حرب عالمية ثالثة؟ لم لا؟

لافتة تضم صورة الخميني والمرشد مجتبى خامنئي ووالده علي خامنئي في طهران. (أ ف ب)

الأرض أصغر مما كانت عليه قبل مئة عام، لا تتقلص مساحتها لكن المسافات. مركبة طائرة تدور حولها في أقل من يوم وصاروخ عابر للقارات قد يعبرها من أقصاها إلى أقصاها، وكبسة زر نووية قد تزيل مدينة كبيرة أو بلداً من الوجود في لحظات. كرة من ماء ويابسة كانت تسمى كوناً ولم تعد كذلك. هي نقطة في كون لا نهاية له ولا تعرف له بداية في متاهة أبدية يعجز عقل الإنسان عن تفكيك أسرارها حتى الآن. لا شيء يدور في العالم حالياً بصفته حدثاً معزولاً قائماً بذاته.

أحداث العالم سلسلة مترابطة بعضها ببعض. من أوكرانيا إلى الصين وتايوان إلى أوروبا إلى الشرق الأوسط إلى أميركا والهند وباكستان، وحتى إلى الفضاء الخارجي. نظرة شاملة إلى الكرة الأرضية من بعيد تعطي مؤشرات تتقاطع لتنذر بخطر. لم يكن الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش أول من حذر من اندلاع حرب عالمية ثالثة، لكنه كان الأكثر وضوحاً في إبداء مخاوفه من أخطار تصاعد التسلح في أوروبا والزيادة المتسارعة في الإنفاق العسكري الأوروبي وتوسع الصناعات الدفاعية في ظل استمرار الحرب الروسية الأوكرانية وانخراط أوروبا المتوسع في دعم أوكرانيا وفي الاستعداد لحرب محتملة مع روسيا.

واستشهد فوتشيتش بمقولة مستوحاة من أعمال الكاتب الروسي أنطون تشيخوف، مفادها أن البندقية التي تظهر معلقة على الحائط في الفصل الأول من المسرحية لا بد من أن تطلق النار في الفصل الثالث، في إشارة إلى مخاوفه من أن يؤدي التوسع في التسلح إلى اندلاع مواجهة عسكرية واسعة. قبله حذر الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والبابا من خطر تحول الصراع الروسي الأوكراني إلى حرب واسعة، وإن كانت تحذيراتهم ذات أهداف وخلفيات متباينة. التحذير المتكرر من اندلاع حرب عالمية ثالثة لا يؤكد وقوعها لكنه يشير إلى أن ظروف العالم السياسية والاقتصادية والعسكرية تهيئ الأرضية لتمدد الصراعات القائمة وتحولها إلى حرب عالمية.

تشتعل النيران في أماكن عدة من العالم كما يمكن أن تشتعل في أماكن أخرى. تتكثف المساعي لإطفائها لكن ليس كل شيء يحل بالمفاوضات والاتصالات والوساطات الدولية، لم تمنع الوساطات والاتفاقيات وقوع الحربين العالميتين الأولى والثانية ولا الحروب الإقليمية المتنقلة. تشير الوقائع السياسية والعسكرية الدولية إلى خطين متوازيين من النشاط: خط ديبلومسي يقوده الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي يقدم نفسه داعية سلام فيما يخوض الحرب في الشرق الأوسط ويهدد بها في تايوان وخط عسكري يوحي بالاستعداد لحرب قريبة في أوروبا والشرق الأوسط، وهذا الخط يظهر فيه ترامب أولاً ومعظم الدول المنخرطة، مباشرة أو غير مباشرة في الحروب.

في العالم بؤر توتر تشكل ظروفاً مواتية لاندلاع حرب عالمية ثالثة. هذه البؤر التي تعجز الديبلوماسية عن خفض التوتر فيها حتى الآن يمكن أن تؤجج اشتعالها شرارة أو حدث غير متوقع:

- استمرار الحرب الأوكرانية، وتزايد الاستعداد العسكري الأوروبي، واحتمال وقوع اشتباك مباشر بين القوات الروسية وقوات دولة عضو في الناتو، ما قد ينقل الصراع إلى مستوى أخطر.

- اتساع المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، أو تعرّض القواعد الأميركية في المنطقة لهجمات واسعة، أو تعطّل الملاحة نهائياً في مضيق هرمز والتسبب بأزمة طاقة عالمية تضع الاقتصاد العالمي في خطر، ما قد يدفع دولاً أخرى إلى التدخل للحفاظ على مصالحها أو تفاقم الصراع السعودي الحوثي وانضمام دول أخرى إلى جبهة اليمن. وتزداد خطورة هذا السيناريو إذا تزامن مع أزمة روسية–أوروبية أو تصعيد في شرق آسيا.

- أي عملية عسكرية صينية واسعة ضد تايوان قد تضع واشنطن أمام اختبار مباشر لالتزاماتها الأمنية ومصالحها في المحيط الهادئ. وإذا تزامنت الأزمة مع مواجهة في أوروبا، فقد يجد العالم نفسه أمام صراعين بين قوى نووية.

- الفضاء السيبراني والاقتصاد: قد تبدأ المواجهة بهجمات إلكترونية على المصارف وشبكات الكهرباء والاتصالات، أو بتخريب البنيى التحتية، أو بزيادة العقوبات والحصار التجاري والمالي كما يجري حالياً خصوصاً تجاه روسيا وإيران. هذه الأدوات يمكن أن تُستخدم بالتزامن مع عمليات عسكرية ويمكن أن تكون مسبباً غير مباشر لاندلاع حرب أوسع.

لن تسبب أي من حربي أوكرانيا أو الشرق الأوسط حرباً عالمية بمفردها لكن ترابط الحربين القائمتين وأخطار انفجار مواجهات جديدة في أماكن أخرى مع تفاقم حال الاختناق الاقتصادي نتيجة تراجع تدفقات النفط وسلاسل التوريد العالمية قد تشكل توجهاً نحو انخراط دول أخرى في مواجهات تفرضها عليها الضغوط الاقتصادية والاحتجاجات الشعبية المتصاعدة على تدهور الاوضاع المعيشية.

الأمر في أيدي مجموعة من الأشخاص الذين لا يبدون طبيعيين تماماً.

(النهار اللبنانية)

يتم التصفح الآن