صحافة

"المشهد اليوم".. حصار طهران يشتدّ وترامب يلّوح بـ"ضربة قريبة"!الحوثيون يستهدفون مكة والمدينة.. والأردن يؤكد "الضرب بيد من حديد" بعد هجوم الكرك.. والاحتلال يتوعّد بـ"نموذج جنين" في الخليل


مقاتلة من طراز إف-18 على متن حاملة الطائرات الأميركية ثيودور روزفلت في المياه الواقعة جنوب جزر هاواي في تموز/يوليو. (رويترز)

تمثّل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، المقرّر إجراؤها في الثالث من تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، اختبارًا لسياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في ظلّ تنامي حالة السخط نتيجة الضغوط المعيشيّة وارتفاع أسعار الطاقة، بالتزامن مع استمرار تداعيات الحرب على إيران، التي تدخل يومها الـ239 من دون أن تلوح في الأفق أيّ تسويةٍ محتملة. على العكس، تفيد المؤشرات بأن استئناف الضربات العسكرية بات "حتميًا"، وأن جميع الأطراف تستعدّ لهذه المرحلة. فواشنطن تضع الخطط وتعدّ لائحةً بـ"بنك الأهداف"، تشمل المنشآت النووية والبنية التحتية، ومن ضمنها الجسور، إلى جانب تنفيذ عملياتٍ ضدّ جزرٍ خاضعةٍ للسيطرة الإيرانية، كما تستعدّ لجولةٍ جديدةٍ من القصف، وتصدر تحذيراتٍ جديدةً لرعاياها في دول الخليج والشرق الأوسط، تدعوهم فيها إلى "أخذ الحيطة والحذر"، لا سيّما في ظلّ التصعيد الحوثي الخطير ضد المملكة العربية السعودية واستهداف منشآتها الحيوية والمدنية. في المقابل، تتوعّد طهران، على لسان "الحرس الثوري"، بردٍّ عسكريٍّ مضاعفٍ في حال تعرّض البلاد لأيّ هجومٍ، مؤكدةً أن واشنطن وتلّ أبيب فشلتا في تحقيق أهدافهما خلال المواجهات السابقة. وفي خضمّ هذه التطورات، يحبس العالم أنفاسه انتظارًا لـ"لحظة الصفر"، وسط مخاوف وتساؤلات بشأن انعكاسات التصعيد على سلاسل الإمداد والأسواق العالمية، في ظلّ التهديدات المتفاقمة للممرّات المائيّة.

فالحرب التي بدأت بهدف تغيير النظام الإيراني وإيجاد حلٍّ لملف النووي، ما لبثت أن تعقّدت وتشابكت، وباتت اليوم في مكانٍ آخر مع تزايد الاضطرابات في مضيق هُرمز، قبل أن تنقل طهران حربها إلى اليمن وتشرّع الباب أمام مواجهاتٍ لتهديد أمن باب المندب والبحر الأحمر، في محاولةٍ لضرب اقتصادات دول الخليج واستنزاف مواردها. وهذا الصراع "الدامي" والمكلف اقتصاديًا لن يبقى عند هذه الحدود، في حال استئناف القتال، إذ كشفت صحيفة "نيويورك تايمز"، نقلًا عن مسؤولين أميركيين وحلفاء أوروبيين، عن تزايد المعلومات الاستخباراتية بشأن هجماتٍ مُحتملةٍ تشنّها إيران خلال الأسابيع الأخيرة. ويأتي ذلك بعد الكشف عن مؤامرةٍ مشتبه بها استهدفت قاعدة "فيرفورد" العسكرية في بريطانيا، إلى جانب وضع طهران خططًا لتنفيذ حملة اغتيالاتٍ، فيما أشار أحد المسؤولين إلى توفّر أدلةٍ على وجود عناصر تابعة لإيران داخل الولايات المتحدة، وليسوا "مجرد مواطنين إيرانيين". وهذه الاتهامات تفتح الباب واسعًا أمام المزيد من الانزلاق "نحو المجهول"، إذ رفع ترامب وتيرة تهديداته، واضعًا نظام "الجمهورية الإسلامية" أمام خيارين لا ثالث لهما: إما "هجومٌ عسكريٌ في أقرب وقتٍ أو التوصل إلى اتفاقٍ كبيرٍ وجميل"، على الرغم من تشكيكه المباشر في مدى التزام الإيرانيين بتعهداتهم. وإذ أكد أن بلاده تحقق نجاحًا كبيرًا وتتعامل بفاعليةٍ مع طهران، أوضح أن الهدف الأساسي والاستثنائيّ لاستمرار العمليات هو التوصل إلى حلٍّ دائمٍ يمنعها من تطوير أو امتلاك سلاحٍ نووي. لكن هذا الكلام "التحذيري" لا يُغيّر في السياسات الإيرانيّة، بل يدفعها إلى المزيد من التشدّد، خصوصًا أن البلاد "تتعسكر" أكثر فأكثر، ويحكمها "الحرس الثوري" بقبضةٍ من حديد. ومن هنا، تبدو فرص التسويات "شبه معدومةٍ"، حتى أن الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، وصف، في تصريحاتٍ جديدةٍ، الجانب الأميركي بـ"الجبناء"، الذين "أفسدوا كل شيء" أثناء المفاوضات.

