تكتسب الانتخابات أهميتها لأنها تمثّل أول اختبار وطني واسع لأداء ترامب منذ عودته إلى السلطة، وتأتي وسط مؤشّرات مُقلقة للجمهوريين. فقد أظهر استطلاع لمركز "بيو"، نُشر في 8 أكتوبر/تشرين الأول، تراجع شعبية ترامب إلى 30%، وتقدّم الديموقراطيين بثماني نقاط في تفضيلات الناخبين المسجّلين لانتخابات مجلس النواب. وهذه أفضلية وطنية لا تتحوّل آليًا إلى مقاعد، لأنّ النتائج تحسمها المنافسة داخل الدوائر ونسب المشاركة.
على الصعيد الداخلي، يُتوقّع أن تتأثّر نتائجها بقضايا الاقتصاد وكلفة المعيشة والهجرة، فضلًا عن الجدل المتعلّق باستخدام الرئيس صلاحيّاته التنفيذية. ومع أنّ الاقتصاد يبقى عادةً العامل الأثقل في تصويت الأميركيّين، فإنّ اتساع صلاحيّات الرئيس وطريقة إدارته الملفات الداخلية سيكونان أيضًا جزءًا من الحكم على أداء الإدارة.
التقديرات ترجّح انتقال مجلس النواب إلى الديموقراطيين فيما تبقى معركة الشيوخ مفتوحة
على الصعيد الخارجي، تُضيف الحرب مع إيران عبئًا على الإدارة مع ارتفاع أسعار الطاقة وتراجع التأييد لطريقة إدارتها، فضلًا عن استمرار أزمتَيْ غزّة وأوكرانيا. وهنا تتداخل السياسة الخارجية مع الداخل ليصبح استمرار النزاع مع إيران قضية انتخابية بقدر ما ينعكس على الأسعار والإنفاق والشعور بالأمان، وتواجه وعود ترامب بإنهاء الحروب اختبارًا يتجاوز الخطاب الديبلوماسي إلى الحياة اليومية للأميركيّين. يُرجّح أن يدعم الجمهوريّون ترامب دفاعًا عن القوة الأميركية، فيما يركّز الديموقراطيّون على كلفة الحروب وعلاقته بحكومة نتنياهو، ما يعزّز حضور السياسة الخارجية في تقييم الناخبين للإدارة.
تاريخيًّا، خسر حزب الرئيس مقاعد في مجلس النواب في 20 من أصل 22 انتخابات نصفية منذ 1938. لكنّ هذه القاعدة لا تحدّد حجم الخسارة أو الطرف الذي سيسيطر على كل مجلس. والتقديرات الحالية ترجّح انتقال مجلس النواب إلى الديموقراطيين، فيما تبقى معركة الشيوخ مفتوحة، إذ يحتاج الديموقراطيون إلى مكسبٍ صافٍ بأربعة مقاعد لانتزاع أغلبيته.
يفتح الاستحقاق ثلاثة سيناريوات رئيسة:
- السيناريو الأول: احتفاظ الجمهوريين بالمجلسَيْن، وهو ما سيقدّمه ترامب بوصفه تجديدًا للتفويض الشعبي. وسيمنحه ذلك فرصة أفضل لدفع برنامجه في الضرائب والهجرة والإنفاق وتثبيت مرشّحيه للمناصب الحكومية والقضائية. غير أنّ الأغلبية الجمهورية لا تضمن تمرير كل التشريعات، بسبب قواعد مجلس الشيوخ واحتمال الانقسام داخل الحزب بشأن العجز المالي والحروب وحدود السلطة التنفيذية. كما قد تزداد الخلافات مع استعداد شخصيّات جمهورية لخوض سباق خلافته عام 2028.
- السيناريو الثاني: فوز الديموقراطيّين بمجلس النواب مع احتفاظ الجمهوريّين بالشيوخ. عندئذٍ يستطيع الديموقراطيّون تعطيل التشريعات التي تحتاج إلى موافقة المجلسَيْن، وقيادة اللجان والتحقيقات، واستدعاء المسؤولين ومساءلتهم عن الإنفاق وقرارات الإدارة. وقد تعود مساءلة ترامب بقصد عزله إلى الواجهة، لكن موافقة النواب على الاتهام لا تعني إقالته، لأنّ الإدانة تتطلّب موافقة ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ الحاضرين، ما يجعلها شديدة الصعوبة سياسيًا.
وقد تتكرّر المواجهات بشأن قوانين الإنفاق وتمويل السياسات الحكومية، بما يزيد احتمال الإغلاق الفيدرالي إذا تعذّر الاتفاق. وسيواجه ترامب خيار التفاوض مع خصومه أو توسيع اعتماده على الأدوات التنفيذية وإعلانات الطوارئ ضمن حدود القانون. وفي الحالة الثانية، سينتقل مركز الصراع من الكونغرس إلى المحاكم والولايات، فتستمر الإدارة في العمل، ولكن ضمن بيئة من النزاعات القانونية والسياسية المتواصلة.
احتمال التعطيل التشريعي أكبر من احتمال الشلل الرئاسي
- أمّا السيناريو الثالث فهو خسارة الجمهوريين مجلس الشيوخ، منفردًا أو مع مجلس النواب. وستضيف هذه النتيجة قيدًا مهمًّا على التعيينات الحكومية والقضائية والديبلوماسية التي تتطلّب موافقته. وإذا سيطر الديموقراطيّون على المجلسَيْن، فستتسع قدرتهم على تنسيق الرقابة والضغط التشريعي والمالي، من دون أن يتمكّنوا بالضرورة من فرض برنامجهم، لأنّ الرئيس يحتفظ بحقّ النقض.
ومع ذلك، لا تعني خسارة أحد المجلسَيْن شللًا كاملًا في السياسة الخارجية. فالرئيس يحتفظ بمساحة واسعة للتحرك الديبلوماسي والعسكري، وإنْ قيّدتها القوانين والتمويل والرقابة. وقد تدفعه صعوبة تحقيق إنجازات داخلية إلى البحث عن تسويات خارجية، أو إلى التصعيد لإظهار الحزم. لكنّ الاتجاه الذي سيختاره سيعتمد أيضًا على كلفة النزاعات ومواقف حلفائه وخصومه.
الرهان الحقيقي على طبيعة الحكم الأميركي حتى 2028
ستؤثّر النتائج كذلك في معركة 2028: فالفوز الجمهوري بالكونغرس يعزّز قدرة ترامب على التأثير في اختيار خليفته، بينما تمنح الخسارة منافسيه داخل الحزب حجّةً لمراجعة إرثه، وتتيح للديموقراطيّين منصّة لإعادة بناء قيادتهم وبرنامجهم وتحضير البديل.
لذلك، فإنّ احتمال التعطيل التشريعي أكبر من احتمال الشلل الرئاسي الكامل. والرهان الحقيقي ليس فقط على الحزب الذي سيحصل على العدد الأكبر من المقاعد، بل على طبيعة الحكم الأميركي حتى عام 2028: إدارة تواصل برنامجها مستندةً إلى كونغرس موالٍ، أم رئاسة محاصرة بالتحقيقات والتعطيل، أم سلطة تنفيذية تعتمد المراسيم والمحاكم لتجاوز انقسام سياسي مرشّح لمزيد من الحدّة. كما لا ينبغي استبعاد التشكيك والطعن في نتائج الانتخابات على غرار ما حصل سنة 2021.
(خاص عروبة 22)

