن هذه التوازنات لا تُنتج التنمية بصورة تلقائيّة، ولا تعوّض غياب سياسة صناعيّة وإنتاجيّة قادرة على تحويل بنية الاقتصاد ورفع تنافسيّته وتقليص تبعيّته للخارج. لذلك، فإنّ الرهان الحقيقي أمام البلدان العربيّة ليس التخلّي عن التوازنات الماكرو-اقتصاديّة، بل إعادة وضعها في موقعها الطبيعي باعتبارها وسيلة لخدمة التنمية، لا غاية مستقلّة عنها. فالتنمية المنشودة لا تتحقّق بمجرّد تحسين المؤشّرات، وإنّما ببناء اقتصاد منتج ومتنوع، قادرٍ على خلق الثروة وفرص الشغل وتوسيع قاعدة المستفيدين من النموّ.

(خاص عروبة 22)

يتم التصفح الآن