لكن هذا التصعيد الكلامي، بالتزامن مع الاستعدادات الميدانية للمعركة، لا يعني إغلاق باب الديبلوماسيّة بشكلٍ كاملٍ، إذ لا يستطيع أيّ من الطرفين إعلان ذلك صراحةً أو تحمّل كلفته الباهظة. لذا، تبقى الوساطات قائمة، فتتحرّك حينًا وتخبو أحيانًا أخرى، في ظلّ استمرار التعنّت وتمسّك واشنطن وطهران بشروطهما، ما يقيّد جهود الدول الوسيطة ويحول دون تحقيق أيّ اختراقٍ في جدار الديبلوماسية. إلا أن الأنظار تبدو اليوم متجهةً نحو العاصمة الروسية موسكو، التي يزورها بزشكيان، الأسبوع المقبل، للمشاركة في قمة الدول المصدِّرة للغاز. ومن المقرّر أن يلتقي نظيره الروسي، فلاديمير بوتين، في إطار استمرار المشاورات بين البلدين بشأن التعاون الثنائي والتطورات الإقليمية، بحسب ما كشف عنه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي. ودخلت روسيا على خطّ الأزمة مؤخرًا، معلنةً استعدادها للبحث عن مخرجٍ للأزمة الراهنة، بعد الاجتماعات التي عقدها وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، خلال زيارته إلى طهران، التي تُعدّ الأولى من نوعها منذ اندلاع الحرب في 28 شباط/فبراير الماضي. وأثارت هذه الزيارة تساؤلاتٍ بشأن قدرة موسكو على توظيف علاقاتها الوثيقة مع طهران وتحويلها إلى نفوذٍ ديبلوماسيٍّ فعّالٍ يُسهم في إحياء المباحثات "المتعثّرة". وتكتسب هذه المحادثات أهميةً إضافيةً مع تفاقم التوترات حول حركة الملاحة البحرية، إذ أظهرت المعطيات الموثقة، أن الشهر الحالي كان الأسوأ على صعيد الهجمات على السفن التجارية في مضيق هُرمز والممرات المائية المجاورة. وفي هذا السياق، قال مصدرٌ إيرانيٌ مطلّعٌ لوكالة "تسنيم" إن بلاده لا تقبل أيّ معادلةٍ تقوم على فتح المضيق مقابل رفع الحصار عنها، مؤكدًا أن طهران قادرةٌ على الالتفاف على الإجراءات المتخذة ضدّها بوسائلها الخاصة، وكسرها في نهاية المطاف. وكرّر المصدر عينه الحديث عن "خطة الأيام السبعة"، التي طرحها الجانب الإيراني مؤخرًا، مشددًا على أن انعدام الأمن في هُرمز "لن ينتهي قبل تلبية جميع المطالب، من ضمنها رفع القيود المفروضة على الموانئ والسفن".

