كثيرةٌ هي أحداثُ المنطقة التي ستُحدِّد ملامحَ التوازنات والتحالفات المقبلة، في ظلّ تحذيراتٍ من حدوث تغيّراتٍ جوهريةٍ تحول دون العودة إلى الحدّ الأدنى من الهدوء، في أعقاب ما فجّرته أحداثُ السابع من تشرين الأول/أكتوبر، وما تلاها من حربٍ أميركية – إسرائيلية على إيران، وما استتبعته من اضطراباتٍ واسعةٍ في الممرّات المائية وحركة الملاحة البحرية، وانعكاسات ذلك على سلاسل الإمداد والأسواق العالمية، وسط مخاوف من تداعياته على الأمن الغذائي، وارتفاع معدّلات الجوع والفقر، وتردّي الأوضاع الاقتصادية. وعلى الرغم من أن هذه التحذيرات تستند إلى قراءة الوقائع والتطوّرات الجارية من حولنا، فإنها لا تزال تقابل بقدرٍ غير كافٍ من الجديّة، في ظلّ استمرار المعارك في اليمن، وغياب مؤشّرات التوافق بين واشنطن وطهران، بعد تعثّر تنفيذ بنود مذكرة تفاهم إسلام آباد. فالنظام الإيرانيّ يرفض تقديم التنازلات، ويخوض معركةً مصيريةً بعد اغتيال مرشده وصاحب الكلمة العليا في البلاد، علي خامنئي، في حين تصرّ الولايات المتحدة على التوصّل إلى تسويةٍ أفضل من تلك التي أبرمها الرئيس الأسبق باراك أوباما، التي وجّه إليها الرئيس الحالي، دونالد ترامب، انتقاداتٍ كثيرة، على خلفية ما وصفه بـ"العيوب وأوجه الخلل" التي تضمّنتها.
وما بين هاتين الرؤيتين المتناقضتين، "يعضُّ" العالم "على أصابعه" انتظارًا لأحداث "اليوم التالي"، التي قد تفتح الباب أمام اتّساع نطاق المواجهة وتحولها إلى صراعٍ إقليميّ أوسع. ففي خطوةٍ لافتة، دعا الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، البرلمان إلى عقد جلسةٍ طارئةٍ للحصول على تفويضٍ يتعلّق بالتدخّل العسكري المحتمل لدعم المملكة العربية السعودية، ما يفتح الباب أمام تساؤلاتٍ بشأن طبيعة هذا التحرّك وحدوده، والسيناريوهات المطروحة لمساندة الرياض في مواجهة هجمات الحوثيين المتصاعدة. وفي ضوء الاعتبارات الأمنية والسياسية، التي تحكم العلاقات بين البلدين، تكتسب هذه الخطوة دلالاتٍ مهمّة في ظلّ تصاعد التوترات، وما تفرضه من تحدّياتٍ على أمن الخليج والبحر الأحمر ومضيق باب المندب. وفي وقتٍ سابق من يوم أمس السبت، شدّد السيسي، خلال كلمةٍ ألقاها في حفل تخريج دفعةٍ من طلاب الأكاديمية العسكرية المصرية، على أن بلاده لن تسمح بالمساس بأمن المملكة أو استقرارها، مؤكّدًا استعدادها لاتّخاذ ما يلزم للدفاع عنها، وداعيًا البرلمان إلى عقد جلسةٍ طارئةٍ لمنحه تفويضًا باتّخاذ الإجراءات اللازمة لحمايتها إذا اقتضت الحاجة. وإذ أوضح أن بلاده لا تسعى إلى الحرب أو مهاجمة أيّ طرفٍ، بل تتحرّك بهدف الدفاع، وجّه نداءً إلى جميع الأطراف في منطقة الخليج للعمل على وقف الحرب الدائرة. وتنبع هذه "المناشدة" من إدراكٍ عميقٍ بأن طهران تسعى إلى استنزاف دول المنطقة ومواردها، وتكبيدها خسائر جسيمة عبر تحريك "وكلائها"، في وقتٍ تتمسّك فيه بشروطها السبعة، وتضع مضيق هُرمز في صلب أيّ معادلةٍ يُمكن التوصّل إليها.
