اقتصاد ومال

"اقتصاد الرعاية" في العالم العربي!مَن يدفع ثمن العمل غير المرئي؟

يمكن للاستثمار في الحضانات والرعاية البعيدة الأجل والإجازات العائلية أن يحوّل هذا العبء الصّامت إلى قطاع منتج، ولا سيما إذا تعاونت الدول العربية في التدريب والمعايير وحماية العاملين.

كل صباح، يبدأ ملايين العرب يومهم بعملٍ لا يظهر في عقد توظيف ولا يدخل معظمه في حساب النّاتج المحلي: إعداد الطعام، وتنظيف المنزل، ورعاية الأطفال، ومساعدة مُسنّ أو مريض، ومرافقة شخص ذي إعاقة. ومَن يؤدي الجزء الأكبر من هذا العمل؟ النساء، سواء كُنَّ خارج سوق العمل أو يعدن إليه بعد "وردية" في المنزل أو قبلها.

هذا هو اقتصاد الرعاية: شبكة الأنشطة المدفوعة وغير المدفوعة التي تحفظ حياة الأسرة والمجتمع. وتشمل الحضانات والتعليم والصحة والرعاية المنزلية والعمل المنزلي، إلى جانب الخدمات التي يقدمها أفراد الأسرة من دون مقابل. والمفارقة أنّ الاقتصاد لا يستطيع العمل من دونها، لكنّه لا يعترف بقيمتها كاملة.

تمثّل مسؤوليات الرعاية سبب البقاء خارج قوة العمل لدى 59% من النساء في البلدان العربية

إذا اعتنت أم بطفلها في المنزل، لا تظهر قيمة عملها في النّاتج المحلي. أمّا إذا دفعت الأسرة مالًا إلى حاضنة في مقابل العمل عينه، فتتحوّل الخدمة إلى نشاط اقتصادي مسجّل. لذلك لا يعني غياب الأجر أنّ العمل بلا قيمة، بل يعني أنّ تكلفته انتقلت إلى وقت المرأة وفرصها. قد تضطرّ امرأة إلى رفض وظيفة أو تركها بعد الإنجاب، أو قبول عمل أقلّ أجرًا وأقرب إلى المنزل. ولا تقتصر الخسارة على الراتب الآني، بل تمتد إلى الخبرة والترقية والمدخرات والحماية الاجتماعية ومعاش التقاعد.

توضح الأرقام حجم المشكلة. بحسب "منظمة العمل الدولية"، تمثّل مسؤوليات الرعاية سبب البقاء خارج قوة العمل لدى 63 في المئة من النساء غير المشاركات في شمال أفريقيا، و59 في المئة في مجموعة البلدان العربية. في جمهورية مصر العربية، مثلًا، أظهر مسح لسوق العمل في عام 2023 أنّ النساء البالغات سنّ العمل يمضين 5.4 ساعات يوميًا في المتوسط في أعمال الرعاية والعمل المنزلي غير المدفوع، أي أكثر من خمسة أمثال الوقت الذي يمضيه الرجال.

ولا تدفع المرأة الثّمن وحدها. تتحمّل الأسرة التي تستطيع شراء الرعاية رسوم الحضانة أو الممرّضة أو العاملة المنزلية، بينما تعتمد الأسرة الأقلّ دخلًا على الأم أو الجدّة أو الابنة الكبرى.

يحمي القطاع المنظّم متلقّي الخدمة ومقدّمها معًا

وتدفع العاملات في الرعاية جزءًا من الثمن أيضًا. تضم البلدان العربية نحو 6.6 ملايين عامل منزلي، معظمهم من العاملين المهاجرين، وفق منظمة العمل الدولية. ويواجه كثيرون منهم تدنّي الأجور وضعف الحماية الاجتماعية وصعوبة الوصول إلى آليّات الشكوى. وهنا تظهر معضلة أخلاقية واقتصادية: لا يمكن تحرير امرأة من عبء الرعاية عبر نقله ببساطة إلى امرأة أخرى أقلّ أجرًا وحماية. يجب أن يحمي القطاع المنظّم متلقّي الخدمة ومقدّمها معًا.

