كشف التقارير الميدانية والإعلامية الصادرة عن الإعلام العبري خلال الشهرين الأخيرين عن واقع عسكري ولوجستي مأزوم داخل الجيش الإسرائيلي، حيث تواجه المؤسسة العسكرية حالة غير مسبوقة من الإرهاق والاستنزاف جراء الانخراط في معارك متعددة الجبهات امتدت لثلاث سنوات متواصلة، من قطاع غزة إلى جنوب لبنان وصولاً إلى المواجهة المباشرة مع إيران، دون تحقيق أي حسم عسكري واضح على أي من هذه الأصعدة.
بدأت تتعالى الأصوات في الأوساط العبرية وتثير التساؤلات حول جدوى هذه الحرب المفتوحة التي فشلت في تحقيق أي من أهدافها، بل وأفسحت المجال لدخول قوات الحوثيين على خط المواجهة لتهديد الملاحة في مضيق باب المندب والمصالح الإسرائيلية في القرن الأفريقي، في ظل تقارير تتحدث عن تعاون عسكري ميداني بينهم وبين تنظيم القاعدة في الصومال.
ولم تعد أزمة الجاهزية والنقص اللوجستي طفيفة، بل تحولت بحسب العديد من التقارير الإسرائيلية إلى تراجع حاد في الكفاءة القتالية وانهيار لمعنويات الجنود ودافعيتهم، وهو ما وثقته الصحافة العبرية نفسها، إذ كشفت صحيفة "يديعوت أحرونوت" عن نقص حاد في التجنيد بلغ نحو 12,000 جندي (من بينهم 7,500 جندي مقاتل)، وسط تحذيرات قيادية من اضطرار الجيش إلى حل خمس كتائب تراجع أداؤها القتالي، يرافق ذلك إنهاك وتفريغ تدريجي لنظام الاحتياط وتوقف التدريبات، وتعالي المطالبات بتخفيض أيام الخدمة وتجنب الاستدعاءات المفاجئة منعاً لانهيار المنظومة بالكامل.
فيما أبرزت صحيفة "هاآرتس" مشاهد الإنهاك والضغوط الجسدية والنفسية القاسية التي يعاني منها الجنود في بيت حانون شمال غزة، موضحة أن قيادة الجيش أضحت تتجنب استدعاء جنود الاحتياط الذين أعلنوا رفضهم الخدمة لتفادي تفاقم أزمة التهرب وتأثيرها السلبي المباشر على الجاهزية الميدانية. وفي السياق ذاته، أقرت وثيقة عسكرية سرية سرّبتها صحيفة "تايمز أوف إسرائيل" بفشل ما سمي عملية "عربات جِيدون" في غزة جراء البطء الميداني وسوء التخطيط والأخطاء الفادحة وغياب الحسم الاستراتيجي أمام الفصائل الفلسطينية. بينما أكدت صحيفة "جيروزاليم بوست" أن تحول خدمة الاحتياط الطويلة من حالة طوارئ مؤقتة إلى واقع دائم فرض أعباءً باهظة على الأسر والاقتصاد الإسرائيلي، مما يستدعي مراجعة كليّة لسياسات الكيان.
تؤكد هذه المعطيات بمجملها أن استمرار الحرب لا يعني التفوق الدائم والحسم، بل كرس حالة من الاستنزاف الداخلي والاضطراب الاقتصادي الناتج عن التكاليف الباهظة للانتشار العسكري والاستنفار الدائم، مما يشير أن قوة الجيش الإسرائيلي قد وصلت إلى حدودها القصوى التي لا يمكن تجاوزها دون تهديد بنيته القتالية. كما أن محاولات فرض مناطق عازلة أو خطوط فصل جديدة تحولت بدورها إلى نقاط استنزاف إضافية تتطلب انتشاراً مكثفاً ومستمراً ستكون له تبعاته السلبية على المدى الطويل.
