تقدير موقف

"أمّ القنابل" أولًا.. أم حربٌ على لبنان؟

تبدو المنطقة على فوّهة سباق محموم بين الانتخابات الأميركية والإسرائيلية، وبين استئناف الحرب "الاسرائيكية" على إيران. فإخفاق المفاوضات الأميركية - الإيرانية جعل المنطقة أمام حائط مسدود مقفل أمام التسويات، ومفتوح على إعادة إنتاج نسخة مُطوّرة وغير مسبوقة من حربٍ لم تعرفها المنطقة بعد. ربّما لهذا لجأ الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى "أمّ القنابل" بوصفها أقوى سلاح أميركي دون النووي، وأدرجها في بورصة التداول الإعلامي، واحتاج إليها لإحداث عملية العصف والترويع النفسي بهدف رفع مستوى الكورتيزول السياسي الأمني إلى حدّه الأقصى!.

مَن يراجع نُسخ الحروب السابقة على إيران، يجد أنّ بنك الأهداف المعلنة والمضمرة قد سبقه ما يلزم من الترويع الإعلامي والسياسي، ويجد أنّ ترامب لم يحصد النتائج المتوخّاة منها. كما يجد أنّ إيران وبعد كل حرب تخرج أصلب في المواقف وما تسمّيه الثوابت المبدئية، وتشهر سلاحها المزدوج المتمثّل بالاستمرار في المفاوضات الديبلوماسية، وجاهزيّتها للقتال وردّ العدوان بضراوةٍ أكبر، وفق التعبيرات الخشنة لأمين مجلس الأمن القومي محسن رضائي الذي لطالما تحدّث عن توسيع الحرب ضد كل الأصول والمصالح الأميركية في المنطقة وما حولها.

لهذا كان لا بدّ من "أمّ القنابل"، التي ترفع من خيلاء ترامب وغطرسته وتهديده ووعيده وترجيحه بأنّ الضربة ستستهدف ضمنًا "جبل الفأس"، تلك المنشأة الاستراتيجية التي يقول ترامب إنّها تحتاج إلى أسبوعَيْن لتصنيع القنبلة النووية. وعبارة "الأسبوعَيْن" يجري استخدامها منذ زمن أوباما حتى اليوم ولم تنتهِ بعد. ولم يزل "الأسبوعان" لافتة برّاقة يرفعها ترامب ونتنياهو لابتزاز وإخافة دول الخليج أولًا من جهة، وإسباغ وجاهة على حروبهما المتناسلة من جهة أخرى. وتوازيًا مع قرع طبول "أمّ القنابل"، تشهر الإدارة الأميركية سلاحًا أكثر فتكًا بالشعب والاقتصاد الإيراني، وهو سلاح "الخنق الاقتصادي" عبر الحصار البحري المرشّح للتوسيع والتشديد برًّا وجوًّا.

"قضم تدريجي" لقدرات إيران كبديل عن "الضربة القاضية"

إذن، ثمّة استعراض للقوّة المُفرطة يمارسها ترامب في وجه إيران بعد نحو 233 يومًا على اندلاع الحرب التي يتحضّر المشهد للنسخة المطوّرة والأحدث منها. وبعد كل هذا الضجيج، أعلن ترامب أنّ ما يجري مع إيران ليس حربًا وإنّما مناورة عسكرية، وأنّه علّق مهاجمة الصواريخ والمُسيّرات الإيرانية في مضيق هرمز تجنّبًا للتصعيد قبيل الانتخابات الأميركية، في لحظةٍ يستمر فيها استهداف وإحراق الحرس الثوري للناقلات التي تحاول عبور مضيق هرمز من دون موافقته.

"عنق الزجاجة" توصيف أكثر ما ينطبق على مضيق هرمز، الذي تكتظّ في داخله أزمات المنطقة والعالم، ملاحيًّا وأمنيًّا وطاقويًّا واقتصاديًّا وإنترنتيًّا، وبات من دون ترياقٍ يسمح بتفكيك صواعق التفجير، فكيف إذا تضامن معه "باب المندب". وبات واضحًا أنّ "أمّ القنابل" ليست "الضربة القاضية" التي تُسقط النظام الإيراني وتسمح بإعلان النصر الذي يتمنّاه "تراتنياهو"، لكنّها جزء فاعل من الضربات "الإسرائيكية" التي تتبنّى "القضم التدريجي" لقدرات إيران كبديلٍ عن "الضربة القاضية" المفقودة.

