وجهات نظر

عن الجدل حول مصير "اليونيفيل"!

أُنشئت قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) في مارس/آذار 1978 بموجب قرارَيْ مجلس الأمن رقمَيْ 425 و426 عقب الاجتياح الإسرائيلي للبنان في ذلك العام، وحُمِّلَت في بادئ الأمر بثلاث مهام رئيسية هي: تأكيد انسحاب القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان، واستعادة السلم والأمن الدوليَّيْن في المنطقة، ومساعدة الحكومة اللبنانية على استعادة سلطتها الفعلية في جنوب لبنان.

عن الجدل حول مصير

عقب العدوان الإسرائيلي على لبنان عام 2006، أصدر مجلس الأمن في أغسطس/آب القرار 1701 الذي أضاف إلى "اليونيفيل" مهام جديدة أبرزها؛ مراقبة وقف الأعمال العدائية، ومرافقة الجيش اللبناني ودعمه أثناء انتشاره في جنوب لبنان مع انسحاب القوات الإسرائيلية، ومساعدة القوات المسلحة اللبنانية على جعل المنطقة الواقعة بين الخط الأزرق ونهر الليطاني خاليةً من أي أسلحة أو أفراد مسلحين غير تابعين للدولة اللبنانية.

لم تحقق الأهداف التي أُنشئت من أجلها إلا أنها كانت على الأقل شاهدًا محايدًا على الجرائم الإسرائيلية

وقد عملت "اليونيفيل" في ظلّ قيود قانونية وصعوبات ميدانية ما أثّر على أدائها وفعاليتها، فمن ناحية تخضع القوة لأحكام الفصل السادس وليس السابع من ميثاق الأمم المتحدة، ولذلك فهي قوة "حفظ سلام" وليس "فرض سلام"، ولا يحقّ لها استخدام السلاح إلّا للدفاع عن النفس، ما جعلها في موقع المُراقب العاجز عن منع الانتهاكات المسلّحة، ومن الناحية الميدانية تعرّضت القوة للعديد من الاعتداءات الإسرائيلية ما أدّى إلى إصابة ومقتل العديد من جنودها، وجعل "اليونيفيل" واحدةً من أعلى قوات حفظ السلام تكلفةً من المنظور البشري.

وعلى الرّغم من أنّه يمكن القول إنّ القوة الدولية لم تحقّق الأهداف التي أُنشئت من أجلها، إلّا أنّها كانت على الأقل شاهدًا مُحايدًا على الجرائم الإسرائيلية، ولعلّ هذا ما يُفَسِّر الانتقادات الإسرائيلية الحادّة لها، ويُفَسِّر كذلك الجدل المشتعل حاليًا حول مصيرها بين جهة رافضة للتمديد لها بعد انتهاء ولايتها نهاية العام، وهي أساسًا إسرائيل والولايات المتحدة، وجهة راغبة في هذا التمديد، وهي الدولة اللبنانية بكلّ مؤسّساتها.

من المعروف أنّ إسرائيل بالتنسيق مع واشنطن تتبنّى وجهة نظر تُعارض التمديد لقوات "اليونيفيل" بعد انتهاء ولايتها في نهاية العام الحالي (2026) بموجب قرار مجلس الأمن رقم 2790 لعام 2025 الذي اعتُمِد بالإجماع في أغسطس/آب من ذلك العام، وتستند إسرائيل في موقفها إلى حجّةٍ مفادها إخفاق القوة في منع تسليح "حزب الله"، والواقع أنّ السبب الأصيل هو رغبة إسرائيل في مواصلة جرائمها وانتهاكاتها بعيدًا عن الأعين، وتتفق الإدارة الأميركية تمامًا مع إسرائيل في معارضتها لبقاء "اليونيفيل" وللمبرّرات عينها، وتطرح بديلًا أمنيًا تسمّيه "الإطار الثلاثي" الذي يهدف إلى رفع قدرات الجيش اللبناني، وتعزيز السيادة اللبنانية، ومناقشة ترتيبات عملية تؤدّي في النهاية إلى نزع سلاح "حزب الله" بشكل كامل.

تكوين قوة تابعة للاتحاد الأوروبي فكرة معقولة

في المقابل، فإنّ ثمّة إجماعًا بين مؤسّسات الدولة اللبنانية على رفض إنهاء مهمة القوة الأممية، والمطالبة بإعادة النظر في القرار 2790 على أساس أنّ انسحابها سيُحدث فراغًا أمنيًا خطيرًا، ويمنع الرقابة الدولية على الانتهاكات، ما يزيد احتمالات التصعيد العسكري المباشر، وبالأخصّ في ظلّ التطورات الميدانية الحالية، وبناءً عليه فإنّ الدولة اللبنانية تسعى لتعديل القرار 2790، وهي مهمّة تبدو صعبةً للغاية في ظلّ الموقف الأميركي، فما العمل إزاء سيناريوات ما بعد نهاية العام الحالي، وقد اقتربت كثيرًا؟.

تبدو احتمالات النجاح في التمديد محدودةً في ظلّ الفيتو الأميركي، وبالتّالي فإنّ احتمالات المستقبل مقلقة للغاية، خاصةً أنّه مهما اتُّهِمَت "اليونيفيل" بالعجز فإنّ حضورها كشاهدٍ كان مفيدًا من دون شكّ لإثبات الانتهاكات والجرائم الإسرائيلية التي كثيرًا ما طالت القوة نفسها، وبطبيعة الحال فإنّ محدوديّة النجاح في التوصل إلى تمديد ولو مؤقت للقوة الأممية لا تمنع من بذل أقصى الجهود الممكنة من أجل تحقيق هذا الهدف، خاصةً أنّ الظروف الراهنة تعطي منطقًا أقوى للتمديد.

غير أنّه جنبًا إلى جنب مع الاستمرار في بذل أقصى الجهود للتمديد، ينبغي التفكير بجدية في البدائل الممكنة على الرغم من صعوبتها، وتبدو فكرة تكوين قوة تابعة للاتحاد الأوروبي فكرة معقولة، على الرغم من أنّها ستقابل بممانعة أميركية وإسرائيلية هائلة، بل إنّ الاتحاد الأوروبي نفسه قد يهاب الصدام مع الإرادة الأميركية، وإن كانت التناقضات المتزايدة بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي قد تكون عاملًا مساعدًا في هذا الصدد، بل إنّني في هذا الموقف الخطير أُغامر بالتساؤل عمّا إذا كان تفعيل قرار الاتحاد من أجل السلام ممكنًا بجهد ديبلوماسي لبناني مدعوم عربيًا بالنظر إلى خطورة الأوضاع في لبنان خاصّةً والمنطقة عامة.

أمن لبنان والأمن العربي يستحقان بذل أقصى ما يمكن من أجل تجنّب المزيد من العربدة الإسرائيلية

معروف أنّ هذا القرار صدر عن الجمعية العامة عام 1950 بمبادرة أميركية لتجاوز عجز مجلس الأمن عن اتخاذ قرار في الحرب الكورية بسبب الفيتو السوڤيتي، وطُبِّق بعدها بنجاح في العدوان الثلاثي على مصر 1956، وتمّ تشكيل قوة حفظ سلام بموجبه. ولا شكّ أنّ الموضوع ينطوي على صعوبات وتعقيدات كثيرة، لكن أمن لبنان والأمن العربي يستحقّان بذل أقصى ما يمكن من أجل تجنّب المزيد من العربدة الإسرائيلية.

(خاص عروبة 22)

يتم التصفح الآن