أمام هذا الواقع الميداني والسياسي المرتقب بعد الانتخابات القادمة في إسرائيل، وبغض النظر عن طبيعة الحكومة المقبلة وسواء كان على رأسها نتنياهو أو معارضوه، سيكون صانع القرار الإسرائيلي مجبراً على التفكير بواقعية وتخفيف حالة “السعار والهيجان” والحرب المفتوحة، والاتجاه نحو التفكير العقلاني والواقعي ضمن مقاربات جديدة لسلوكه في المنطقة.
وهنا تبرز العلاقة مع سوريا ضمن هذه المقاربة، فإدراك إسرائيل أن استمرار التصعيد ضد دمشق سيحمل مخاطر استراتيجية كبرى من منظورهم الأمني، أبرزها أن تمادي العدوان قد يدفع دمشق كلياً نحو تعزيز تحالفها مع تركيا، أو إعادة التفكير في المصالحة الكاملة مع إيران وفتح شريان التمويل والتسليح بين طهران وبيروت لإمداد حزب الله. فضلاً عن أن إبقاء الجنوب السوري في حالة فراغ أمني يفتح المجال أمام مجموعات وأطراف غير مضبوطة، مما يهدد بتكرار سيناريو المستنقع اللبناني عام 1982، ناهيك عن أن التصعيد على الحدود الجنوبية لسوريا يثير قلق الأردن بشكل كبير، حيث باتت ترى في التصعيد الإسرائيلي تهديداً مباشراً لأمنها القومي.
وبناءً على هذه التكاليف الباهظة للحرب الممتدة لثلاث سنوات، يرجح أن تسعى الحكومة الإسرائيلية القادمة إلى البحث عن تفاهمات مع الدولة السورية وفق مقاربة جديدة لخفض التصعيد. ورغم أن هذه الترتيبات قد لا تتوج فوراً بمعاهدة أمنية شاملة أو تتأسس بالضرورة على اتفاقية فض الاشتباك، إلا أنها قد تؤسس لتفاهمات أمنية تنهي وتيرة التصعيد والاعتداء على الأراضي السورية.
قد تشمل التفاهمات وقف الاقتحامات اليومية للقرى والبلدات في الجنوب السوري، وإنهاء الحملات الإعلامية العدائية ضد الحكومة السورية، وتعديل نطاق المناطق العازلة، وضبط طبيعة الأسلحة ونوعية الانتشار على جانبي الحدود، إضافة إلى تقديم ضمانات متبادلة للحد من نفوذ الأطراف الإقليمية الأخرى، ومنع استخدام الأراضي السورية كنقطة تهديد تمهيداً لاتفاق أمني متكامل لاحقاً يبنى على أساس الانسحاب الإسرائيلي من المناطق التي احتلتها عقب سقوط نظام الأسد.
ولا يستبعد أيضاً أن تكف سلطات الاحتلال أيديها عن دعم الميليشيات المسلحة في السويداء وعدم التدخل في ترتيبات دمجها ضمن مؤسسات الدولة السورية، مع مراعاة إسرائيل لحساسية المكون الدرزي نظراً لتأثير دروز الجليل داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية. إن فاتورة الحرب المفتوحة على مدى السنوات الثلاث الماضية بدأت تظهر آثارها العميقة في الجسد العسكري والأمني والاقتصادي في إسرائيل، ولا يعني ذلك أن القوة العسكرية الإسرائيلية باتت ضعيفة أو غير قادرة على التأثير، إنما دخلت في مرحلة عميقة من الإرهاق والاستنزاف بسبب سنوات الحرب الطويلة.
هذا يجعل أي حكومة قادمة -حتى وإن كانت حكومة نتنياهو التي قادت وما زالت تقود هذا الحرب- تجد نفسها مجبرة على إعادة قراءة الواقع الميداني والتراجع أمام حقائق الاستنزاف الشامل الذي بدأ عسكرياً وستظهر مفاعيله الاقتصادية والاجتماعية في المدى القريب.
(الثورة السورية)