في الأثناء، يلعبُ "التردّد" الأميركي دورًا كبيرًا، إذ تواصل واشنطن انتهاج سياسة "الحياد"، مكتفيةً بتصريحاتٍ لا ترقى إلى مستوى التطوّرات الجارية. وفي هذا السياق، اتّهم وزير الحرب الأميركي، بيت هيغسيث، إيران بتمويل جماعة الحوثيين في اليمن و"حزب الله" في لبنان، معتبرًا أن دعم طهران للجماعتين يُسهم في زعزعة استقرار المنطقة. وقال إن الحوثيين امتنعوا عن استهداف السفن الأميركية، حتى خلال العمليات العسكرية ضد إيران، بعدما "أدركوا تبعات الردّ الأميركي". وكانت جماعة "أنصار الله" قد تعهّدت بعدم التعرّض للسفن التابعة للولايات المتحدة، وحتى الإسرائيلية، وحصرت هجماتها بالمملكة العربية السعودية، تحت ذريعة فرض معادلة "الحصار بالحصار". ويثيرُ هذا الموقف تساؤلاتٍ بشأن دوافع الجماعة وحساباتها، لا سيّما في ظلّ استهدافها المدينة المنورة والعاصمة الرياض، وسقوط ضحايا مدنيين ومعتمرين نتيجة الهجمات التي طالت المطارات المدنية، بعيدًا من جبهات القتال. وفي سياقٍ متصلٍ، رفضت وزيرة الخارجية اليمنية، أفراح الزوبة، أمس السبت، عرض الوساطة الذي قدّمه نظيرها الإيراني، عباس عراقجي، مؤكّدةً أن هذه الدعوة تأتي في وقتٍ تدعم فيه طهران أحد أطراف القتال. وأشارت إلى أن إيران أسهمت في إطالة أمد الحرب عبر تسليح الحوثيين وتمويلهم وتدريبهم، وإمدادهم بالصواريخ والطائرات المسيّرة والخبراء. وإذ دعت إلى وقف دعم الحوثيين، واحترام سيادة اليمن والقانون الدولي ومبادئ حسن الجوار، وصفت العرض الذي طرحه عراقجي خلال اتصالٍ بوزير الخارجية السعودي، الأمير فيصل بن فرحان، بأنّه استفزازٌ للشعب اليمني وأُسَر ضحايا الهجمات، التي قالت إنّها "نُفّذت بأسلحةٍ إيرانية".
ويحملُ كلام الزوبة الكثير من المؤشرات على أنه لا يمكن "لشريك حربٍ" أن يكون "وسيطًا عادلًا ونزيهًا"، خصوصًا أن "الحرس الثوري" يُشرف رسميًا على الهجمات العسكرية، التي تشتدّ على جبهاتٍ عدة، وسط تصعيدٍ في العاصمة المؤقتة عدن، مع استهداف المطار الدولي وقصر معاشيق الرئاسي خلال اليومين الماضيين، ما يفرض تحدياتٍ في تأمين المدينة، بما يضمن استمرار عمل مجلس الوزراء ومؤسسات الدولة في ظلّ استمرار عملية "فجر اليمن". وضمن هذه العملية، تترّكز المعارك الضارية في الجبهات المتاخمة لمدينة تعزّ، إذ قالت القوات الحكومية إنها تخوض مواجهاتٍ عنيفةً مع الحوثيين في المطار القديم ومدارات غرب المدينة. كما أكدت إلحاق خسائر بشرية ومادية كبيرة مع توثيق 1417 عملية استهداف دقيقة ومباشرة، باستخدام الطيران الحربي والطيران المسيّر ومدفعية الميدان والراجمات خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية. في موازاة ذلك، أحبط "تحالف دعم الشرعية في اليمن" عملياتٍ للتهريب عبر البحر باتجاه محافظة الحديدة، في تطورٍ يهدف إلى قطع خطوط الإمداد العسكري. ونشر المتحدث باسم التحالف، اللواء الركن تركي المالكي، مقطع فيديو مرفقًا إياه بعبارة "نَضْرِبُهُم على الأرض... نُغْرِقُهُمْ في البحر". فيما أعلن اعتراض وتدمير صاروخين باليستيين، أطلقتهما الميليشيات الحوثية باتجاه خميس مشيط، ومسيّرتين في منطقة الرياض، وأخرى في المنطقة الشرقية. وتُنذر حماوة الأحداث بأن الأوضاع لن تشهد هدوءًا في الوقت الحالي، ما يدفع دول الخليج إلى التشاور والبحث، إذ يعقد وزراء خارجيتها في العاصمة البحرينية، المنامة، اجتماعًا اليوم الأحد، لمناقشة تطورات الأوضاع الإقليمية والدولية، وتعزيز التنسيق السياسي والعمل المشترك، بالتوازي مع انعقاد جولةٍ جديدةٍ من الحوار الاستراتيجي الخليجي - الروسي، ضمن مساعي الجانبين لتوسيع مجالات التعاون، وتبادل وجهات النظر بشأن القضايا المشتركة.
