صحافة

آخرُ ما يُباع في بازار الحرب

كفاح محمود

المشاركة
آخرُ ما يُباع في بازار الحرب

ناقلة نفط تبحر قرب مضيق هُرمز (رويترز)

في المفاوضات القلقة والمقلقة بين أميركا وإيران يكشف ترتيبُ البنود ما تخفيه البيانات. وحين حملت طهران إلى نيويورك خطتها الأخيرة جعلت فتح مضيق هرمز في أولها، والملفّ النووي في آخرها، فقالت بالترتيب ما لا تقوله بالكلام: المضيق يُعرَض، واليورانيوم يُدَّخر. وواشنطن نفسها، التي دخلت الحرب على شعار "لا تخصيب"، باتت تكتفي بالحديث عن "خفضٍ ذي معنى". وهذا أول الدليل على أنَّ "الورقة الأرخص" بدأت تؤدّي وظيفتها، غير أنَّ "الحصيلة الأخطر" لهذه الحرب ليست ما دُمّر، بل ما غاب عن الرؤية؛ فالوكالة الدولية للطاقة الذرية تعترف بأنَّها لا تعرف أين المخزون المخصّب، ولا في أيّ حالٍ هو. وإحالة الملفّ إلى مجلس الأمن لا تعيد مفتّشاً واحداً إلى موقع. والمفارقة القاسية أنَّ المنطقة تعرف اليوم عن البرنامج الإيراني أقلّ ممّا كانت تعرفه قبل قصفه؛ فالقنابل التي أرادت أن تُنهي الغموض صنعت غموضاً أكبر.

لذلك لا يصحّ أن يُقرأ "هرمز" ستاراً لإخفاء شيء؛ فإغلاق ممرٍّ يضرب صادرات إيران نفسها وزبونها الصيني أغلى من أن يكون ستاراً، ولإخفاء المخزون يكفي منع المفتّشين. المضيق هنا عملة: تُرفَع تكلفة العبور حتى يصير فتحه ثمناً يُغني عن بيع اليورانيوم، وألّا يبقى الملفّ النووي البند الوحيد على الطاولة. ولهذا يظلّ المضيق معلّقاً بين روايتين؛ واشنطن تقول إنَّه مفتوح، وطهران تقول إنَّه مغلق. فالغموض في وضعه جزءٌ من قيمته التفاوضية، والأخطر في هذه المقايضة أنَّ ثمنها لا يدفعه طرفاها؛ فالمضيق الذي تساوم عليه طهران ليس ملكاً لها وحدها، والناقلات التي تُصاب لا ترفع علمها، والاقتصادات التي تتعطّل على الضفّة الأخرى لا مقعد لها على طاولةٍ تُدار بين عاصمتين، وكلّ تسويةٍ تُعقد على هذا النحو تعلّم المنطقة درساً سيئاً: أنَّ تهديد الممرّات المشتركة أجدى من احترامها، وأنَّ من يملك القدرة على الإيذاء يُصغى إليه قبل من يملك الحقّ.

والتاريخ القريب يفسّر هذا التمسّك؛ قصفت إسرائيل "مفاعل تموز" عام 1981، ثم صار الملفّ نفسه ذريعةً لغزو العراق عام 2003 من دون أن يُعثر على سلاحٍ واحد. وفي العام ذاته سلّم القذافي برنامجه المحدود مقابل وعودٍ برفع العزلة؛ فكانت نهايته درساً معاكساً رسخ في عقول أنظمةٍ كثيرة: من يسلّم أدوات ردعه قد يخسر نظامه قبل أن يكسب أمنه. لذلك قرأت طهران طلب نقل مخزونها إلى طرفٍ ثالث تجريداً من أوراقها لا ترتيباً فنياً، ولذلك سيبقى المخزون، بمنطق التسعير ذاته، آخرَ ما يُباع.

