حينما نُدرّس للطلاب الديموقراطية والسلطوية، نشرح لهم أنّ التصنيف الآلي للأنظمة السياسية بين ديموقراطية وسلطوية تصنيف سطحي ومُخلّ، فلا الديموقراطيات كلها متشابهة، ولا السلطويات كلها تتبع المناهج عينها في الحكم.
الواقع أنّ هناك درجات مختلفة من الديموقراطية، وأطيافًا مختلفةً من السلطوية. ويمكن، على سبيل التبسيط، تخيّل الأمر كخطٍ مستقيمٍ تقع على أحد طرفَيْه الديموقراطية الليبرالية، وعلى الطرف الآخر الشموليّة، وهي نمط أكثر تطرّفًا من الحكم السلطوي، لا يكتفي بإقصاء المعارضة السياسية، بل يسعى أيضًا إلى إخضاع المجتمع ومؤسّساته لمنطق السلطة وأيديولوجيّتها. وبين الطرفَيْن توجد أنظمة تسمح بمساحات متفاوتة من التعدّدية، وأخرى تضيق بهذه المساحات إلى حدّ الاختناق. وفي الحالات الأكثر قمعًا، لا يعود المعارض مجرّد خصم سياسي، بل يُصبح خائنًا بكل معاني الخيانة، يتعرّض للملاحقة والعقاب، بدءًا من فقدان الوظيفة، مرورًا بفقدان الحرية، ووصولًا أحيانًا إلى فقدان الحياة!.
وجود معارضة تعمل بصورة علنية أقل خطرًا على استقرار الحكم من دفع النشاط السياسي إلى خارج المؤسسات
وهذا يقودنا إلى التساؤل الرئيسي: لماذا لا تتسامح النظم السياسية العربية مع المعارضة، حتى لو كانت هذه الأخيرة ضعيفة وهامشية الوجود؟.
يمكن أن نبدأ من تفسيرٍ يبدو منطقيًا، وهو أنّ السلطة تخشى أن تتحوّل المعارضة الضعيفة اليوم إلى معارضة قوية غدًا. لكن هذا التفسير، على الرغم من وجاهته، لا يُجيب عن السؤال كاملًا. فهناك أنظمة عربية تمتلك من أدوات السيطرة على الانتخابات والإعلام والأحزاب والمؤسّسات ما يجعل وصول المعارضة إلى الحكم شبه مستحيل، ومع ذلك تظلّ شديدة الحساسية تجاه مقال ناقد، أو اجتماع حزبي محدود، أو حتى منشور على وسائل التواصل الاجتماعي. فما الذي يجعل نشاطًا سياسيًا محدودًا يستدعي كلّ هذا القلق؟.
السلطة في النظم السلطوية ليست شخصًا واحدًا وإنما شبكة واسعة من المسؤولين والأجهزة والمؤسسات وأصحاب المصالح
ثمّة تفسير آخر يتعلّق بطبيعة العلاقة بين السلطة والمعارضة في عدد من الدول العربية. ففي بعض هذه الدول، تغيب الضمانات الكافية لتنظيم المنافسة السياسية وحماية أطرافها. ولذلك قد يخشى الحكّام من أن يؤدّي السماح بنشاط معارض، ولو كان محدودًا، إلى فتح الباب أمام مطالب سياسية يصعب التحكّم في حدودها لاحقًا. فالسماح بتأسيس حزب مستقلّ قد يقود إلى المطالبة بانتخابات أكثر تنافسية، وهذه قد تثير بدورها مسألة تداول السلطة والرقابة على المؤسّسات الحاكمة. وربّما لهذا السبب تفضّل بعض الأنظمة إغلاق المجال السياسي من البداية، بدلًا من الدخول في عملية انفتاح لا تستطيع ضمان نتائجها. لكنّ هذه الحسابات تتجاهل أنّ وجود معارضة ضعيفة تعمل بصورة علنية، وفي إطار قواعد معروفة، قد يكون أقلّ خطرًا على استقرار الحكم من دفع النشاط السياسي كله إلى خارج المؤسّسات الرسمية.