في سياقٍ متصلٍ، كشفت صحيفة "الغارديان"، عن اتفاقٍ بين الإمارات والسعودية يقضي باستئناف أبو ظبي تمويل قواتٍ يمنية تقاتل جماعة الحوثيين المدعومة من إيران، مقابل توفير الرياض غطاءً جويًا لهذه القوات. وبحسب التقرير، يمثّل الاتفاق أول مؤشرٍ ملموسٍ على بدء تجاوز الخلاف العميق بين البلدين بشأن مستقبل اليمن، مدفوعًا بالمخاوف المشتركة من التقدم الذي يحرزه الحوثيون في أنحاء البلاد، وما يشكّله ذلك من تهديدٍ متزايدٍ لأمن دول الخليج واستقرارها. فالتحديات العربية المشتركة وضرورة تعزيز التعاون والتنسيق واتخاذ خطواتٍ فعّالة، يعتبر شأنًا رئيسيًا مع مواصلة النظام الإيراني تهديداته وتصعيده المستمر في مضيق هُرمز. إذ نقلت وكالة "تسنيم" عن بحرية "الحرس الثوري" قولها إن المضيق مغلق، محذرةً من أن مصير السفن التي تخالف اللوائح الإيرانيّة هو "الاحتراق بنيران الثقة بالجيش الإرهابي الأميركي". بينما أعلنت أن ناقلتين، تحملان نحو مليوني برميل من النفط الخام، اشتعلت فيهما النيران بعد اصطدامهما بألغامٍ بحريةٍ أثناء العبور، بعدما أوقفتا تشغيل أنظمة تحديد المواقع والرادار الخاصة بهما وحاولتا استخدام مسارٍ غير مصرّح به في الممر المائي الاستراتيجي. ويعكس هذا التصاعد اتساع نطاق المخاطر البحرية في المنطقة، بعدما تحوَّلت حركة العبور عبر هذا الشريان الاقتصادي الحيوي إلى إحدى أبرز ساحات المواجهة بين طهران وواشنطن. وهذا ما عكسته الإحصائية، التي نشرتها صحيفة "فاينانشال تايمز"، ومفادها بأن 24 سفينة تعرَّضت للاستهداف خلال الأسبوعين الأولين من شهر تشرين الأول/أكتوبر الحالي، أي نحو ضعف العدد المُسجَّل خلال أول أسبوعين من الحرب، حين أُصيبت 13 سفينة.