ولم يعد المفاعل في هذه المنطقة منشأةً علمية ولا مشروع طاقة، بل رمزَ مكانةٍ وورقةَ تفاوض، وأحياناً تعويضاً عن عجز الدولة عن التنمية؛ فحين تخفق الدول في بناء الجامعة والمصنع تختصر القوة في السلاح، كأنّ القدرة على التدمير تعوّض العجز عن البناء. والدول التي امتلكت القنبلة لم تصبح بها أغنى ولا أكثر استقراراً، بل أقدر على تأجيل أسئلتها الداخلية.

وبين القطبين يقف العراق مرّةً أخرى ساحةً لا طرفاً: أجواؤه ممرّ، وأرضه احتمال، وأمنه رهنُ ملفٍّ لا يملك فيه قراراً ولا يُستشار في تسويته. وإذا كانت الحرب قد هدأت، أو تكاد، بين واشنطن وطهران، فإنَّ إقليم كردستان ما يزال تحت مطرقتها: أكثر من ألف هجومٍ بالمسيّرات والصواريخ منذ فبراير (شباط)، بعضها من وراء الحدود وبعضها من فصائل في الداخل. وقد ازداد انكشافه بعدما غادرت القوات الأميركية في نهاية سبتمبر (أيلول) وسحبت معها مظلّتها الدفاعية؛ فبات الإقليم يطلب من بغداد دفاعاً جوياً يحمي سماءه، كأنّ الهدنة تُعقد للعواصم وحدها، وتبقى الأطراف ميداناً مفتوحاً لرسائلها. وهو الدرس الذي لم تتعلّمه بغداد منذ 1981: الدولة التي لا تبني سيادتها على مؤسساتٍ وجيشٍ واحد ودبلوماسيةٍ فاعلة، تُدار حدودها من عواصم أخرى، وتُقدَّم فاتورة الحرب إلى شعبها لا إلى صانعيها.

وفي الخلفية تبقى إسرائيل القوة النووية غير المعلنة، مستفيدةً من سياسة الغموض ومن تسامحٍ غربيّ طويل. هذه الازدواجية لا تبرّر سباق التسلّح، لكنها تفسّر رواج خطاب «المظلومية النووية»، وتمنح خصومها مادةً لتسويق مشاريعهم بوصفها توازناً لا تهديداً، غير أن "المعضلة الأعمق" أن الشرق الأوسط لا يملك شروط الردع المستقرّ: لا بنية أمنٍ إقليمي، ولا منظومة ثقةٍ متبادلة، ولا مؤسسات تضبط القرار في لحظة الانفعال. وفي منطقةٍ تتداخل فيها الدولة مع الميليشيا، والعقيدة مع السلطة، يصير الاقتراب من العتبة النووية مغامرةً وجودية لا خياراً سيادياً. والضربات قد تؤخّر المنشأة، لكنها لا تمحو المعرفة، ولا تلغي الحافز بل تضاعفه، وأسوأ ما تفعله أنَّها تعطّل العين قبل أن تعطّل أجهزة الطرد؛ فحين تغيب الرقابة الدولية يتحوّل الغموض من سياسةٍ إسرائيلية خاصة إلى قاعدةٍ إقليمية عامة، ويغدو كلّ جارٍ حرّاً في افتراض الأسوأ والتصرّف على أساسه، عندها لا نكون أمام دولةٍ واحدة على العتبة، بل أمام سباقٍ صامت لا يملك أحدٌ فيه من المعلومات ما يكفي ليعرف متى يجب أن يقلق.

لذلك فإن أيّ اتفاقٍ لا يبدأ بعودة المفتّشين وجرد المخزون هدنةٌ لا تسوية، مهما بلغت بلاغة بياناتها. وتأجيل الضربات إلى ما بعد صناديق الاقتراع يشتري أسابيع لا أمناً. وكلّ صفقةٍ جزئية تمرّ عبر بندٍ أرخص إنما تشتري وقتاً وتبيع رقابة. المنطقة في حاجة إلى مزيدٍ من المدارس والمصانع، وقضاءٍ مستقلّ، وإلى دولٍ تملك شجاعة تحويل فائض الخوف إلى مشروع حياة.

(الشرق الأوسط)

يتم التصفح الآن