قبل عشرة أيام من انتخابات الكونغرس، تشير أغلب التوقعات إلى اتجاه الديمقراطيين للسيطرة المؤكدة على مجلس النواب، مع احتمال بعيد لسيطرتهم على أغلبية مجلس الشيوخ. وشخصيًا، أتوقع اكتساح الديمقراطيين لمجلسي الكونغرس، لكن بأغلبية بسيطة لا تتعدى عشرة مقاعد في مجلس النواب، ولا تتخطى الـ52 مقعدًا في مجلس الشيوخ.
لا يدير الكونغرس السياسة الخارجية الأمريكية، ويترك الدستور هذا الشأن للسلطة التنفيذية، وعلى رأسها الرئيس. وعلى عكس كل أعضاء الكونغرس الذين يتم انتخابهم على مستوى محلي، الولاية بالنسبة إلى سيناتور مجلس الشيوخ، والمقاطعة (داخل الولاية) في حالة عضو مجلس النواب، لا ينتخب الشعب الأمريكي كله على المستوى القومي إلا الرئيس ونائبه. من هنا، يمنح الدستور الرئيس سلطات واسعة، خاصة مع كونه القائد الأعلى للقوات المسلحة الأمريكية في الوقت ذاته، ولا يمكن للكونغرس منع الرئيس من توجيه أوامر للقوات المسلحة الأمريكية بشن هجمات عسكرية على أي دولة وفي أي وقت يختاره الرئيس.
ومع استحالة حصول الديمقراطيين على أغلبية الثلثين اللازمة لتجاوز حق الفيتو الرئاسي، تبقى كل تحركات وقرارات الكونغرس حول ما يتعلق بصلاحيات قرار الحرب، أو قرارات منع بيع الأسلحة، رمزية إلى حد كبير. وعلى سبيل المثال، وخلال الأشهر الأخيرة، صوت مجلس النواب ثلاث مرات لصالح قرارات ترفض صلاحيات الحرب على إيران، كان آخرها الشهر الماضى، عندما صوت 220 عضوًا (من بينهم 7 جمهوريين) مقابل 204 أعضاء. كما سبق أن أقر مجلس الشيوخ قرارًا مماثلًا في يونيو، ولم تغير هذه القرارات مسار الحرب، وتجاهلها الرئيس ترامب.
ما يمكن لأغلبية الديمقراطيين في الكونغرس القيام به يتمثل في سيطرتهم على جدول الأعمال، وتشكيل اللجان، وتحديد المخصصات المالية. وبعد بدء جلسات الكونجرس الجديد في الثالث من يناير 2027، سيقرر الديمقراطيون أي مشاريع القوانين ستصل إلى جدول الأعمال، وسيحددون أي مسؤولين يتم استدعاؤهم، وسيحددون المخصصات المالية، بما قد يُصعّب على الرئيس تجاهل الكونغرس بصورة كبيرة، ناهيك عن احتمال تصادم الطرفين فيما يتعلق بمشروعات قرارات الميزانية الفيدرالية، والتي ينتج عنها إغلاق مؤسسات الدولة الأمريكية أبوابها.
وستكون الحرب الأمريكية على إيران هي القضية الأهم التي سيتعرض فيها الكونغرس ذو الأغلبية الديمقراطية لاختبار حقيقي. ويعتبر معظم الديمقراطيين قرار ترامب بشن الحرب خطأً لم يستشر فيه الكونغرس إلا أن الكونغرس لن يقدم على وقف تمويل عمليات البنتاغون، إذ إن قطع الأموال عن الجنود في جبهات القتال من شأنه تعريض الديمقراطيين لاتهامات بالتخلي عن الجيش. وبدلًا من ذلك، يمكن للكونغرس توفير تمويل مشروط بتخصيص أموال لحماية القوات وتجديد الذخائر، على سبيل المثال.