دبلوماسيًا، دعا وزيرا خارجية مصر وتركيا، الولايات المتحدة وإيران إلى العودة إلى الحوار واستئناف مسار المباحثات، باعتباره السبيل الوحيد لإنهاء الأزمة الراهنة، ووضع حدٍّ لحالة التصعيد، التي تُلحق أضرارًا بالغةً بمصالح جميع دول المنطقة. وتشهد المفاوضات حالةً من الجمود بسبب رفض تقديم تنازلاتٍ من قبل الجانبين، فيما يستمرّ الوسطاء في محاولة تدوير الزوايا. وفي هذا الإطار، قال وزير الخارجية، عباس عراقجي، على هامش مشاركته في قمة منظمة التعاون الإسلامي المنعقدة في بغداد، إن إيران ملتزمةٌ بضمان الملاحة الآمنة. وأضاف أن مضيق هُرمز بقي مفتوحًا وآمنًا بالكامل حتى 28 شباط/فبراير الماضي، وأن انعدام الأمن واضطراب حركة السفن منذ ذلك التاريخ جاءا "نتيجةً مباشرةً" لما وصفه بـ"الأعمال العدوانية الأميركية والإسرائيلية". وكشف الأخير أن بلاده نقلت، عبر قطر، خطةً محددةً مدّتها سبعة أيام، تُتيح إعادة فتح المضيق واستعادة حركة الملاحة، إذا توافرت الظروف اللازمة، مشيرًا إلى أن القرار بات في يد الولايات المتحدة. وإذ نبّه إلى أن إيران لن تقبل الإكراه أو التهديد أو الترهيب، ولن تتخلى تحت الضغط عن حقوقها السيادية، أكد استمرار استعداد بلاده للحوار على أساس الاحترام المتبادل وتوفير ضمانات موثوقة.
ويبقي نظام "الجمهورية الإسلامية" الباب مفتوحًا أمام الديبلوماسية، لكنه، في الوقت عينه، يحاول التخفيف من حدة الحصار والعقوبات المفروضة عليه بعد إطلاق الولايات المتحدة عملية "المنبوذ الاقتصادي". وأفادت معلوماتٌ استخباراتيةٌ بحريةٌ ومصادرٌ في قطاع الشحن لوكالة "رويترز"، أن إيران تمكنّت من تصدير شحناتٍ محدودةٍ من غاز البترول المسال ووقود الطائرات منذ تموز/ يوليو الماضي، مستفيدةً من عمليات نقل الشحنات بين السفن في مياه الخليج. في المقابل، شكّك متحدثٌ باسم وزارة الخزانة الأميركية في دقة بيانات الشحن، التي تشير إلى نجاح سفنٍ في تجاوز الحصار، قائلًا إن بعض السفن قد تتلاعب بمواقعها أو تستخدم هوياتٍ مزيفةً في أثناء عمليات التحميل، داعيًا إلى التعامل مع هذه البيانات بحذر. وجاءت محاولات تصدير المنتجات النفطية في حين تواجه إيران ضغوطًا اقتصادية متزايدة، إذ أوضحت شركة "كبلر" المتخصصة في تحليل بيانات الشحن والطاقة، إن صادرات النفط الخام الإيراني انخفضت إلى الصفر في أيلول/سبتمبر، في أول شهرٍ لا تُسجّل فيه أيّ شحنةٍ، منذ أن بدأت الشركة تتبّع أنشطة إيران عام 2013. وتأمل الإدارة الأميركية في أن تسهم هذه الإجراءات في دفع طهران إلى تقديم بعض التنازلات، بينما يكرّر الرئيس دونالد ترامب الحديث عن قرب انتهاء العمليات المتعلقة بإيران، لافتًا إلى أن ذلك سيؤدي إلى انخفاض أسعار البنزين. وأضاف، في تجمعٍ انتخابي، أن الولايات المتحدة كانت مضطرةً للذهاب إلى الشرق الأوسط لفترةٍ من الوقت للقضاء على الأسلحة الإيرانية، مؤكدًا أنها أنجزت مهمة تدمير القدرات النووية الإيرانية خلال الفترة التي حددتها، وأنها وجّهت ضرباتٍ قويةً للنظام هناك. ويواجه الأخير انتقاداتٍ بسبب طريقة إدارة الحرب وعدم إبرام اتفاقٍ مع إيران، بينما يقترب موعد انتخابات الكونغرس المزمعة بداية الشهر المقبل، في ما يُعتبر اختبارًا لإدارة ترامب وسياساته الداخلية والخارجية.