وتتزايد الضغوط على الاقتصاد الإيرانيّ مع إغلاق العراق وباكستان معابر حدودية رئيسيّة أمام حركة التجارة، في إطار حملةٍ تقودها واشنطن لتشديد العزلة الاقتصادية على طهران، بعدما عطّلت القيود البحرية والعقوبات على قطاع الطيران معظم طرق تجارتها الخارجية. وأغلقت بغداد منفذ الشيب الحدودي بين البلدين، يوم الأربعاء الماضي، في حين أوقفت السلطات في إسلام آباد، خلال عطلة نهاية الأسبوع، حركة الشاحنات الآتية عبر معبري غبد وتفتان، وهما من المسارات البرية البديلة للموانئ الإيرانية الشرقية، واضعةً الأمر في إطار "الاعتبارات الأمنية". ونقلت صحيفة "وول ستريت جورنال" عن مسؤولٍ إيرانيٍّ إشارته إلى أن نحو 17 ألف شاحنة عالقةٌ على حدود إيران مع تركيا وأفغانستان وأذربيجان، مشيرةً إلى أن الحصار أدى إلى توقّف صادرات النفط الإيرانية فعليًا، كما استُنفدت المخزونات، التي كانت طهران تواصل بيعها لمشترين في الصين خلال الأشهر الماضية. وتتزامن هذه الاختناقات التجارية مع تدهورٍ حادٍّ في المؤشرات المعيشية، إذ أوردت العديد من التقارير أن الأسر في طهران فقدت نحو 90 في المئة من قدرتها الشرائية، مع ارتفاع أسعار المواد الغذائية بنسبة 128 في المئة، وتدهور سعر صرف العملة الوطنية. ويختنق نظام "الجمهورية الإسلامية" وتُستنزف موارده، لكنه يرفض التنازل ويهدّد بحربٍ إقليميةٍ "تصل إلى ما بعد المحيط الهندي"، مع تأكيده تعزيز قدراته العسكرية ووضع جميع الاحتمالات على الطاولة، خصوصًا بعد دخول رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، على الخطّ خلال الأيام الأخيرة. إذ توعّد بإسقاط النظام، ما اعتبرته طهران مؤشرًا على احتمال استهدافه المرشد الأعلى مجتبى خامنئي، على الرغم من غيابه المستمر عن "الأضواء"، والكشف فقط عن "لقاءاتٍ محددةٍ"، من ضمنها الإعلان، أمس السبت، عن اجتماعٍ عقده مع رئيس السلطة القضائية، حسين إيجئي، وهو رابع لقاءٍ يُشار إليه عنه منذ توليه مقاليد السلطة خلفًا لوالده، علي خامنئي، الذي اغتيل في أول أيام الحرب.

هذه المعطيات تضع المنطقة في حالةٍ من "الغليان"، بالتوازي مع المعلومات عن تسريع الولايات المتحدة إجلاء بعض دبلوماسييها وأفراد عائلاتهم من الشرق الأوسط، وشملت الإجراءات الجديدة تقليص الموظفين في السفارات الأميركية في لبنان والإمارات وقطر والأردن، في ظلّ "سوداوية" المشهد الآتي من اليمن، مع احتدام المعارك بين القوات الشرعية والحوثيين، الذين يستمرون في التهديد واضعين البنى التحتية السعودية في صلب الاستهدافات. وأعلن مطار الملك خالد الدولي في الرياض استئناف عملياته التشغيلية جزئيًا بدءًا من اليوم، فيما أفاد المتحدث الرسمي باسم قوات "تحالف دعم الشرعية في اليمن"، اللواء الركن تركي المالكي، أن الدفاع الجوي اعترض ودمّر صاروخًا باليستيًا أطلقته ميليشيا الحوثي باتجاه الرياض. وفي وقتٍ سابقٍ، أعلن الدفاع المدني السعودي التعامل مع سقوط شظايا اعتراض صاروخين باليستيين أطلقتهما الجماعة المدعومة من إيران باتجاه منطقتي مكة المكرمة والمدينة المنورة، بعدما أصدر أيضًا إنذاراتٍ مبكرةً للتحذير من خطرٍ في الرياض ومكة المكرمة وجدة والطائف وينبع ونجران ووادي الدواسر، قبل أن يعلن زواله بعد دقائق. واستهداف المقدسات، الذي يلقى إداناتٍ عربيةً ودوليةً، بات هدفًا للحوثيين الذين يُحيّدون الولايات المتحدة وإسرائيل، معلنين "حربًا شعواء" على المملكة بحجة "الحصار مقابل الحصار"، لكن أهدافهم باتت واضحةً للجميع، خصوصًا أن الوقائع أثبتت أنهم يتحركون لخدمة طهران و"حرسها" من دون أي اعتباراتٍ وطنيةٍ، وسط معاناة اليمن من أوضاعٍ إنسانيةٍ مأساويةٍ وتحذيراتٍ من حربٍ أهليةٍ مع تفاقم مستويات الفقر والجوع والعوز. وفي آخر تفاصيل المعارك، وثّقت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات 1891 جريمةً وانتهاكًا، قالت إن الحوثيين ارتكبوها في حقّ المدنيين والأعيان المدنية في محافظة تعز، ما أسفر عن مقتل 212 مدنيًا، من ضمنهم 38 طفلًا، إلى جانب اتساع نطاق الأضرار التي لحقت بالممتلكات والبنى التحتية.