ولا أنصح بأن تفسر طهران هزيمة الجمهوريين كدليل على أنها ضربة لترامب فيما يتعلق بإيران. وعلى العكس من ذلك، أرى أن انتهاء الانتخابات في حد ذاته سيمنح ترامب حرية حركة كبيرة في اتجاه اتخاذ ما يريد من قرارات دون تبعات سياسية انتخابية. كما أن فترة الشهرين (من 3 نوفمبر إلى 3 يناير) قبل بدء الكونغرس الجديد عمله، ستكون حاسمة ومغرية للرئيس ترامب لحسم الصراع مع إيران، كما يقول "مباشرة بعد الانتخابات"، سلمًا أو حربًا، قبل انتقال الأغلبية بالكونغرس إلى الديمقراطيين.
إلا أن التحول الأهم مع الكونغرس الجديد سيتعلق بالعلاقات مع إسرائيل. ففي أبريل الماضى، صوت 40 من أصل 47 ديمقراطيًا في مجلس الشيوخ لحظر بيع جرافات للجيش الإسرائيلي، كما اعترض 36 عضوًا على بيع قنابل ضخمة لإسرائيل. وقبل سنوات، كان من المستحيل تصور تصويت 85% من الديمقراطيين بمجلس الشيوخ ضد إسرائيل. ومع تمتعهم بالأغلبية في الكونغرس الجديد، سيتمكن الديمقراطيون من عقد جلسات استماع حول استخدام الأسلحة الأمريكية في تدمير قطاع غزة وجنوب لبنان، وسيعمل الديمقراطيون على إبطاء المراجعة لمبيعات الأسلحة الجديدة، وربما عرقلة تجديد اتفاقية المساعدات الأمريكية الإسرائيلية التي تنتهى عام 2028.
إلا أنه، مع بقاء قادة الحزب التقليديين، مثل السيناتور تشاك شومر كزعيم للديمقراطيين بمجلس الشيوخ، والنائب حكيم جيفريز رئيسًا لمجلس النواب، لا يُتوقع أن ينقلب الحزب الديمقراطي على إسرائيل، وستقتصر التغيرات على بعض النقاط الشكلية والرمزية. ومع تشكيل حكومة إسرائيلية جديدة، قد يختار الديمقراطيون فتح صفحة جديدة مع إسرائيل حال خسارة بنيامين نتنياهو منصبه، أما إذا بقي نتنياهو في منصبه، فمن المرجح أن تزداد الاحتكاكات بين الكونغرس والحكومة الإسرائيلية.
وفيما يتعلق باليمن، سيكون الكونغرس الديمقراطي أكثر تشككًا في أي دور عسكري أمريكي في النزاع. وسبق أن أقر الكونغرس عام 2019 قرارًا بشأن صلاحيات الحرب ينهي دعم الحملة التي تقودها السعودية، والذي رفضه ترامب ولجأ إلى حق النقض. ومع تغير واقع الصراع بسيطرة جماعة الحوثيين على باب المندب، وتهديد الشحن العالمي واضطراب صادرات النفط السعودية، وتزامن ذلك مع عرقلة الملاحة في مضيق هرمز، سيتفهم الكونغرس منطق شن عمليات عسكرية بحرية للحفاظ على مضيق باب المندب مفتوحًا، وسترافق ذلك مطالب متزايدة بمنح مساعدات إغاثية لليمن، مع زيادة الضغط للتوصل إلى تسوية سياسية للحرب الأهلية اليمنية بدلًا من المشاركة في هجمات سعودية مفتوحة ضد الحوثيين أو دعمها.
فوز الديمقراطيين في كلا المجلسين لن ينهى حرب إيران، ولن يعيد بناء قطاع غزة، ولن يحل أزمة اليمن. أكبر ما يمكن توقعه هو انتهاء الدعم غير المشروط من الكونغرس لسياسة إدارة ترامب في الشرق الأوسط، واستبداله بكونغرس يرغب في ربطها ببعض الشروط، بما يقلل من مخاطر الحرب المفتوحة مع إيران، أو يضع بعض الشروط لدعم إسرائيل. وستعتمد سرعة هذا التغيير في الكونغرس وحجمه كذلك على وحدة الحزب الديمقراطي المنقسم بين التقليديين والتقدميين حول إسرائيل وفكرة حروب واشنطن في الشرق الأوسط.
(الشروق المصرية)