وبينما ترتفع حدة التصريحات الكلامية بين طرفي الصراع، أي واشنطن وطهران، يجد لبنان نفسه في مأزقٍ من دون القدرة على تحقيق أيّ خرقٍ إيجابيٍّ على صعيد دفع الاحتلال الإسرائيلي للالتزام بـ"اتفاق الإطار"، مع ارتفاع وتيرة الهجمات والقصف على القرى والبلدات الجنوبية. ففي هذا الملف، جزم رئيس الجمهورية، جوزاف عون، أن "المفاوضات تمثّل بديلًا عن الحرب، وأن تنفيذ الاتفاق المُبرم يتطلّب انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية المحتلّة واستكمال انتشار الجيش". وبينما حسم مشاركة وفدٍ عسكريٍّ لبنانيٍّ في الاجتماع الثلاثي، المقرّر عقده في مدينة تامبا في ولاية فلوريدا يوم الثلاثاء المقبل، أعرب عن رغبة بلاده في التمديد لقوات "اليونيفيل" العاملة في الجنوب، مع قرب انتهاء مدة عملها، مرحّبًا بأيّ صيغةٍ تضمن استمرار الوجود الدولي جنوبي البلاد. وجاء كلام عون خلال استقباله وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، معلنًا ترحيبه بأيّ جهدٍ فرنسيٍّ للتوصل إلى صيغةٍ تحول دون حصول فراغٍ أمنيٍّ ووضع الجيش "على تماسٍ" مع الجيش الإسرائيلي، بعد انتهاء تفويض قوات "اليونيفيل". وتبحث باريس إمكانية إنشاء قوةٍ متعددة الجنسيات، تحظى بغطاءٍ من مجلس الأمن، أو اعتماد صيغةٍ أمميّةٍ جديدةٍ، على الرغم من المواقف الأميركية والإسرائيلية الرافضة، بحجة عدم قدرتها على نزع سلاح "حزب الله". وعاد السلاح مؤخرًا إلى صلب المواجهات الداخلية، بعد إقرار الحزب بامتلاكه شحنة المتفجرات التي ضُبِطَت في ضهر البيدر في وقتٍ سابق من هذا الشهر. ودخلت واشنطن على خطّ القضية، محذّرةً السلطات اللبنانية من إعادة المتفجّرات، وداعيةً إلى محاسبة المتورطين في نقلها وتمويلها.
في غضون ذلك، يترقّب لبنان الزيارة المرتقبة لرئيس الوزراء العراقي، علي الزيدي، إلى بيروت الأسبوع المقبل، حيث سيلتقي الرؤساء الثلاثة وعددًا من الشخصيات اللبنانية، للبحث في تطوير العلاقات الثنائية وتعزيز التعاون بين البلدين. وتخوض بيروت، كما بغداد، معركةً لحصر السلاح وإستعادة سلطة الدولة الشرعية، ما لا يمكن للنظام الإيراني أن يكون بعيدًا عنه. في سياقٍ آخر، هاجم مستوطنون إسرائيليون، أمس السبت، وفدًا دبلوماسيًا أوروبيًا في بلدة الطيبة في محافظة رام الله والبيرة في الضفة الغربية المحتلة، واعتدوا بالضرب على رئيس بلدية فرنسي كان ضمن الوفد الذي ضم دبلوماسيين فرنسيين وبلجيكيين وبولنديين، إلى جانب ممثلين عن الكنيسة الكاثوليكية، في حادثةٍ أثارت إداناتٍ أوروبية، ودفعت الشرطة الإسرائيليّة إلى فتح تحقيقٍ. وفي هذا السياق، تنكّر رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، من الحادثة، معتبرًا أن التقارير المنشورة تأتي في سياق حملةٍ لتشويه سمعة تلّ أبيب والمستوطنين اليهود في الضفة. من جهته، أعلن وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، فجر اليوم الأحد، أن بلاده طالبت إسرائيل باتخاذ إجراءاتٍ صارمةٍ ضدّ عنف المستوطنين، فيما شدّد على أن الولايات المتحدة "منزعجةٌ للغاية" من الاعتداء على المصورة الصحفية العاملة في صحيفة "واشنطن بوست"، هايدي ليفين، خلال تغطيتها قطف الزيتون في قرية أبو فلاح، قرب رام الله وسط الضفة.
