في هذا الكتاب الذي يُخاطب ضمير النّخب اليهوديّة في العالم، يدافع المؤلّف عن حقّ اليهودي في نقد تجاوزات وجرائم السلطات الإسرائيلية، رافضًا تماهي القوميّة اليهوديّة مع الحالة الإسرائيليّة التي أصبحت ثقلًا باهظًا على يهود العالم.
يؤكد المؤلّف في هذا الكتاب أنّه يشعر بإثم الخطأ وعمق المسؤوليّة إزاء جريمةٍ كبرى تُرتَكب باسمه، ليس لكونه منخرطًا مباشرةً فيها، بل لكون "الدولة اليهوديّة" في عمومها، من ساسة ورجال دين ومثقّفين، تحوّلت إلى قاعدة للظلم والطغيان والقتل. ومن ثم غدت المسؤوليّة الأخلاقيّة تتطلّب التنصّل من هذه الفظائع التي تُرتَكب باسم الهوية اليهوديّة، وكل صمت هو ضربٌ من التواطؤ والخيانة.
لا يتردّد المؤلّف في القول إنّ الحلم الإسرائيلي انتهى كليًّا
ما حدث اليوم هو أنّ اليهود كانوا في السابق ضحايا بريئين، وأصبحوا اليوم في منظور الكثيرين عتاة دمويّين، ولا شك أنّ انقلاب هذه الصورة هو أخطر ما سيواجه اليهود مستقبلًا.
وعلى الرغم من المصاعب الدلاليّة والرمزيّة في استخدام عبارة "الإبادة الجماعيّة" لوصف الجرائم الإسرائيليّة الحاليّة، إلّا أنّ المؤلف يُلاحظ أنّ بعض الأقلام البارزة لم تعد تتردّد في استخدام هذه العبارة المشحونة، كما هو شأن الكاتب دافيد غروسمان والمؤرخ عمير بارتوف المتخصّص في موضوع الإبادة الجماعيّة. ولم يعد من المُجدي رفض استخدام هذا اللفظ مع موت ما بين 80 ألفًا و100 ألف مدني فلسطيني بريء.
ومع أنّ المؤلّف لا يخفي استناده إلى المشروع الصهيوني الأصلي الذي قام من أجل بناء دولة لليهود، إلا أنّه يُلاحظ أنّ هذا المشروع قد تمّ تدميره أخلاقيًّا بتدنيس ذاكرة المحرقة التي قامت عليها "الشرعيّة الأخلاقيّة" للدولة.
وهكذا تُعاني إسرائيل اليوم من عزلة عالميّة متزايدة، ولم تعد ذاكرة الاضطهاد اليهودي قادرة على حماية اليهود أنفسهم، باعتبار أنّ دولتهم غدت منبوذة ومستهجنة، يُنظر إليها بصفتها قوة قتل وتشريد وإبادة جماعيّة.

لا يتردّد المؤلّف في القول إنّ الحلم الإسرائيلي انتهى كليًّا، والمطلوب حاليًّا هو "محاربة الفاشيّة التي في داخلنا والانتصار عليها"، ولا يكون ذلك إلّا بهزيمة التيار المتطرّف الحاكم في تل أبيب ومنح الشعب الفلسطيني حقوقه المشروعة.
ملاحظتان نقدّمهما حول هذا الكتاب الجديد المهم:
- أولًا: يندرج الكتاب في إطار الأدبيّات ما بعد الصهيونيّة التي انتشرت على نطاقٍ واسعٍ في إسرائيل وفي الساحة اليهوديّة العالميّة، وهي في مُجملها توجّه نقدًا جذريًّا إلى تجربة الدولة الإسرائيليّة المعاصرة وعجزها عن التأقلم مع "السقف الأخلاقي" لنزعة الإحياء اليهودي التي قامت على مبدأَيْ المسؤوليّة والاصطفاء. ومن ثم يُصبح السؤال هو: ما الموقف الذي يترتّب على النّخب اليهوديّة اتخاذه إزاء حالة قوميّة تسلطيّة واستعماريّة تكرّر تجارب الاضطهاد والقمع التي عرفها اليهود أنفسهم عبر التاريخ وكانت مُبرّر إقامة إسرائيل نفسها؟.
أصبحت إسرائيل بحسب أسكولوفيتش الخطر الأكبر الذي يهدّد مستقبل الشعوب اليهودية
- ثانيًا: يعكس هذا الكتاب حالة القطيعة المتزايدة بين النّخب اليهوديّة الغربيّة وإسرائيل، وهو الاتجاه البارز في الولايات المتحدة الأميركيّة التي تزايد فيها تأثير وحضور التيّار الليبرالي على حساب الاتجاه الأرثوذكسي الأصولي الحاكم في تل أبيب. لقد عبّر عددٌ من الكتّاب والمفكّرين اليهود عن هذه القطيعة في أعمال وكتابات كثيرة، كشفت عن عمق أزمة الوعي اليهودي إزاء الجرائم الإسرائيليّة التي غدت تُهدّد صورة اليهودي في العالم، ومن ثم أصبحت إسرائيل بحسب عبارة أسكولوفيتش الخطر الأكبر الذي يهدّد اليوم مستقبل الشعوب اليهوديّة.
(خاص عروبة 22)