إلى ذلك، تتواصل المواجهات على جبهات مدينة تعز المحاصرة في وقت امتدت المعارك إلى كهبوب القريبة من مضيق باب المندب، حيث أعلنت قوات العمالقة الجنوبية ودرع الوطن صدّ هجمات حٍوثية، بالتزامن مع كمين في منطقة هيجة العبد بمحافظة لحج، أشارت إفادات ميدانية إلى أنه أوقع عشرات القتلى والجرحى في صفوف جماعة "أنصار الله". من جهتها، أعلنت القوات المسلّحة تنفيذ 1392 عملية استهداف خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، ترافقت مع غارات جوية وهجمات أرضية وضربات نيرانية على امتداد الجبهات، موضحة أن العمليات الأخيرة طالت تجمعات وتعزيزات ومصادر نيران وتحصينات وآليات عسكرية، وإنها أدت، وفق الحصر الميداني الأولي، إلى تحييد نحو 620 عنصرًا وتدمير أو إعطاب نحو 190 آلية ومدرعة ووسيلة نقل، إضافة إلى أسلحة ثقيلة ومتوسطة. وتشي عملية "فجر اليمن" أن القوات الشرعية لن تتهاون وترفض عودة "عقارب الساعة إلى الوراء" وأنها تتعامل بحزم مع الحوثيين الذين بدورهم يصعّدون من عملياتهم ويسعون للحفاظ على مكاسبهم الإستراتيجية، وتحديدًا بالقرب من باب المندب، حيث الممر المائي الاقتصادي الحيوي. وفي موازارة ذلك، أعلن بيان للمتحدث العسكري للجماعة يحيى سريع، السبت، تنفيذ 7 عمليات عسكرية استهدفت مطارات ومنشآت نفطية وقاعدة جوية داخل السعودية، باستخدام صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة. ووضع الأخير استمرار العمليات في إطار الردّ على الغارات السعودية على العاصمة صنعاء ومحافظات يمنية، مهددًا بمواصلة عملياتها داخل الأراضي السعودية، متوعدًا أيضًا بتصعيد الهجمات إلى حين وقف ما وصفه بـ"العدوان ورفع الحصار عن اليمن".

هذه الجبهة المفتوحة على مصراعيها تأتي بالتزامن مع "يد الإرهاب" التي امتدت إلى الأردن بعد عملية استهدفت مشيعين داخل كنيسة القديس جورجيوس للروم الأرثوذكس في قرية حمود بمحافظة الكرك جنوبي البلاد وأدت إلى مقتل 7 أشخاص على الأقل وإصابة 34 آخرين. وترأس العاهل الأردني الملك عبد اﷲ الثاني، السبت، اجتماعًا لمجلس الأمن القومي، استمع فيه إلى إيجاز أمني حول الهجوم الإرهابي، موجهًا الحكومة والمؤسسات المعنية بمراجعة سياسات مكافحة الفكر المتطرف و"الضرب بيد من حديد"، مشددًا على أن "أمن الأردنيِّين وسلامتهم خط أحمر..وأن يد العدالة ستطول كل إرهابي". وهذا الهجوم الدامي المقصود منه ضرب وحدة البلاد الداخلية يترافق مع تزايد المخاطر جراء المخططات الاسرائيلية، والتي تدركها عمان قبل غيرها وتحاول الحفاظ على استقرار البلاد وامنها، خاصة أن رئيس الوزراء الاسرائيلي يبدو "محشورًا" في انتخابات الكنيست التي يتوقع أن تجري بعد يومين وسط انتقادات لأداء حكومته ووزرائه من اليمين المتطرف، وهو ما دلت عليه التظاهرات الحاشدة التي شهدتها تل أبيب وسط دعوات من قادة المعارضة لمحاسبة الحكومة على إخفاقات هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023. ولكن نتنياهو "المعروف بدهائه" يتلطى اليوم خلف "حادثة الخليل" التي نفَّذها فلسطينيان، الجمعة، على حاجز إسرائيلي في منطقة فرش الهوى، على مشارف المدينة، ما أدى إلى مقتل جنديَّين وإصابة 3 آخرين. واستغل الاحتلال هذه العملية من أجل شنّ عملية عسكرية ضخمة في قلب المدينة أدت إلى تهجير عشرات العائلات الفلسطينية من منازلها بعد احتلالها واجبارهم على اخلائها وتحويلها إلى ثكنات عسكرية، في مخطط تهجيري جديد. وإذ دعت السلطة الفلسطينية المجتمع الدولي إلى التدخل لوقف العدوان في الضفة الغربية المحتلة، معنلة عن رفضها سياسة العقاب الجماعي التي تنتهجها حكومة الاحتلال الإسرائيلي، خرج نتنياهو متوعدًا بـ"مفاجأة كبيرة ومباغتة" تنتظر السلطة الفلسطينية، دون أن يوضِّح ما هي.

