خلال الاجتماعات السنويّة لمؤسّسة "بريتون وودز" (Bretton Woods) التي عُقدت في بانكوك عاصمة تايلاند ما بين 12 و18 أكتوبر/تشرين الأول الحالي، تمّ تقديم التقرير الإقليمي تحت اسم "ميناب" (MENAAP)، جاء فيه أنّ "المنطقة سجّلت أضعف أداء اقتصادي في العالم، بسبب الحروب والنزاعات وإغلاق مضيق هرمز وتعطيل إمدادات الطاقة". كما "تكبّدت الدول المصدّرة نحو 4.3% من انخفاض نموّ الناتج الإجمالي، وتراجع الاقتصاد الإقليمي الكُلّي 2.1% عام 2026، بسبب تعثّر تجارة تصدير النفط وارتفاع الأسعار. وتضرّرت قطاعات السياحة والنقل والسفر والخدمات اللوجيستيّة، بسبب ظروف الحرب ومخاطر التنقّل وعزوف السياح عن مناطق النزاع".
قرار توسيع الرقعة الجغرافية له أسباب جيوسياسية
ينفي محلّلون وجود أيّ علاقة بين النزاعات الإقليميّة في الشرق الأوسط، وتداعياتها الاقتصاديّة والاجتماعيّة، وبين الدول المدرجة في التكتّل الجديد، بما يعني أنّ قرار توسيع الرقعة الجغرافيّة له أسباب جيوسياسيّة، وليس جيو-اقتصاديّة. ذلك أنّ باكستان وأفغانستان ليس لهما أيّ ثقل أو دور اقتصادي كبير، بل بالعكس، إدراجهما في الإحصاء الإقليمي يُفقد المنطقة العربيّة مراتب في تصنيف الدخل الفردي والناتج الإجمالي.
وهناك مَن يقول إنّ طلب الانضمام إلى التكتّل الإقليمي، تقدّمت به كراتشي لإخراجها من النفوذ الهندي، وتفادي مقارنتها بنيودلهي، في النموّ والتطوّر الاقتصادي، والابتعاد عن المظلّة الإقليميّة التي تسيطر عليها الهند في جنوب آسيا. وقد أيّدت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي هذه الرغبة، إذ تفضّل القوى الكبرى التعامل مع الهند كقوة إقليميّة مستقلة، من خلال مشروع الممرّ التجاري بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC).
ويرى الغرب في باكستان دولة مسلمة، يُستحسن ربطها بالعالم العربي، حيث تتواجد عمالة كبيرة يعتمد عليها الاقتصاد الباكستاني، في تحصيل العملة الصعبة، التي بلغت 41.6 مليار دولار العام الماضي. وحوّل المغتربون في السعودية 9.78 مليار دولار، ومن الإمارات 8.81 مليار دولار. وتتطلّع باكستان إلى أن تكون ممرًّا تجاريًّا بين دول الخليج العربي ووسط آسيا، وهي تتفاوض مع البنك الدولي لتأمين قروض تنمويّة بقيمة 40 مليار دولار، تغطّي الفترة 2026-2030.
الوساطة في حرب هرمز
لقد عزّزت باكستان دورها الإقليمي في الفترة الأخيرة، من خلال وساطتها بين الولايات المتحدة وإيران، في الحرب الدائرة بينهما حول مضيق هرمز، وانضمّت إلى "حلف مكّة الدفاعي" إلى جانب المملكة العربية السعودية وتركيا. وهو ما يجعلها دولةً محوريّةً من حيث عدد السكّان والقوة العسكريّة، سدًّا في وجه أطماع إيران التوسعيّة في المنطقة العربيّة. وحافظت باكستان على هذا الترابط مع العالم العربي منذ خمسينيّات القرن الماضي عندما انضمّت إلى التحالف المركزي الأميركي ضدّ التوسّع الشيوعي للاتحاد السوفياتي، ما عزّز علاقاتها مع الدول العربيّة المعتدلة من جهة، وجعلها حليفًا للولايات المتحدة في جنوب آسيا، في وقتٍ كانت واشنطن تواجه عزلة شبه قاريّة.
تركيا وإسرائيل وإيران
لكنّ الشرق الأوسط الجيوسياسي، الذي لم يخرج إلى الوجود بعد، قد يضمّ قوى أخرى، عسكريّة واقتصاديّة وتكنولوجيّة، لها روابط تاريخيّة وثقافيّة ومصالح اقتصاديّة أيضًا. ويتعلّق الأمر هنا بتركيا، التي يُصنّفها البنك الدولي ضمن "منطقة أوروبا وآسيا الوسطى" في فئة الدخل المتوسّط الأعلى. وكانت أنقرة حتى عهد "سايكس ــ بيكو" خلال الحرب العالميّة الأولى، حاضرةً في الشرق الأوسط بكل تفاصيله. وبلغت المبادلات التجاريّة العربيّة - التركيّة نحو 50 مليار دولار، بينها 27.7 مليار دولار مع الخليج العربي و14.3 مليار دولار مع العراق، و8 مليارات دولار مع مصر، و5 مليارات دولار مع المغرب، و3.9 مليار مع الجزائر، و3.7 مليار دولار مع سوريا، و2.2 مليار مع ليبيا، و1.3 مليار دولار مع الأردن، خلال العام الماضي.
مقدّمات لتحوّل عميق في موازين القوة والنفوذ والسيطرة في مشروع "الشرق الأوسط الكبير"
بدورها، تمكّنت إسرائيل من الحضور في تقارير منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كدولة إقليميّة، وهذا ما كانت تعمل من أجله إدارات أميركيّة عدّة، على الأقلّ منذ صدور كتاب شمعون بيريز حول "الشرق الأوسط الاقتصادي" في سنة 1993، لتوسيع الاندماج الإقليمي للدولة العبريّة في المحيط العربي. لكنّ سلوك بنيامين نتنياهو حدّ من فرص توسيع "الاتفاقيّات الإبراهيميّة". أمّا إيران، فقد وجدت نفسها في خلاف مع عدد من الدول العربيّة بسبب أعمالها العدوانيّة وتسليح أذرعها وسعيها لإحياء نفوذ قديم عبر تصدير ثقافة متطرّفة تتعارض مفاهيمها مع الهوية والسيادة. ولا تخفي طهران طموحها إلى الاستحواذ على القرار الإقليمي، لذلك يُعتبر انضمام باكستان، وانخراط تركيا، واستعداد مصر للمواجهة العسكريّة المقبلة، والدعم المغربي الدفاعي واللوجيستي لدول الخليج العربي، وتراجع الدور الأميركي منشغلًا بالانتخابات النصفيّة، مقدّمات لتحوّل عميق في موازين القوة والنفوذ والسيطرة في مشروع بناء "الشرق الأوسط الكبير" الذي لم يكتمل نضجه.
ويعود هذا المصطلح إلى ما بعد غزو الولايات المتحدة للعراق، في أبريل/نيسان 2003، واختلال موازين القوى، وظهور تيارات ومجموعات سياسيّة، ودينيّة، وعسكريّة، وتعدّد الولاءات الإقليميّة والأجنبيّة التي نجم عنها توغّل إيران في العراق وسوريا ولبنان واليمن، وظهور حركات جهاديّة تكفيريّة، امتدّت إلى أحداث "الربيع العربي"، الذي بدوره أعاد المنطقة إلى نقطة الصّفر، في أكثر من بلد عربي!.
(خاص عروبة 22)

