الاقتصاد العربي.. وضرورات التكامل

ماذا تقول لنا "نوبل" في الاقتصاد؟من المؤسّسات إلى الابتكار والاستقرار

لا تقتصر أهمية "جائزة نوبل" في الاقتصاد على الأبحاث التي تكرّمها كل عام، بل تمتدّ إلى ما تكشف عنه موضوعاتها المُتعاقبة من تطوّر في أسئلة الفكر الاقتصادي.

ماذا تقول لنا

في عام 2024 مُنحت الجائزة لدارون عاصم أوغلو وسايمون جونسون وجيمس روبنسون عن أبحاثهم في دور المؤسّسات في تحقيق الازدهار، وفي عام 2025 لجويل موكير وفيليب أجيون وبيتر هاويت عن الابتكار والتقدّم التكنولوجي بوصفهما محرّكَيْن للنموّ. أما جائزة 2026، فتركّز على أسس استقرار الاقتصاد الكلّي ودور التوقّعات وقرارات الأسر والشركات في فاعليّة السياسات النقدية والمالية.

وعلى الرغم من أنّ هذه الجوائز لا تعكس بالضرورة مسارًا موحّدًا أو توجّهًا مقصودًا للجنة نوبل، فإنّ الربط بينها يبرز ثلاثة أبعاد متكاملة للتنمية المستدامة: مؤسّسات تهيّئ بيئة الازدهار، وابتكار يعزّز الإنتاجيّة، وسياسات تدعم الاستقرار في مواجهة الصدمات.

المؤسّسات قبل الحوافز

تطرح جائزة 2024 سؤالًا جوهريًّا: لماذا تنجح دول في تحويل مواردها إلى ازدهار مُستدام، بينما تعجز أخرى عن ذلك؟ تكمن الإجابة جزئيًّا في المؤسّسات التي تنظّم الحوافز، وتحمي الحقوق، وتضمن استقرار القواعد وفاعليّة المنافسة. فوفرة الموارد والاستثمارات لا تكفي من دون بيئة مؤسّسية موثوقة.

التكامل العربي يتطلّب مؤسسات قادرة على تنفيذ الاتفاقات

ويكتسب هذا الدرس أهميةً خاصّةً عربيًا؛ فالتحدّي ليس جذب الاستثمار فحسب، بل توجيهه إلى الإنتاج والتصدير ونقل التكنولوجيا وخلق فرص العمل. كما أنّ التكامل العربي يتطلّب مؤسّسات قادرة على تنفيذ الاتفاقات، وتسوية المنازعات، وتنسيق القواعد المنظّمة للتجارة والاستثمار، بما يحول دون أن تصبح الاختلافات التشريعيّة والإجرائيّة عائقًا أمام التكامل الاقتصادي.

الابتكار ليس ترفًا للدول الغنية

أكدت جائزة 2025 أهمية الابتكار والتقدّم التكنولوجي في تحقيق النموّ طويل الأجل، من خلال تحسين الإنتاجيّة وتطوير أساليب التصنيع وخلق منتجات وأسواق جديدة.

وتبرز هذه القضية عربيًا في ظلّ تفاوت قدرات الدول على تمويل البحث والتطوير وتوطين التكنولوجيا، واستمرار اعتماد بعضها على تصدير المواد الخام واستيراد التكنولوجيا الجاهزة.

توزيع الأدوار الإنتاجية وفقًا لمزايا كل دولة وربط حماية الصناعات القائمة بتحسين إنتاجيّتها وقدرتها التنافسية

وهنا يُتيح التكامل العربي توسيع أسواق الابتكار، وتقاسم تكاليف البحث والتطوير، وتوزيع الأدوار الإنتاجيّة وفقًا لمزايا كلّ دولة، خاصّةً في الصناعات الدوائية والبتروكيماويات والطاقة المتجدّدة والتكنولوجيا الزراعية والخدمات الرقميّة. لكنّ تحقيق ذلك يتطلّب استثمارات مشتركة ومعايير متوافقة وتطويرًا للمهارات. كما يقتضي مفهوم "التدمير الخلّاق" ربط حماية الصناعات القائمة بتحسين إنتاجيّتها وقدرتها التنافسية، من دون تعريض الصناعات الناشئة لانفتاح غير مدروس.

