بينما تبدو الحروب التقليدية البرية مستبعدة (إلّا في حال إسرائيل مع لبنان وسوريا)، فقد أصبحت الهجمات على البنية الأساسية التي شنّتها إسرائيل منذ عقود ضد لبنان وتبنّتها إيران وحلفاؤها حاليًا، هي السمة الرئيسيّة لصراعات المنطقة، خاصةً أنّ طهران ووكلاءها لا يأبهون كثيرًا لأي ردّ لأنّ إيران نفسها تعرّضت لقصف أميركي مدمّر وهي بلد كبير ومترامي الأطراف، كما أنّ وكلاءها في المنطقة لا يهتمّون كثيرًا بأي ردّ يستهدف البلدان العربية التي يُطلقون هجماتهم منها، وسيحاولون تصويره على أنّه عدوان على هذه البلدان متجاهلين أنّهم هم الذين بدأوا بالاعتداء.
التوسّع في البنية الأساسية الصغيرة واللامركزية وتوزيعها لحرمان المُعتدين من أهداف مركزية ثمينة
وما يدفع إيران ووكلاءها إلى هذا النّمط من الحرب هو طبيعة دول الخليج التي تجعل الأثر الاقتصادي والاجتماعي لهذه الهجمات كبيرًا، فهي دول قليلة السكّان نسبيًّا (باستثناء السعودية) تتركّز أغلبية ساحقة منهم في تجمّعات حضرية تعتمد على بنية أساسية ضخمة ومتطوّرة تجعلها أهدافًا ثمينة، ويزداد الأثر جرّاء الوضع الاستثنائي للمياه في دول الخليج التي تعتمد بنسب كبيرة على محطّات تحلية مياه البحر في ظلّ قلّة مصادر المياه الطبيعية.
وفي مواجهة احتمال تكرار هذه الاعتداءات من قبل إسرائيل أو إيران، فإنّ تكيّف البنية الأساسية في الجزء الآسيوي من العالم العربي يعدّ ضرورة لا مفرّ منها. وأوّل أساليب التكيّف هو التوسّع في البنية الأساسية الصغيرة واللامركزية وتوزيعها لحرمان المُعتدين من أهداف مركزية ثمينة.
ويبرز في هذا الصّدد ضرورة التوسّع في ألواح الطاقة الشمسية لتوليد الكهرباء الموضوعة فوق أسطح المنشآت ويمكن ربط هذه الألواح بالشبكة المركزية لتمدّها بالكهرباء في أوقات الذروة والانقطاعات لتصبح مصدر ربح لأصحابها، خاصةً أنّ المنطقة العربية من أفضل المناطق في اقتصاديّة الكهرباء الشمسية ويمكن ببعض الاستثمار والتخطيط أن تنافس في بعض الأوقات تكلفة الكهرباء المولّدة من الوقود الأحفوري.
وهناك محطات الصرف الصحّي الصغيرة اللامركزية بما في ذلك محطات المعالجة البيولوجية الصديقة للبيئة، التي تمثّل بديلًا ومكمّلًا للمحطات المركزية.
التحصين الخرساني ووضع الأجزاء الأكثر حساسية تحت الأرض
وفي ما يتعلق بالمياه من الضروري لدول الخليج والأردن التركيز على محطّات تحلية المياه الصغيرة واللامركزية، التي تقلّ طاقتها الإنتاجية في بعض تصنيفاتها عن 25 مترًا مكعبًا يوميًّا، كبديل ومكمّل لمحطات التحلية الكبرى، إذ تتيح إنتاج المياه بالقرب من المستهلكين، وتحدّ من تكاليف نقلها عبر الشبكات وخطوط الأنابيب، وتتسم بالانتشار الذي يقلّل أثر الهجمات أو الأعطال. وتشير مراجعات علمية إلى أنّ بعض أنظمة محطات التحلية الصغيرة قادرة على المنافسة اقتصاديًّا مع المحطات الكبيرة، خصوصًا في المناطق النائية التي يصعب ربطها بالشبكات المركزية.
