اقتصاد ومال

"إعادة الإعمار" في العالم العربي: مَن يبني المدن ومَن يملكها بعد الحروب؟

تحتاج المدن العربية المتضرّرة إلى مئات مليارات الدولارات، لكنّ المال وحده لا يضمن تعافيًا مُنصفًا. يكمن الحل في تمويل عربي مشترك تحكمه الشفافية ويحمي الملكيّة ويمنح الشركات والعمالة المحلية حصّة حقيقية.

حين تنتهي الحرب، أو تهدأ جبهة، يبدأ سباق آخر بين مَن يريد العودة إلى منزله، ومَن يبحث عن عقد، ومَن يموّل إعادة البناء، ومَن يرى في الأرض المدمّرة فرصةً استثمارية. لذلك، لا تعني إعادة الإعمار بناء المباني مجدّدًا فقط، بل تشمل أيضًا إعادة توزيع واسعة للمال والأرض والسلطة.

قد تنهض الأبراج والطرق بينما يبقى السكّان نازحين، إذا لم يستطيعوا إثبات ملكيّاتهم أو دفع تكلفة السكن في الأحياء الجديدة. وتتفاوت تقديرات الإعمار لأن بعض الحروب لم تنتهِ ولأنّ الأرقام تقيس أشياء مختلفة. تعني "الأضرار" قيمة ما دُمِّر، بينما تشمل "الخسائر" الإنتاج والدخل اللذَيْن ضاعا، أمّا "احتياجات التعافي والإعمار" فتضمّ تكلفة إعادة الخدمات والاقتصاد والمساكن.

حكومات البلدان المتضرّرة حاجاتها ضخمة وإيراداتها ضعيفة وديونها مرتفعة

في سوريا، قدّر البنك الدولي تكلفة إعادة إعمار المباني والبنية التحتية بنحو 216 مليار دولار، بعد تقييم الأضرار المتراكمة ما بين عامي 2011 و2024. لكنّ الرقم لا يشمل بالكامل إعادة الخدمات والتعافي الاقتصادي والاجتماعي أو الأضرار التي لحقت بالتراث، ما يعني أنّ الفاتورة الشاملة ستكون أعلى.

وفي غزّة، رفع تقييم مُحدّث لعام 2026 احتياجات التعافي والإعمار إلى نحو 71 مليارًا و400 مليون دولار، بعدما كانت مقدّرة بنحو 53 مليارًا و200 مليون دولار في التقييم السابق. أمّا الأضرار المباشرة، فبلغت نحو 35 مليارًا و200 مليون دولار حتّى التاسع من أكتوبر/تشرين الأول 2025.

وفي لبنان، قُدِّرت احتياجات التعافي والإعمار الناتجة عن الحرب بين أكتوبر/تشرين الأول 2023 وديسمبر/كانون الأول 2024 بنحو 11 مليار دولار، منها ما بين ثلاثة مليارات وخمسة مليارات تحتاج إلى تمويل عام، في حين تُقدَّر الحاجة إلى التمويل الخاص بما بين ستة مليارات وثمانية مليارات، خصوصًا في الإسكان والتجارة والصناعة والسياحة.

ويقدّر البنك الدولي احتياجات اليمن بما بين 20 مليار دولار و25 مليارًا. أمّا السودان، فلا يملك حتّى الآن تقديرًا شاملًا وموثوقًا، فيما تُشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أنّ الحرب قلّصت اقتصاده بأكثر من 40 في المئة، وألحقت بشبكة الكهرباء وحدها أضرارًا تصل إلى ثلاثة مليارات دولار.

أخطر ما في إعادة الإعمار أن يتحوّل الدمار إلى مدخل لنزع الملكيّة

تواجه حكومات البلدان المتضرّرة مشكلة واضحة: حاجاتها ضخمة، فيما إيراداتها ضعيفة وديونها مرتفعة. وإذا لجأت إلى الاقتراض التجاري، فقد تُعيد بناء الجسور اليوم على حساب التعليم والصحة والضرائب غدًا. وتبقى المنح أنسب لتمويل إزالة الأنقاض والمدارس والمستشفيات ومساكن الفقراء واستعادة السجلّات العقارية. أمّا القروض الميسّرة، فيمكن توجيهها إلى الكهرباء والمياه والنقل، شرط أن تكون القدرة على التسديد واقعية.

