يخوض الرئيس البرازيلي لولا دي سيلفا امتحانا عسيرا في الجولة الثانية من الانتخابات البرازيلية التي تجري الأحد المقبل، وسط أجواء عاصفة تقتلع الحكومات اليسارية من القارة الأمريكية الجنوبية، وسقطت العام الماضي ثلاث حكومات يسارية في بوليفيا وتشيلي والإكوادور، وخلال العام الحالي حكومتان في بيرو وكولومبيا، بالإضافة إلى اختطاف رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو في عملية كوماندوز عسكرية للقوات الأمريكية، وماتزال كوبا تحت حصار مشدد، ويتوعد الرئيس الأمريكي ترامب باجتثاث حكومتها اليسارية، لتنتهي حقبة ما يسمى "المد الوردي"، الذي شهد صعودا لافتاً للأحزاب اليسارية المعتدلة.
الانتخابات البرازيلية تحظى بوضع خاص، لما تتمتع به البرازيل من ثقل كبير، بناتج محلي يقارب نصف ناتج القارة، وإحدى الدول الخمس المؤسسة لمنظمة "بريكس". الأجواء المحيطة بانتخابات البرازيل مضطربة داخليا وإقليميا، فهناك انقسام داخلي حاد، وبلغ حد صدور حكمين بالسجن على رئيسين متعاقبين، صدر الحكم الأول ضد الرئيس اليساري الحالي لولا دي سيلفا عام 2018 بتهمة الفساد، ليحرمه من خوض الانتخابات، لكن القضاء ألغى الحكم عام 2021، ليعود ثانية إلى الرئاسة في الأول من يناير عام 2023، ويدخل الرئيس اليميني السابق بولسونارو السجن بتهمة التخطيط لانقلاب، ليخوض ابنه فلافيو الانتخابات الحالية في مواجهة دي سيلفا، ودعا الرئيس الأمريكي مرارا إلى إطلاق سراح بولسونارو، ووصف الحكم بسجنه 27 عاما بأنه حكم سياسي، ولوح بعقوبات اقتصادية أكثر تشددا ضد البرازيل.
اتهم دي سيلفا الرئيس ترامب بالتدخل في الانتخابات البرازيلية، ولم يكن المرشح الوحيد في القارة الأمريكية الجنوبية الذي يتهم الإدارة الأمريكية بالتدخل في الانتخابات، فقد تكرر الاتهام لإدارة ترامب، التي لا تخفي عداءها لليسار، ويطرح ترامب العودة إلى "مبدأ مونرو"، الذي يؤكد هيمنة أمريكية منفردة على الأمريكيتين، وقال مرارا إن نصف الكرة الغربي يخص الولايات المتحدة، مما أثار انتقادات واسعة ومخاوف من سياسة ترامب الرامية إلى إعادة الحقبة الاستعمارية.
كانت القارة الأمريكية الجنوبية تسمى الحديقة الخلفية للولايات المتحدة، وتحظى فيها شركات الولايات المتحدة بنفوذ كبير، وسيطرت على ملايين الأفدنة من الأراضي الزراعية الخصبة، حتى شهدت تحولات اقتصادية إلى الصناعة، وقدرا أكبر من الاستقلال، تخللها انقلابات واغتيالات وتدخلات عسكرية أمريكية، لكنها استطاعت تعزيز سيادتها تدريجيا، لتشهد تحولات نحو اليسار، وظهور تيارات راديكالية عبر ثورات مسلحة، ثم تتحول نحو الديمقراطية، لتتبادل أحزاب اليسار واليمين الحكم، وشهدت القارة الجنوبية صعودا ديمقراطيا لليسار في العقدين الأخيرين، حتى أصبحت تسمى القارة الوردية، في إشارة إلى يسار معتدل مختلف عن اليسار الراديكالي ورمزه اللون الأحمر.
ويعتلي اليسار الدول الكبرى في القارة مثل البرازيل والأرجنتين والمكسيك، ثم ينتزع كولومبيا التي كانت دوما الحليف الأقرب للولايات المتحدة وإسرائيل، لكن الأمر لم يستمر طويلا مع صعود اليمين القومي في الولايات المتحدة، والمخاوف التي تنتاب الشركات الأمريكية من تغلغل الصين، التي أصبحت الشريك التجاري الأول لمعظم دول القارة الجنوبية، وتدفقت عليها الاستثمارات الصينية، لتبدأ الولايات المتحدة في التحرك لوقف ما أسمته تغلغل النفوذ الصيني. وترى إدارة الرئيس ترامب أن البرازيل تشكل التحدي الأكبر في القارة، بوصفها دولة مؤسسة لمنظمة "بريكس" التي يراها خصما خطيرا تقوده الصين وروسيا لإنهاء الهيمنة الأمريكية الأحادية، خاصة في ظل خططها استبدال منظومة "سويفت" المتحكمة في تحويلات التجارة الخارجية، والتخلي عن الدولار الأمريكي.
لا يمكن إغفال الدور الأمريكي في تراجع اليسار في القارة الجنوبية، ودعمها الصريح والمعلن لمرشحي اليمين المتطرف، وممارسة الضغوط الاقتصادية على الحكومات اليسارية، لكنها لا تكفي وحدها لتفسير تراجع أحزاب اليسار، فهناك عوامل داخلية مهمة، وأبرزها انقسامات الأحزاب اليسارية، وتحالف بعضها مع أحزاب الوسط أو حتى اليمين لتحقق نتائج أفضل في الانتخابات، والدخول في مساومات عن البرامج، والتراخي في تحقيق إصلاحات موعودة.
إن صعود اليمين في القارة الجنوبية أصبح أمرا واقعا، لكن الصعود لم يكن قويا، بل كانت نتائج معظم الانتخابات متقاربة، لا تمنح اليمين أغلبية مريحة، لتظل التساؤلات مطروحة حول مستقبل حكومات اليمين، خاصة مع انطلاق احتجاجات واسعة في كل من الأرجنتين وبوليفيا بعد وقت قليل من تولي اليمين الحكم، وبلغت حد الاشتباكات الدامية في بوليفيا والإضرابات الواسعة في الأرجنتين احتجاجا على سياسات التقشف والارتفاع الكبير في معدلات التضخم، والتوسع في سياسة الخصخصة. ولا تشهد القارة تدفقات في الاستثمارات الأمريكية، لتظل الصين متربعة على رأس العلاقات التجارية والاقتصادية، وتظل القارة الجنوبية معرضة لعواصف وتقلبات تتداخل فيها الصراعات الدولية مع الأزمات الداخلية.
(الأهرام المصرية)