دوليًا، تشهد مدن أوروبية عدة احتجاجاتٍ متزامنةً ضدّ تدهور قطاعاتٍ حيويةٍ، مثل التعليم والسكن، إلى جانب ارتفاع تكلفة المعيشة، يقودها الطلاب وحركة "السترات الصفراء" والمتقاعدين. فمن باريس إلى برلين ولشبونة، وصولًا إلى مدن الشرق الأوروبي، يسعى المحتجّون، عبر المسيرات المتزامنة، إلى إسماع صوتهم وإظهار التضامن الشعبي إزاء تقاعس السياسيين في توفير الخدمات الرئيسيّة، بما ينذر بأن كرة الثلج ستتفاقم ولن يفلت أيّ بلدٍ أوروبيٍّ منها، في ظلّ الدعوات المستمرة للاحتجاج والتظاهر. في إطارٍ آخر، قال وزير الدفاع الكندي، ديفيد ماكغينتي، اليوم الأحد، إن أشخاصًا لقوا حتفهم وأصيب آخرون في حادثٍ وقع داخل قاعدةٍ عسكريةٍ في مقاطعة ألبرتا، ما تسبّب في اندلاع حريقٍ كبير. ولم يقدّم الأخير أرقامًا محددةً حول عدد الضحايا، أو تفاصيل حول أسباب الحادث، مشيرًا إلى أن شرطة الخيالة الملكية الكندية تشارك في التحقيقات، واصفًا الموقف بأنه "حساس جدًا".
هذه التطورات، لا سيّما على الجبهة السعودية واعتداءات الحوثيين، كانت محل رصدٍ ومتابعةٍ من قبل الصحافة العربية الصادرة اليوم الأحد. وفي الآتي أبرز ما ورد فيها:
أشارت صحيفة "عكاظ" السعودية إلى أن "إيران تحاول، بخبث من خلال محاولتها الآن تسويق ورقة التوسط بين المملكة والحوثيين، تصوير المملكة على أنها طرف النزاع الأساسي معهم بالقفز على حقيقة أن المشكلة يمنية - يمنية، بين ميليشيا انقلابية وحكومة شرعية استنجدت بالرياض، التي كوّنت تحالفًا عسكريًا لدعمها اكتسب الغطاء القانوني الدولي، وأصبحت تدفع ثمن موقفها الإنساني مع الشعب اليمني وحكومته بمواجهة اعتداءات على أمن وسلامة مواطنيها ومرافقها الحيوية". وأوضحت أنه "إذا كانت إيران راغبة فعلًا في حل القضية اليمنية سلميًا، كما تدّعي، فلماذا لم تخاطب الحكومة الشرعية بصفتها الطرف الثاني في الأزمة اليمنية وليست السعودية. هي لم تفعل ذلك لأنها لا تعترف بها، وتريد إنتاج وتسويق مفهوم غير حقيقي بأن الأزمة حوثية - سعودية، وبالطبع لن تنطلي هذه المغالطة على أحد". وقالت: "ببساطة متناهية، إذا كانت إيران تريد حلّ الأزمة اليمنية، كما تزعم، فعليها رفع يدها عن اليمن وعدم التدخل في شؤونه. عليها أن تتوقف عن دعم الميليشيا الحوثية ضد حكومة شرعية معترف بها دوليًا، وما عدا ذلك فلن يصدقها أحد".