الاستقرار ليس بديلًا عن النموّ بل شرط لاستدامته

تأتي جائزة 2026 لتُكمل الصورة من زاوية أخرى. فحتى مع وجود مؤسّسات جيدة وفرص للابتكار، تظلّ الاقتصادات معرّضةً للصدمات التي تؤثّر في الاستهلاك والاستثمار والتوظيف والأسعار. وتوضح أبحاث روبرت هول ومايكل وودفورد كيف يمكن لفهم توقّعات الأسر والشركات أن يُحسّن تصميم السياسات الاقتصادية، وأن يجعل قرارات البنوك المركزية والحكومات أكثر فاعليّةً في مواجهة التقلّبات.

الإجراءات قصيرة الأجل لا توفّر أساسًا مستدامًا للنموّ إذا لم تقترن بتوسيع فرص الاستثمار المنتج

وهذا الدرس مُهمٌ للاقتصادات العربية التي تتأثّر، بدرجات متفاوتة، بتقلّب أسعار الطاقة والغذاء، والتغيّرات في أسعار الفائدة العالمية، وتكلفة التمويل، وحركة رؤوس الأموال. فالسياسات التي لا تراعي طبيعة الصدمة أو أوضاع الاقتصاد قد تنقل التكلفة من قطاع إلى آخر من دون معالجة أسباب الاختلال. كما أنّ استقرار الأسعار أو تحسّن المؤشرات المالية لا ينبغي أن يُقاس بمعزل عن قدرة الاقتصاد على الإنتاج والتشغيل. فقد تنجح إجراءات قصيرة الأجل في تخفيف ضغط معيّن، لكنّها لا توفّر أساسًا مستدامًا للنموّ إذا لم تقترن بتحسين الإنتاجيّة، وزيادة الصادرات، وتوسيع فرص الاستثمار المنتج.

وعلى المستوى العربي، لا يعني هذا الدرس أنّ توحيد السياسات النقدية أو المالية أو التجارية هو نقطة البداية الضرورية للتكامل. فاختلاف هياكل الاقتصادات وأوضاعها المالية يجعل التوحيد الفوري محفوفًا بالمخاطر. لكن يمكن البدء بتنسيق تبادل المعلومات، وتحسين الإنذار المبكّر بالصدمات، وتطوير آليّات للتعاون في الغذاء والطاقة، ثم التوسّع تدريجيًا في مجالات التنسيق التي تثبت جدواها.

التكامل العربي بوصفه مشروعًا لرفع الإنتاجيّة والقدرة على الصمود

إذا جمعنا هذه الدروس، فإنّ مشروع التكامل العربي يمكن أن يُقرأ باعتباره استجابةً لثلاثة تحدّيات مترابطة: بناء مؤسّسات موثوقة، وتوسيع القدرة على الابتكار، وتحسين إدارة الصدمات الاقتصادية. فالسوق العربية المشتركة، إذا قامت على قواعد قابلة للتنفيذ، يمكن أن تُتيح للمشروعات الوصول إلى قاعدة أكبر من المستهلكين، وتساعد على تحقيق وفورات الحجم، وتزيد جاذبيّة الاستثمار في الصناعات التي تحتاج إلى أسواق واسعة. كما يمكن لتنسيق الاستثمارات في البنية الأساسية والطاقة والنقل أن يخفّض تكاليف الإنتاج والتجارة، بينما يتيح التعاون البحثي والتكنولوجي توزيع نفقات الابتكار على نطاق أوسع.

مشروع التكامل ينبغي أن يتضمّن آليّات واضحة وبرامج لرفع الكفاءة وتمويلًا للمشروعات المشتركة

لكنّ التكامل ليس ضمانة تلقائية لتحقيق هذه المكاسب. فقد تستفيد الاقتصادات الأكثر تصنيعًا من تحرير التجارة بدرجة أكبر في المراحل الأولى، بينما تواجه اقتصادات أخرى صعوبات في المنافسة. وقد يؤدّي تدفّق الاستثمار إلى تعميق التخصّص الإنتاجي، لكنّه قد يكرّس أيضًا أنماطًا غير متوازنة إذا لم تقترن السياسات المشتركة بتنمية القدرات المحلية. ولهذا ينبغي أن يتضمّن مشروع التكامل آليّات واضحة لقياس المكاسب وتوزيعها، وبرامج لرفع كفاءة الاقتصادات الأقلّ استعدادًا للمنافسة، وتمويلًا للمشروعات المشتركة، وقواعد للشفافية وتسوية المنازعات. كما ينبغي ألّا يكون النجاح مرهونًا بارتفاع التجارة البينية وحده، بل بما تحقّقه من زيادة في القيمة المضافة، والإنتاجيّة، والتشغيل، والصّادرات إلى الأسواق العالمية.

(خاص عروبة 22)

يتم التصفح الآن