بصمات

طب الأسنان.. قبس من الريادة العربية!

أثبتت الحضارة العربية حضورها في المجالات الطبية لتشكّل ذروة التقدّم في العصور ما قبل الحديثة، إذ جمع أطبّاء العرب بين البحث العلمي والمنهج التطبيقي والفحص السريري، فقدّموا إضافات وإنجازات علمية. وعلى الرغم من تعدّد أوجه المنجز العربي في تطوير المعارف الطبية كمحطة في مسيرة تطوّرها عالميًّا، إلّا أنّ مجال طب الأسنان لم يحظَ بالاهتمام الكافي لتقدير دور العرب في تطويره على الرغم من أنّ ما تركوه من كتب وأبحاث تجريبية واكتشافات علمية يظلّ شاهدًا على ريادة علمية لا يتوقّف عندها الكثيرون.

طب الأسنان.. قبس من الريادة العربية!

ربما يكون مجال طب الأسنان من المجالات الأساسية التي كشفت عن تنوّع الطرق العلاجية والبحثية التي اتبعها كبار الأطباء في الثقافة العربية الإسلامية في ذروة عطائها الحضاري، عندما سكنتها روح البحث العلمي التجريبي، واستخدام العقل لاختراع طرق علاجية أثبتت عبقريةً بحثيةً، بل إنّ بعض الأفكار والنتائج التي توصّل إليها بعض علماء العرب أثبتت صحتها وقدرتها على البقاء كحقائق عمليّة لم يزدها الطب الحديث إلّا تأكيدًا ورسوخًا، إذ ارتبط تطوّر طب الأسنان وجراحتها بأسماء علماء عرب كبار أمثال: ابن كشكاريا والرازي وابن سينا والزهراوي، الذين تركوا علاماتٍ أساسيةً في هذا المجال الطبي.

يُعدّ الفيلسوف والطبيب ابن سينا (توفي سنة 428هـ/1037م) أحد أبرز الأسماء في مجال طب الأسنان، فهو صاحب المنهج التحليلي النظري، بحسب دراسة الدكتور صالح عبد الحي حسن عن "صحة الفم والأسنان عند علماء العرب والمسلمين"، وهو ما عبّر عنه ابن سينا في كتابه "القانون في الطب" إذ يعتمد على مبدأ التدرّج في التعامل مع الأسنان وأمراض الفم بداية من الوقاية مرورًا بالعلاج وصولًا إلى التدخّل الجراحي.

الزهراوي هو النموذج الأكثر إبداعًا في مجال طب الأسنان

وابن سينا يستعرض في العديد من نصوص كتابه أسباب إصابة اللثة بالأورام، ويرجعها إلى تأثّرها بأمراض في الرأس أو المعدة أو الأبخرة الفاسدة أو اختلال سوائل البدن، مُقترحًا العلاجات المناسبة لأصل المرض، وهو المنظور النظري الشامل، لكنّه يعقبه باقتراحات واضحة التفاصيل للتدخّل العلاجي بداية من المضمضات الباردة والمراهم المسكّنة، ثم يقترح الجراحة أو الكي كحلّ علاجي أخير.

أمّا النموذج الأكثر إبداعًا في مجال طب الأسنان، فهو الطبيب الأندلسي الزهراوي (توفي حوالي سنة 404هـ/1013م) الذي يقدّم في كتابه "التصريف لمن عجز عن التأليف"، نموذجًا آخر، إذ يركّز على قواعد واضحة لجراحة الفم والأسنان، ما يعكس تخصّصه كأحد أبرز الجرّاحين في الحضارة العربية، فله الأسبقيّة في مجال جراحة الأسنان، عبر ابتكار العديد من عمليات جراحة الفم والأسنان؛ بما في ذلك زراعة الأسنان، وتقويمها والاستعاضة عنها بأسنان صناعية صنعها بنفسه، وكان أوّل مَن وصف الألم المنتقل من السنّ المريضة التي لا تظهر الألم إلى السنّ السليمة.

لذلك يقول الدكتور عبد الله عبد الرازق السعيد محقّق الجزء الخاص بطب الأسنان من موسوعة الزهراوي: "بدون شكّ فإننا نعتبر الزهراوي أعظم وأهم مَن ألّف ودوّن ومارس جراحة الفم والأسنان من بين جميع أطبّاء العرب والعالم كلّه آنذاك وقبل ذلك"، لافتًا إلى أنّ ما كتبه حول موضوع جراحة الفم والأسنان "أفضل ما كُتب عن جراحة الفم والأسنان في الماضي بأسلوب سهل ودقيق وواضح... خصوصًا لِما فيه من رسومات للأدوات الجراحيّة التي ابتكرها واستعملها".

الحضارة العربية قدمت إسهامات حقيقية وإبداعية في مجال طب الأسنان وجراحتها

ويبدأ الزهراوي حديثه بتشريح الأسنان، ثم ينتقل للحديث عن أمراض الفم والأسنان وعلاماتها وسبل علاجها وأدوية الفم وما يبيّضها وما يقلعها بلا حديد، كما تناول علاج الشفتين وقطع اللحم الزائد في اللثة، وجرد الأسنان بالحديد، ويخصّص مساحة واسعة للحديث عن قلع الأسنان، وهو هنا يكشف عن قدراته الطبية والجراحية المتقدّمة، فيتكلم عن قلع أصول الأضراس ونشر الأسنان النّابتة على غير نظام، وتثبيت الأضراس المتحرّكة بخيوط الذهب والفضة، ورد الضرس بعد سقوطه، وصناعة ضرس من عظام البقر ووضعه في مكان الضرس المخلوع، وقد وضع بعض القواعد الطبية التي لا تزال مستمرّة حتى يومنا هذا، وفي مقدّمتها الحفاظ على السنّ وعدم خلعها إلّا للضرورة القصوى.

من هذا العرض نكتشف أنّ الحضارة العربية قدمت إسهامات حقيقية وإبداعية في مجال طب الأسنان وجراحتها بصورة لا تحتمل اللبس في مدى أصالتها ودقّتها العلمية، فنموذج ابن سينا يعكس تصوّرًا متقدّمًا للطب ظلّ مُسيطرًا على البحث العلمي في أوروبا لقرون، بما في ذلك ما كتبه عن طب الأسنان. أمّا نموذج الزهراوي فهو يقدّم تطوّرًا علميًا وطبيًا بصورة أكبر وأكثر نضجًا، ولا شك أنّ ما كتبه شكّل القاعدة الصّلبة لتطوّر علم الأسنان في أوروبا وبالتّالي في الطب الحديث، إذ تُرجم كتابه إلى اللّاتينية في القرن الثاني عشر الميلادي على يد جيراردو الكريموني.

(خاص عروبة 22)

يتم التصفح الآن