ويدخل القطاع الخاص عادةً إلى المشاريع التي تَعِد بعوائد، مثل الاتصالات والطاقة والمطارات والإسكان التجاري، لكنّه قد يطلب في المقابل أرضًا عامة أو امتيازًا طويلًا أو ضمانة حكومية. وهنا قد تبدو الصفقة قليلة التكلفة في البداية، فيما تتخلّى الدولة فعليًا عن أصل أو إيرادات مستقبلية لعقود مقبلة من الزمن. أمّا العقود الكبرى، فتذهب في الأغلب إلى شركات أجنبية تملك التمويل والخبرة. لكنّ اعتماد نظام "تسليم المفتاح" قد يؤدّي إلى استيراد العاملين والمواد والمعدات، فتُبنى المنشأة، لكن الأجر والخبرة والأرباح تغادر البلد مع الشركة المنفّذة.

تقدّم تجربة العراق درسًا مهمًّا، فتدفّق الأموال بعد عام 2003، ثم بعد الحرب على تنظيم "داعش"، لم يكن كافيًا في ظلّ ضعف المؤسّسات وتعدّد الجهات المنفّذة وتأخّر المشاريع. وأظهرت التجربة أنّ العقود المحلية الأصغر، عندما تقترن بالرقابة والتنسيق، تكون أقدر على توليد الوظائف وتحسين الخدمات من المشاريع الضخمة المعزولة عن حاجات السكان.

وأخطر ما في إعادة الإعمار أن يتحوّل الدمار إلى مدخل لنزع الملكيّة. كُثرٌ من النازحين فقدوا وثائقهم، وبعضهم كان يسكن في أحياء غير رسمية، فيما قد تواجه النساء صعوبة إضافية في إثبات الإرث أو الاحتفاظ بحقوقهن. وقد تعلن السلطات منطقة ما غير صالحة للسكن، ثم تُعيد تخطيطها كمشروع عقاري مرتفع التكلفة. ويحصل المالك القديم على تعويض لا يكفي لشراء منزل في الحيّ الجديد، بينما يُستبعَد المستأجرون والسكان الذين لا يحملون سندات رسمية. لذلك يجب تثبيت حقوق السكن والأرض والملكية قبل تغيير المخطّطات ومنح العقود، وإنشاء لجان مستقلّة للنظر في المطالبات والتعويضات، إذ لا تُعَدُّ إعادة بناء حيّ نجاحًا إذا عجز أهله عن العودة إليه.

ينبغي تفكيك بعض المشاريع الكبرى إلى عقود تستطيع الشركات الصغيرة والمتوسطة التنافس عليها

لا تحتاج المنطقة بالضرورة إلى مؤسّسة جديدة ضخمة، بل إلى نافذة عربية للتعافي والإعمار تستفيد من خبرة الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي والبنك الإسلامي للتنمية والصناديق الخليجية ومجموعة التنسيق العربية. تستطيع هذه الآليّة الجمع بين المِنَح والقروض الميسّرة والضمانات، مع إنشاء نافذة مستقلّة لكل بلد، حتى لا تتنافس المآسي العربية على المال عينه.

لكنّ التمويل يجب أن يرتبط بسجل علني للمشاريع والعقود، والإفصاح عن المالك الحقيقي لكل شركة، وصرف الأموال وفق مراحل إنجاز مدقّقة. وينبغي تفكيك بعض المشاريع الكبرى إلى عقود تستطيع الشركات الصغيرة والمتوسطة التنافس عليها، واعتماد نسب واقعية للعمالة والمشتريات المحلية. ويمكن للدول العربية وضع معايير موحّدة للمناقصات وإدارة الأنقاض والسلامة والبناء المقاوم للكوارث، وإنشاء برامج مشتركة لتدريب المهندسين والحرفيّين، وإشراك البلديات والسكان والنازحين والنساء في تحديد الأولويات.

(خاص عروبة 22)

يتم التصفح الآن