صحافة

الشتاء القاسي يهب مبكرًا على أوروبا

مصطفى السعيد

المشاركة


الشتاء القاسي يهب مبكرًا على أوروبا

انتشار أمني خلال مناوشات رافقت مظاهرة دعت إليها حركة "السترات الصفراء" في باريس (رويترز)

عواصف الشتاء القاسي هبت مبكرا على أوروبا، تضافر فيها التصعيد العسكري ضد روسيا مع أزمة طاقة غير مسبوقة، زادت الأوضاع الاقتصادية سوءا، وصعود كل من اليمين القومي المتطرف واليسار الراديكالي، بما ينبئ بحالة من عدم الاستقرار السياسي، خاصة مع اتساع وشدة مظاهرات الاحتجاج التي شملت 6 دول أوروبية، هي فرنسا وإيطاليا وبلجيكا والبرتغال وإسبانيا وألبانيا، ومازالت قابلة لمزيد من التوسع.

الوضع في أوكرانيا الأكثر صعوبة مع تراجع الدعم الأمريكي، أو جعله مدفوع الثمن، لتتحمل دول أوروبا التكاليف التي تواصل الارتفاع مع توسع الضربات الروسية، واستخدام طائرات مسيرة نفاثة سريعة وذات حمولة كبيرة، لضرب الجسور ومحطات الطاقة والكابلات، وتصل ضرباتها إلى الحدود الغربية لأوكرانيا لوقف الإمدادات أو استنزافها فور وصولها.

الرئيس الأوكراني زيلينسكي يطلق صيحات الاستغاثة، ويطلب المزيد من الدعم العسكري والمالي، ويركز على طلب إمدادات الطاقة، خاصة بعد تعرض العاصمة كييف والمدن الكبرى لضربات مكثفة ألحقت أضرارا كبيرة بمخزونات النفط ومحطات الكهرباء، وانقطاع التيار المتكرر عن مناطق واسعة، سيجعل من العيش في المباني العالية مخاطرة جسيمة، حيث تتوقف المصاعد وتتجمد المياه، وتتوقف التدفئة.

أوروبا لا يمكنها تقديم الكثير إلى أوكرانيا، لأنها تعاني النقص في إمدادات الطاقة بعد أن خسرت المصدرين الرئيسيين، وهما روسيا التي توقفت أوروبا عن استيراد الغاز والنفط منها، اعتقادا أن روسيا لن تتحمل الأزمة الاقتصادية الناجمة عن وقف الاستيراد، وارتد القرار الخاطئ على الاقتصاد الأوروبي، خاصة الألماني، مع شح الطاقة وارتفاع أسعارها بمعدل لم يحتمله الكثير من المصانع، التي انتقل بعضها وتم إغلاق أخرى. وزاد من حدة الأزمة إغلاق مضيق هرمز، وتراجع معدلات ضخ الغاز والنفط من دول الخليج إلى أوروبا.

اضطر الرئيس الأمريكي ترامب إلى مطالبة الرئيس بوتين بإمداده بالنفط، خاصة الديزل، الذي تضاعف سعره، والحيوي للاقتصاد الأمريكي، حيث تعتمد عليه الآلات الزراعية والشاحنات، ونقصه يرفع معدلات التضخم، لكن إنتاج المصافي الروسية كان قد تراجع بعد تركيز الضربات الأوكرانية على مصافي النفط والمخزونات، ليطلب الرئيس ترامب من زلينيسكي وقف استهداف الطاقة الروسية، لتتمكن من إمداد الولايات المتحدة بالديزل.

الضغوط اشتدت على أوكرانيا من الداخل والخارج، ودعا عمدة كييف السكان إلى البحث عن أماكن بديلة قبل اشتداد عواصف الشتاء، وهو ما تكرر في مدن كبرى أخرى، وانفتحت دول أوروبا على إجراء مفاوضات مع روسيا، بعد أن كانت ترفض بشدة مسار التفاوض، بل أعلن زلينيسكي عن استعداده التنازل عن بعض الأراضي لروسيا مقابل وقف الحرب، وهو الذي كان يصف أي تنازل عن الأراضي بأنه مستحيل ويتعارض مع الدستور، لكن الرئيس الروسي بوتين مازال يتمسك بتنفيذ كل شروطه لوقف الحرب، ويدرك أن أوروبا تواجه أزمات معقدة ستدفعها إلى تقديم تنازلات، منها منع أوكرانيا من الانضمام لحلف الناتو، ومنح حقوق كاملة للمتحدثين بالروسية.

الخيارات ضيقة أمام أوروبا، التي تشعر بأن الولايات المتحدة خذلتها، وتتركها وحيدة في مواجهة روسيا، بل تطالبها بأن تدفع أكثر مقابل وجود القوات الأمريكية لحمايتها، وتفرض عليها حربا تجارية، لكن أمريكا "ترامب" الغارقة في أزماتها لا يمكنها مساعدة أوروبا، وتتمسك بشعار "أمريكا أولا"، ربما نجعل أمريكا عظيمة مجددا، فالحالة الأمريكية ليست أفضل كثيرا من حال أوروبا، فلا استثمارات عادت، ولا صناعة تطورت، ولا حروب توقفت، ولا ديون كفت عن الارتفاع. هدأت الأصوات الأوروبية الداعية لمواجهة عسكرية ضد روسيا، بعد أن ارتفع ضجيج الاحتجاجات التي تتمدد بسرعة مذهلة في دول القارة الواهنة، فالرفع السريع والكبير لموازنات الجيوش والإنتاج الحربي ترتب عليه تقليص موازنات الخدمات، إلى جانب فاتورة مشتقات النفط التي تضاعفت قيمتها.

وأدت تلك الأزمات إلى اتباع سياسة تقشف ساهمت في ارتفاع وتيرة الغضب، ومهدت لاندلاع الاحتجاجات، والمخاوف تزداد من استغلال اليمين القومي المتطرف واليسار الراديكالي لتلك الأزمات، وتأجيج الغضب ليقتلع الأحزاب التقليدية، وهو أحد التحديات الأخطر على الحكومات الغربية ومستقبل الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، وتأمل دول أوروبا أن تتوحد في مواجهة تلك المخاطر، لكن ليس مضمونا أن يوحد الخطر الواحد الحلفاء، وقد تسلك كل دولة مسارا خاصا يناسب ظروفها، أو يجنبها بعض المخاطر، فهناك أصوات ترى أن إعادة العلاقة مع روسيا خيار أفضل من تصعيد المواجهات، وأصوات تتمسك بمسار الصدام، على أمل أن تتمكن من هزيمة روسيا.

أوروبا أمام خيارات صعبة، وتعاني أزمات معقدة، وسيكون الشتاء الاختبار الأكثر قسوة، والذي يبدو أنه لن يمر دون أن يترك بصمته على حاضر ومستقبل أوروبا.

(الأهرام المصرية)

يتم التصفح الآن