أما صحيفة "الأهرام" المصرية، فكتبت أن "التصعيد في المنطقة تتجاوز آثاره المواجهات العسكرية إلى أمن الطاقة والتجارة والممرات البحرية، وهي مصالح ترتبط مباشرة باستقرار المنطقة وقدرة دولها على حماية اقتصاداتها". ونوّهت إلى أن "التحركات المصرية تأتي للحدّ من التصعيد، وتأمين الملاحة، واستعادة الاستقرار، انطلاقًا من أن اتساع دائرة الصراع يضاعف كلفته على الجميع. وتكشف هذه الملفات أن الأمن القومي المصري لا ينفصل عن محيطه، لكنه لا يُصان أيضًا من دون دولة متماسكة وجبهة داخلية واعية؛ فحماية المصالح الوطنية لا تتحقق إلا بالقدرة على قراءة التحولات الإقليمية، وتقدير مآلات الصراعات، والتحرك الذي يمنع اتساع التهديدات".
صحيفة "الخليج" الإماراتية، في افتتاحيتها، شدّدت على أن "التطورات المتلاحقة تضع المنظومة الخليجية أمام تحديات استراتيجية وأمنية غير مسبوقة، تفرض عليها إعادة صياغة أولوياتها السياسية والاقتصادية لحماية أمنها القومي واستقرارها الداخلي، وكلها استحقاقات تستدعي من الجميع التحلي بالوعي المسؤول بما يجب فعله، وتتطلب التسلح بالحكمة والتعاون ونبذ الخلافات المصطنعة". وأكدت أنه "وأمام هذه التحديات العالمية والإقليمية المحيطة بدول مجلس التعاون، تقول الحكمة التاريخية للقادة المؤسسين، إن قوة الخليج تكمن في وحدته، وأن أمنه واحد ومستقبله واحد أيضًأ. والرهان اليوم ليس فقط على حماية الحدود الجغرافية ومقدرات الطاقة، بل على صون العقول وتحصين الوعي المشترك من الاختراقات الممنهجة ونزعات الشر الهدامة".
بدورها، رأت صحيفة "الوطن" البحرينية أن الاعتداءات الحوثية على المملكة العربية السعودية، وما شهدته من استهداف للمطارات والمنشآت المدنية والاقتصادية "تضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته، خصوصًا أن استهداف المنشآت المدنية لا يمكن تبريره بالخلافات السياسية أو العسكرية، ولا يجوز أن يتحول أمن الشعوب وحياتها اليومية إلى وسيلة للضغط أو تصفية الحسابات". وأضافت أن "الحديث عن الحوثيين لا ينفصل عن الدور الإيراني في دعم هذه الميليشيات الإرهابية، وما يثيره استمرار هذا الدعم من مخاوف أمنية مشروعة لدى دول المنطقة. فاستقرار اليمن وأمن جيرانه لا يمكن أن يتحققا باستمرار تهديد المدن والمرافق المدنية، وإنما باحترام سيادة الدول والتوقف عن توظيف الأراضي اليمنية في صراعات إقليمية يدفع المدنيون ثمنها".
وعن العلاقة بين بغداد والرياض، لفتت صحيفة "الصباح" العراقية غلى أنه "لا تقف أهمية هذه العلاقة عند حدود الاقتصاد، بل تمتد إلى الأمن والاستقرار الإقليمي. فالعراق والسعودية معنيان بمواجهة التحديات التي تهدد أمن المنطقة، وفي مقدمتها الإرهاب والتطرف، وتجارة المخدرات، والتهديدات العابرة للحدود. كما أن التنسيق بينهما يمكن أن يسهم في تخفيف حدة الأزمات الإقليمية، ودعم الحلول السياسية، وتغليب لغة الحوار على منطق الصراع. وكلما ازدادت الثقة المتبادلة بين البلدين، اتسعت قدرتهما على التأثير الإيجابي في محيطهما، وأصبح موقفهما المشترك أكثر فاعلية في القضايا التي تمس أمن المنطقة ومستقبل شعوبها". وذكرت أنه "ليس من الحكمة أن تبقى العلاقات بين الدول رهينة مواقف سابقة أو حساسيات سياسية تجاوزتها الظروف، ما دامت المصالح المشتركة تتيح فتح صفحة جديدة قوامها الثقة والاحترام المتبادل".
(رصد "عروبة 22")