و"نموذج جنين" الذي يتباهى به الاحتلال لفرض المزيد من السيطرة والاستيلاء على أراضي الفلسطينيين لا يغيب عنه ما يجري في قطاع غزّة مع استمرار العمليات العسكرية رغم اتفاق وقف النار. واستُشهد 5 فلسطينيين في أخر هجمات العدو، في حين تسبب القصف الإسرائيلي بانقطاع المياه عن أجزاء واسعة من مدينة غزّة مع استمرار التحذيرات من تفاقم مخاطر المجاعة مع شحّ الدقيق والمواد الغذائية الأساسية، وتوقف مخابز عن العمل، وانهيار القدرة الشرائية للسكان، في ظل استمرار الحصار والقيود المفروضة على الإمدادات الإنسانية والتجارية. وغياب المحاسبة سهّل على اسرائيل الاستمرار في إبادتها وحروبها التوسعية حيث تعمل ليل نهار على تغيير الخريطة أيضًا في جنوب لبنان، بعد التدمير الممنهج في القطاع الفلسطيني، إذ شهدت القرى والبلدات الجنوبية في الأيام الأخيرة تصعيدًا إسرائيليًا، مع تركّز الاعتداءات في القطاعين الغربي والأوسط. وامتدت العمليات إلى إحراق مساحات حرجية في وادي الحجير واستهداف مزارعين في أراضيهم، فيما استُهدفت النبطية الفوقا ومحيط تلة علي الطاهر بالطائرات المسيّرة، بالتوازي مع قصف مدفعي عنيف. ويتذرع الاحتلال بسلاح "حزب الله" وعجز الدولة من أجل مواصلة حربه والتمسك ببقاء قواته في الأراضي التي احتلتها، خاصة أن الجولة الاخيرة من المحادثات العسكرية بين لبنان واسرائيل برعاية أميركية لم تستطع تحقيق أي خرق يُذكر. أما داخليًا، فتكثف الملفات التي تقع على عاتق الدولة ويتوجب إيجاد حل حاسم وحازم لها، وفي مقدّمها قضية شاحنة المتفجرات في ضهر البيدر وسط دعوات إلى التهدئة وتعزيز التفاهم منعًا أن تتحول الخلافات المحلية إلى مصدر جديد للاهتزاز على وقع "الإنزلاقات" الإقليمية. وفي هذا الصدّد، لفتت الزيارة التي قام بها رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى مدينة طرابلس، وهي الاولى لرئيس منذ سنوات عدة، حيث شدّد على حصرية السلاح بيد الجيش، وتعزيز سلطة المؤسسات الشرعية، مؤكدًا أن "إضعاف الدولة لا يمنح القوة لأي مكوّن"، معلنًا أيضًا أن "زمن الحرمان والإقصاء والتهميش قد ولّى".

دوليًا، شهدت عواصم ومدن أوروبية موجة كبيرة من الاحتجاجات تخللتها مواجهات واشتباكات بين قوات الأمن ومتظاهرين، نتيجة تداخل أسباب سياسية واقتصادية واجتماعية، منها المطالبة بتحسين مستوى التعليم وحلّ مشاكل السكن والصحة. بدورها، اعتقلت السلطات الفرنسية نحو ألف شخص، مساء أمس، خلال المظاهرات الواسعة التي شهدتها العاصمة باريس ومدن أخرى في حين يسعى الرئيس إيمانويل ماكرون إلى إعادة فرض النظام.