لكن هناك تفسيرًا ثالثًا لا يقلّ أهمية، يتعلّق بالعلاقة بين الحاكم والمؤسّسات التي يعتمد عليها في البقاء. فالسلطة في النّظم السلطوية ليست شخصًا واحدًا مهما بلغت قوته، وإنما شبكة واسعة من المسؤولين والأجهزة والمؤسّسات وأصحاب المصالح. وبعض هؤلاء قد يرى في أي انفتاح سياسي تهديدًا لموقعه أو امتيازاته. ومن ثم، قد لا يكون التشدّد تجاه المعارضة انعكاسًا لخوف الحاكم وحده، بل نتيجة لضغوط ومصالح داخل النظام نفسه، حيث يُصبح استمرار التضييق ضمانةً لاستمرار النفوذ والمصالح التي نشأت في غياب المنافسة والمحاسبة.
والأهم أنّ القمع قد يتحوّل بمرور الوقت إلى عادة مؤسّسية. فالأجهزة التي اعتادت التعامل مع النشاط السياسي باعتباره تهديدًا أمنيًّا يصعب عليها أن تتعامل فجأةً مع المعارضة باعتبارها جزءًا طبيعيًّا من الحياة العامة. ومع مرور السنوات، يُصبح السماح بمظاهرة سلمية أو نشاط حزبي مستقل قرارًا استثنائيًا يحتاج إلى تبرير، بينما يصبح المنع هو القاعدة التي لا تحتاج إلى تفسير. وهنا لا يعود التشدّد مجرّد وسيلة تستخدمها السلطة عند الضرورة، وإنّما يصبح جزءًا من الطريقة التي تفهم بها مؤسّسات الدولة وظيفتها. والمفارقة أنّ هذا كلّه قد يجعل النظام أقلّ أمنًا، لا أكثر. فحين تختفي المعارضة من المجال العام، لا تختفي بالضرورة أسباب الغضب الاجتماعي والسياسي. وحين يخشى المواطنون التعبير عن آرائهم، لا يعني صمتهم أنّهم راضون عن الحكم. بل إنّ السلطة نفسها قد تصبح عاجزةً عن التمييز بين التأييد الحقيقي والتأييد الناتج عن الخوف أو المصلحة. وإذا كانت الأحزاب والصحف والنقابات المستقلّة لا تستطيع التعبير بحرية عمّا يجري في المجتمع، فمن أين يحصل الحاكم على معلومات دقيقة عن اتجاهات الرأي العام؟.
حين تختفي المؤسسات السياسية المستقلة ينتقل الخلاف من السياسة إلى الشارع من دون وجود قنوات واضحة للتفاوض
وهناك مشكلة أخيرة تتعلّق بمستقبل الحكم نفسه. فالأنظمة التي تقضي سنوات طويلة في إضعاف المعارضة قد تكتشف، عند حدوث أزمة اقتصادية أو سياسية كبيرة، أنّها أضعفت معها الأطراف التي كان يمكن التفاوض معها. فالمعارضة المنظّمة، حتى عندما تكون شديدة النقد للحكومة، يمكن أن تلعب دورًا في احتواء الغضب وتقديم بدائل والتوصّل إلى تسويات. أمّا حين تختفي المؤسّسات السياسية المستقلّة، فقد ينتقل الخلاف من السياسة إلى الشارع من دون وجود قنوات واضحة للتفاوض. ولا يعني هذا أنّ السماح بالمعارضة يضمن استقرار الحكم، أو أنّ كل معارضة تمثّل بالضرورة بديلًا أفضل. فالتجارب السياسية مليئة بأحزاب ضعيفة أو انتهازية أو عاجزة عن تقديم حلول حقيقية. لكن الفرق كبير بين معارضة تفشل لأنّها لا تقنع المواطنين بأفكارها، ومعارضة تُمنع أصلًا من اختبار قدرتها على إقناعهم.
لهذا أعتقد أنّ السؤال الذي ينبغي أن يشغل الحكام العرب ليس كيف يمكن القضاء على آخر صوت معارض، بل ما الذي سيحدث عندما يجدون أنفسهم أمام أزمة حقيقية من دون معارضة منظّمة يمكن الحديث معها، ومن دون مؤسّسات مستقلّة تنقل إليهم ما يفكّر فيه المواطنون. فالقضاء على المعارضة قد يجعل الحكم أكثر هدوءًا لبعض الوقت، لكنّه لا يجعل المجتمع أكثر رضا، ولا السلطة أكثر معرفةً بما يجري حولها.
(خاص عروبة 22)