أمّا الدولة، فتخسر إيرادات ضريبية واشتراكات اجتماعية كان يمكن تحصيلها لو تمكّنت نساء أكثر من العمل. ويخسر الاقتصاد جزءًا من استثماراته في تعليمهنّ، فيما تتحمّل الأُسَر لاحقًا تكلفة ضعف مدّخراتهنّ ومعاشاتهنّ التقاعدية. وتقدّر منظمة العمل الدولية أنّ الاستثمار في سياسات الرعاية في 12 بلدًا عربيًا يمكن أن يولّد قرابة 13 مليون وظيفة بحلول عام 2035، منها وظائف مباشرة في رعاية الأطفال والرعاية البعيدة الأجل، وأخرى غير مباشرة في القطاعات المرتبطة بهما.

كل دولار يُنفَق على الحزمة يمكن أن يولّد قرابة ثلاثة دولارات من الزيادة في الناتج المحلي

وتشمل الحزمة إجازات الرعاية المدفوعة، وفترات الرضاعة، والتعليم والرعاية في الطفولة المبكرة، وخدمات المسنّين والأشخاص ذوي الإعاقة. ووفق سيناريو المنظمة لسدّ فجوات سياسات الرعاية، يتطلّب تحقيق هذه النتائج استثمارات سنوية تتجاوز 204 مليارات دولار بحلول عام 2035، بما يعادل في المتوسط 5.8 في المئة من النّاتج المحلي في البلدان المشمولة. قد تبدو التكلفة كبيرة، لكنّ المنظمة تقدّر أنّ كل دولار يُنفَق على الحزمة يمكن أن يولّد قرابة ثلاثة دولارات من الزيادة في النّاتج المحلي.

ثمّة تجارب عربية قابلة للبناء عليها. في المملكة العربية السعودية، يُغطّي برنامج "قرة" جزءًا من تكلفة الحضانة لأطفال السعوديّات المؤهلات العاملات في القطاع الخاص، ويربط الدعم بمراكز مرخّصة. وفي المملكة الأردنية الهاشمية، تدعم التشريعات إنشاء المؤسسات حضانات، بالتوازي مع برامج لتدريب العاملات ورفع جودة الخدمة. لكن هذه البرامج لا تغني عن نظام أوسع يشمل العاملات في المنشآت الصغيرة والقطاع غير الرسمي والأُسَر الأقلّ دخلًا.

يمكن وضع معيار عربي موحّد لمهن الرعاية والاعتراف المتبادل بالشهادات وإعداد مناهج تدريب مشتركة

يبدأ الحل بقياس العمل غير المدفوع عبر مسوحٍ منتظمةٍ لاستخدام الوقت، ثم توسيع الحضانات العامة والمجتمعية والمؤسسية، ودعم الأُسَر وفق دخلها، وتطوير خدمات منزليّة موثوقة للمسنّين والمرضى والأشخاص ذوي الإعاقة. ويجب تمويل إجازات الأمومة من أنظمة التأمين الاجتماعي، لا تحميل صاحب العمل وحده تكلفتها، حتى لا تتحوّل إلى سبب للتمييز ضد النساء. كذلك ينبغي اعتماد إجازات أبوّة وإجازات والديّة تُشجّع الرجال على تقاسم المسؤولية، ووضع أجور منصفة وتأمين صحي وتقاعد وتدريب للعاملين في الرعاية.

لا يحتاج كل بلد عربي إلى بناء المنظومة منفردًا. يمكن وضع معيار عربي موحّد لمهن الرعاية، والاعتراف المتبادل بالشهادات، وإعداد مناهج تدريب مشتركة، وإنشاء مرصد عربي للتكلفة والجودة واستخدام الوقت، واعتماد مبادئ مشتركة لحماية العمالة المنزلية المهاجرة. الرعاية تُدفَع تكلفتها في الأحوال كلّها. إذا لم توزّعها الدولة والسوق والأسرة بإنصاف، دفعتها المرأة من عمرها ودخلها، والعاملة من حقوقها، والاقتصاد من نموّه. والاعتراف بهذا العمل ليس مجاملةً للنساء، بل الخطوة الأولى لتحويل أحد أكبر الأعباء غير المرئية في العالم العربي إلى وظائف وحماية وإنتاجيّة.

(خاص عروبة 22)

يتم التصفح الآن