التطورات العربية والمتداخلة بالإقليمية رصدتها الصحف العربية التي صدرت اليوم وتناولت العناوين التالية:

تحت عنوان "جريمة الكنيسة".. من يريد إشغال الأردن؟"، كتبت صحيفة "الغد" الأردنية "يصعب النظر إلى الجريمة الإرهابية التي استهدفت كنيسة قرية حمود في الكرك بمعزل عن الظروف التي يمر بها الأردن، والتحديات التي تحيط به من مختلف الجهات. فالجريمة، بما انطوت عليه من بشاعة واستهتار بأرواح الأبرياء، تثير أسئلة تتجاوز هوية منفذيها ودوافعهم المباشرة، لتصل إلى توقيتها، والبيئة السياسية والإقليمية التي وقعت فيها، والجهات التي يمكن أن تستفيد من إرباك الداخل الأردني، وإشغاله بصراعات لا تخدم سوى المتربصين بأمنه واستقراره"، مشيرة إلى أن "الأردن يقف وسط إقليم تتغير خرائطه السياسية، وعلى امتداد حدوده، تتزاحم الأزمات والمشروعات السياسية والأمنية، فيما يواجه ضغوطًا اقتصادية واجتماعية لا يمكن فصلها عن هذه البيئة المضطربة. وفي مثل هذه الظروف، يصبح تماسك الجبهة الداخلية أحد أهم عناصر القوة التي يمتلكها البلد، ويغدو استهداف هذا التماسك، سواء بالإرهاب أو بإثارة الانقسامات، محاولة للمساس بقدرته على مواجهة التحديات الخارجية".

صحيفة "عكاظ" السعودية، من جانبها، تطرقت إلى المستجدات السياسية، موضحة أن "دول المجموعة الرباعية (التي اجتمعت مؤخرًا في اسنطبول) تعرف جيدًا مآلات المواجهة العسكرية الجديدة لو حدثت، وبالشكل الذي يهدد به ترامب ونتنياهو. الإقليم كله سيحترق، ومن التجربة فإن إيران سوف تستهدف دول الخليج، وربما يكون استهدافها جنونيًا لو تضررت بشكل كبير. ولكن هل هناك أمل في "معالجة النزاع حصرًا عبر الحوار والدبلوماسية"، كما تطمح المجموعة الرباعية؟ مذكرة التفاهم برعاية الوسيط الباكستاني لم تحقق نتيجة إيجابية، لأن الطرف الإيراني يمارس المراوغة والمناورة لشراء الوقت على أمل أن يتخفف من الضغط إذا لم تكن نتيجة الانتخابات النصفية الأمريكية لصالح ترامب". وقالت "نحن أمام معضلة كبيرة، تتمثل في تضاؤل فرصة الجهود الدبلوماسية، ومع التصعيد الجديد وارتفاع مستوى التهديد الأميركي/ الإسرائيلي مقابل لا مبالاة الطرف الإيراني بما سيحدث له، فإن الأيام القادمة القريبة ستكون من أحرج وأخطر المراحل التي ستمرّ على المنطقة، ما لم يحدث تحرك سريع وفعّال من جميع الدول المؤثرة في المجتمع الدولي لإنقاذ العالم من كارثة كبرى".

في سياق متصل، رأت صحيفة "الصباح" العراقية أنه "لا تبدو الانتخابات الأميركية والإسرائيلية المرتقبة مجرد استحقاقات دستورية لتجديد الشرعيات السياسية، بل تحولت إلى اختبار حساس لقدرة القيادتين في واشنطن وتل أبيب على إدارة الصراع مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتشابك الحسابات الأمنية والاقتصادية والانتخابية، فمع اقتراب موعد الاقتراع، لم يعد السؤال مقتصراً على هوية الفائز، بل امتد إلى مدى تأثير طهران في تشكيل المناخ السياسي، وتحديد كلفة المواجهة وإعادة رسم أولويات الناخبين"، مضيفة "تكتسب إيران أهمية استراتيجية تتجاوز حدود المواجهة العسكرية، فمجرد احتمال التصعيد معها يفرض على القيادتين الأمريكية والإسرائيلية حسابات دقيقة بشأن التوقيت والنتائج والتداعيات، كما أن النقاشات والتقارير المتعلقة بإمكان استئناف الضربات قبل الانتخابات تكشف مدى تداخل الاعتبارات العسكرية مع المصالح السياسية، حتى وإن ظلت الدوافع الحقيقية والتوقيت النهائي موضع خلاف"، وفق تعبيرها.

(رصد "عروبة 22")

يتم التصفح الآن