غموض موعد استئناف الحرب مرتبط بعنصر المفاجأة المروّعة

التلويح بأمّ القنابل ثم تعليق ترامب استهداف الحرس الثوري في هرمز، تزامن مع تطوّرات ميدانية متسارعة على جبهة السعودية مع الحوثيّين التي ما كان يجب أن تفتح، ليسفك فيها الدم العربي المسلم وتدمّر مقدّرات البلدين. لكن وبعيدًا عن التمنّيات فهذه الحرب ترسم بطريقةٍ أو بأخرى بعض زوايا وأضلاع خريطة نتنياهو التوسّعية في المنطقة والتي تشمل ضمنًا أراضٍ سعودية. إنها الحرب التي لا مستفيد منها سوى إسرائيل العدوّة، والتغوّل الأميركي لشفط آخر قطرة نفط وغدًا آخر نقطة ماء.

إنّها الحرب التي يكتشف عرب الخليج للمرّة الثانية أنّ أميركا وحلفاءها الغربيين لن يدافعوا عنهم، وأنّ ترامب اشترط انخراط السعودية في "اتفاقيات أبراهام" (التي لطالما ربطتها السعودية بتحقيق مسارٍ يؤدّي إلى قيام دولة فلسطينية) حتى تحظى بالحماية ضمن قوة إقليمية تشترك فيها إسرائيل. وها هو ترامب يعلن اليوم أنّ "اتفاقيات أبراهام عادت إلى الطاولة مع السعودية أكثر من أي وقتٍ مضى... وأنّ السعودية سعيدة جدًا بالحصول على دعم إسرائيل ودعمنا".

الوضع شديد التعقيد، ومساحة الانتخابات "الإسرائيكية" محطة ضبابية شديدة الخطورة، فلا أحد قادر على الجزم بموعد اندلاع الحرب التي تهدف هذه المرّة إلى مزيد من القضم لقدرات إيران، وتفعيل إجراءات الخنق الاقتصادي المتبادلة وربما ينضم إليها تهديد الكوابل البحرية الإنترنتيّة.

غموض موعد استئناف الحرب مرتبط بعنصر المفاجأة المروّعة. لكن مَن قال إنّ إطلاق الرصاصة الأولى هو بيد "تراتنياهو" حصرًا؟ أوليس محتملًا أن تقضي الاستراتيجية الإيرانية بتوجيه ضربة استباقية ما على امتداد المنطقة، وضمنًا إغلاق مضيقَيْ هرمز وباب المندب، ويشترك فيها كامل أذرعها الذين يعرفون جيدًا أنّ المقصلة تستهدفهم جميعهم بغضّ النظر عن التوقيت؟.

استئناف الحرب على لبنان سيكون الشرارة لإشعال المنطقة؟

تعليق ترامب للضربة إلى ما بعد الانتخابات النصفية، لا يعني عدم تنفيذ إسرائيل لضربة رباعية تشمل إيران وصنعاء والعراق انطلاقًا من جرف الصخر، ولبنان انطلاقًا من الجنوب والضاحية الجنوبية، سيّما أنّ السجال منطلق في العراق حول سحب سلاح الفصائل، تمامًا كما هو في لبنان حول سلاح "حزب الله". وقد بلغ السجال بين "حزب الله" والحكم سقوفًا مرتفعة، على خلفية شاحنة المتفجّرات التي شكّل إعلان الحزب امتلاكه لها خروجًا عن تحفّظه الأمني السابق توازيًا مع ممارسة الولايات المتحدة الضغط على الحكم اللبناني لتقييد مسؤولي "حزب الله" والقضاء على مصادر تمويله، ما أشاع مناخًا من التوتّر الذي عادةً ما يسبق الانفجار.. فهل سيكون استئناف الحرب على لبنان الشرارة لإشعال المنطقة بكاملها؟!.

(خاص عروبة 22)
?

في ظل ما أظهرته إيران من عدوانية تجاه العرب وعدم فعالية القواعد الأميركية في حماية الخليج العربي، هل تؤيد تشكيل "ناتو" عسكري عربي؟



الإجابة على السؤال

يتم التصفح الآن