حتّى تجدّد المواجهات، كانت جماعة الحوثيّين تستثمر فترة التهدئة النسبية في تعزيز قدراتها العسكرية وتطوير ترسانتها من الأسلحة، في ظلّ دعم إيراني عسكري متواصل وحضور فاعل على الأرض. ومع عودة التصعيد، بدا أنّ الجماعة باتت تمتلك قدرات أكثر تطوّرًا في مجال الصواريخ والطائرات المُسيّرة، إلى جانب إمكانات متزايدة في تهديد الملاحة البحرية والمنشآت الحيوية. وهو ما يثير تساؤلات بشأن طبيعة المرحلة الجديدة وأهدافها، ومدى ارتباطها بالمطامع الإيرانية في المنطقة العربية.
ومع تقدّم الحوثيين باتجاه مضيق باب المندب، وتصاعد التهديدات التي تطال حركة الملاحة في جنوب البحر الأحمر، أظهرت جماعة الحوثي، التي ظلّت لعقود من الزمن تعيش في مرتفعات جبلية نائية في شمال اليمن، قدرات عسكرية وتقنية متطوّرة جدًّا فرضت تحدّيات جديدة على أمن المنطقة. فقد استهدفت هجماتها منشآت حيوية ومطارات سعودية، وطالت تهديداتها البنية التحتيّة للطاقة، وصولًا إلى استهداف منشآت إدارية ضمن مجمع شركة "أرامكو"، عملاق النفط العالمي.
الأهداف الإيرانية باتت عنوانًا لتجدّد المواجهة في اليمن
وتكشف هذه التطوّرات عن تحوّلٍ في طبيعة التهديد الذي يمثّله الحوثيون؛ فلم يعد مقتصرًا على الصراع الداخلي في اليمن، بل بات يمتدّ إلى أمن المنطقة العربية والممرّات البحرية والتجارة الدولية. كما أنّ الجمع بين استهداف المنشآت الحيوية والضغط على طرق الملاحة يفتح الباب أمام قراءة أوسع للأهداف الاستراتيجية التي يسعى الحوثيون إلى تحقيقها، وللارتباط الوثيق بين تحرّكاتهم والحسابات الإيرانية.
ولأن الأهداف الإيرانية باتت عنوانًا لتجدّد المواجهة، فإنّ المراقبين لمسار العمليات وطبيعة بعض الأهداف، يرون أنّ إصرار الحوثيين، الذين يواجهون تحدّيات اقتصادية داخلية، على أن تكون وجهتهم مضيق باب المندب بدلًا من محافظة مأرب الغنية بالنفط والغاز، يعكس المدى الذي أصبحت طهران تتحكّم فيه بأداء هذه الجماعة، والدور المستقبلي الذي يتم إعدادها لتلعبه.
ويتعزّز هذا البُعد بالنظر إلى الخطاب السياسي الإيراني الذي ربط، في مناسبات مختلفة، بين منع تصدير النفط الإيراني ومنع دول المنطقة العربية من تصدير نفطها، وما أعقب ذلك من استهدافٍ لناقلات النفط في مضيق هرمز أو في البحر الأحمر عبر حلفائها الحوثيين، قبل أن تمتدّ هذه الهجمات إلى منشآت النفط السعودية وخطوط النقل، وشاركت في بعضها فصائل عراقية تدين بالولاء لطهران.
الهجمات والتهديدات المتواصلة تكشف حجم الترابط بين أمن الدول العربية
ولا يقتصر الأمر على طبيعة الأهداف، بل يمتدّ إلى ما تطرحه التقارير المتعلّقة بالدعم العسكري والتقني الإيراني من أسئلةٍ بشأن مصادر الأسلحة، وطرق نقلها، ومستوى الخبرات المُتاحة للحوثيين في تشغيلها وتطويرها. كما أنّ تأكيد مصادر حكومية وأخرى إقليمية ودولية مشاركة عناصر من الحرس الثوري الإيراني في التخطيط للعمليات أو إدارتها ميدانيًا يكشف مدى الدور الذي باتت طهران تلعبه في اليمن. وتزداد أهمية هذه المعطيات في ضوء التطوّر الملحوظ في تقنيات الاستهداف والتوجيه، وما تكشفه التقارير الفنية عن طبيعة القدرات العسكرية المستخدمة.
وفي المقابل، لا يمكن فهم خطورة هذه التطوّرات بمعزل عن حالة التراجع التي أصابت منظومة الأمن القومي العربي خلال العقود الماضية، والتي تجلّت في تغذية الصراعات الداخلية، وضعف فاعلية مؤسّسات العمل الإقليمي، وتراجع قدرة جامعة الدول العربية ومجلس التعاون الخليجي على بناء استجابات مشتركة ومستدامة، فضلًا عن استمرار غياب التعاون المغاربي بشكل كامل.
لقد كشفت الهجمات المتواصلة على المنشآت الحيوية والتهديدات التي تطال الملاحة في البحر الأحمر عن حجم الترابط بين أمن الدول العربية، وعن المخاطر التي تنطلق من إحدى ساحات الصراع، ثم سرعان ما تمتدّ آثارها إلى دول ومصالح تتجاوز حدودها الجغرافية القُطرية.
غياب الرؤية العربية المشتركة يعمّق حالة التفكّك التي أضعفت الأمّة العربية
ومن هذا المنطلق، فإنّ التصريحات والمواقف التي أعقبت الهجمات الحوثية، وما رافقها من إدراك متزايد لأهمية باب المندب وأمن البحر الأحمر، قد تُشكّل مدخلًا لإعادة النظر في طبيعة العلاقات العربية وآليّات التنسيق الأمني بين دول المنطقة. غير أنّ تحويل هذا الإدراك إلى واقعٍ يتطلّب تجاوز ردود الفعل المؤقتة، والعمل على تطوير آليّات التعاون الاستخباراتي، وتعزيز التنسيق البحري، ورفع مستوى الاستعداد لحماية المنشآت الحيوية، وتفعيل مؤسّسات العمل العربي المشترك بما يتناسب مع طبيعة التهديدات الجديدة.
وبالتّالي، فإنّ أمن اليمن لم يعد قضية معزولة عن محيطها، كما أنّ أمن الخليج لا يمكن فصله عن أمن البحر الأحمر وباب المندب. وفي ظلّ تصاعد التنافس الإقليمي وتداخل المصالح العسكرية والاقتصادية، يبقى التحدي في ضرورة الإسراع في بلورة "رؤية عربية مشتركة" لأنّ استمرار غياب هذه الرؤية سيعمّق حالة التفكّك التي أضعفت قدرة الأمّة العربية على حماية أمنها القومي ومصالحها الاستراتيجية.
(خاص عروبة 22)