التوجّه الثاني لتكيّف البنية الأساسية مع الهجمات هو التحصين الخرساني ووضع الأجزاء الأكثر حساسية في ملاجئ تحت الأرض. وعلى الرغم من تكلفة ذلك إلّا أنّه يمثل وسيلة فعّالة لحمايتها، كما تظهر التجارب في أوكرانيا وإسرائيل وتجربة إيران مع بنيتها العسكرية.
ولقد أصبحت قطاعات واسعة من البنية العسكرية والبنية المدنية الأوكرانية بما فيها المستشفيات والشركات المدنية العاملة مع الجيش تعمل تحت الأرض. ولقد تكيّف المجهود الحربي الأوكراني والقطاع المدني مع القصف الروسي الهائل لدرجة توسُّع شركات التكنولوجيا الأوكرانية أثناء الحرب، كما استجاب قطاع المقاولات للحاجة إلى بناء الملاجئ، وأصبح لديه خبرة فيها، وهو ما يشير إلى أهمية جعل الأزمات قيمة مضافة ولو جزئية للاقتصاد كتعويض لجزء من الخسائر.
توسيع أنابيب النفط والغاز وتعدّد مساراتها لتقليل آثار أي هجمات
وهناك سلسلة من الحلول التي طبّقتها أوكرانيا ودولة الاحتلال، فقد توسّعت كييف في مولدات الطاقة الاحتياطية، والأنظمة المعيارية التي يمكن إصلاحها أو استبدالها بسرعة، فيما تعمد حكومة الاحتلال الإسرائيلي إلى تخزين الوقود البديل، وركّبت مولدات ديزل احتياطية أو بطاريات ليثيوم على أكثر من نصف أبراج الهواتف الخلوية في شمال إسرائيل بهدف تمديد عمل الشبكة إلى 24 ساعة بعد انقطاع الكهرباء بدلًا من ساعتَيْن فقط.
وأحد أصعب مجالات التكيّف في المنطقة هو منشآت إنتاج وتكرير النفط والغاز وخطوط توزيعهما، ومع ذلك لا مناص من توسيع أنابيب النفط والغاز وتعدّد مساراتها لتقليل آثار أي هجمات، وكذلك التفكير في بناء بعضها تحت الأرض. وفي هذا الصّدد يجب أن تبحث دول الخليج في إنشاء خطوط أنابيب بديلة لمضيق هرمز، وقد يكون ذلك عبر إنشاء خطوط أنابيب تنقل النفط والغاز من ساحل الخليج العربي إلى جنوب الجزيرة العربية حيث السواحل العُمانية والإماراتية، وكذلك سواحل الجنوب اليمني البعيدة عن الحرب مع الحوثيين، وكذلك خطوط الأنابيب المتجهة إلى لبنان وسوريا وتركيا على المتوسّط وأيضًا إلى البحر الأحمر ومنه عبر قناة السويس للأسواق العالمية.
طهران باتت تنزع نحو استهداف دول الخليج ولا تركّز على إسرائيل لأنّها تردّ بعنف عليها
وحتّى لو هدأت الأوضاع، وأعيد فتح مضيق هرمز فإنّ على دول الخليج التوسّع في عمليات تخزين النفط، خاصّةً خارج أراضيها في دول المنطقة المستقرّة كمصر أو في دول آسيوية أو أفريقية في ضوء احتمال تكرار الأزمات، خاصّةً أنّ إسرائيل والولايات المتحدة قد تعيدان شنّ الحرب على إيران. ومن جانبها، يبدو أنّ طهران باتت تنزع نحو استهداف دول الخليج لتأثير ذلك على الاقتصاد العالمي، ولا تركّز على إسرائيل لأنّها تردّ بعنف عليها، كما أنّها أبعد، ما يجعل قصفها أصعب وأكثر تكلفة، خاصةً أنها تحظى بحماية مزدوجة من أنظمتها المحلية ومن الولايات المتحدة التي تعطيها أولوية مطلقة.


