العرب وتحديات الذكاء الاصطناعي

"الاحتيال الرقمي" في الجغرافيا العربية! كيف يتكيّف المجرمون السيبرانيون مع الذكاء الاصطناعي؟

بريدٌ إلكترونيٌّ يدعوك إلى تحيين بياناتك الشخصية أو يحذّرك من غرامات غير مدفوعة أو يهدّدك بنشر بياناتك، رسالةٌ نصّيةٌ تعرض عليك فرصة عمل، أو ربح مبلغ كبير في مسابقة، رسالة تَشارُك خطة استثماريّة جديدة بعوائد ماليّة كبيرة.. إلى غير ذلك من طرق الاحتيال الرقمي، التي أصبحت تغزو الجغرافيا العربيّة وتُشكّل إحدى التحدّيات التنمويّة.

في العام 2026 وحده، أشار الإنتربول إلى اعتقال 201 شخص، بالإضافة إلى تحديد 382 مشتبهًا به في عمليات مرتبطة بجرائم الاحتيال الرقمي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث يتكبّد الأفراد والشركات والمؤسّسات خسائر ضخمة تصل على الصعيد العالمي إلى تريليون دولار سنويًّا، ووفقًا لأبحاث "التحالف العالمي لمكافحة الاحتيال" (Global Anti-Scam Alliance)، يُقدّر أنّ الاحتيال الرقمي يُكلّف العالم ما بين 442 مليار دولار وتريليون دولار أميركي كل عام.

خسائر تتراوح بين 1.5 مليار دولار وأكثر من 7 مليارات دولار سنويًا

أمّا عربيًّا، فتشير تقارير الهيئات الإقليميّة والمؤسّسات المصرفيّة (مثل اتحاد المصارف العربية والإنتربول) إلى أنّ خسائر الاحتيال الرقمي والجرائم تتراوح بين 1.5 مليار دولار وأكثر من 7 مليارات دولار سنويًّا، بينما تمثّل جرائم الاتجار بالبشر نسبة 26% من إجمالي الضحايا عالميًّا بمَن فيهم مَن استُغلّوا في عمليات احتيال رقمي.

وتُسجّل دولٌ مثل السعوديّة والإمارات وفقًا لتقارير الأمن السّيبراني العالميّة أرقامًا متقدّمةً عالميًّا في معدّل تكلفة الاختراقات والاحتيال الرقمي التي تستهدف المؤسّسات، بحيث تتجاوز تكلفة الهجوم أو الاختراق الكبير للمؤسّسة الواحدة 8 ملايين دولار، وينتج عن هذا النّوع من الاحتيالات خسائر ماليّة فادحة، إضافةً إلى أضرار عاطفية تؤدي إلى تآكل الثقة في الأنظمة الرقميّة، وفي الحكومات والمؤسّسات الماليّة والخدمات عبر الإنترنت.

تُعقّد الطبيعة العالمية واللامركزية لشبكة الإنترنت جهود إنفاذ القانون

ومع تسريع الحكومات والشركات للتحوّل الرقمي، وبخاصّةٍ في أعقاب انتشار جائحة "كوفيد-19"، ارتفعت معدّلات الاحتيال والجرائم الماليّة الرقميّة بشكل كبير، حيث استغلّ المجرمون السّيبرانيون الثغرات في الشبكات غير الآمنة، وضعف التوعية لدى المواطنين، وقصور أدوار هيئات حماية المستهلك، لزيادة نشاطهم الإجرامي، مستفيدين من التقنيات النّاشئة في مجال الذكاء الاصطناعي، وتقنية "Blockchain"، وإنترنت الأشياء (IoT) لابتكار مخطّطات شديدة التعقيد والاحتيال.

إضافة إلى ذلك، تُعقِّد الطبيعة العالميّة واللّامركزيّة لشبكة الإنترنت جهود إنفاذ القانون، ما يجعل تتبّع المجرمين ومقاضاتهم أمرًا بالغ الصعوبة. مثلًا إذا سرق المجرمون 10.000 دولار من حساب شخص أو شركة ما، يقومون بتقسيمها إلى 30 قطعة ويضعونها في 30 بنكًا، وبحلول الوقت الذي يحصل فيه المُحقّقون على المعلومات الكاملة عن البنوك الـ30 يكون أصحاب الحسابات المعنيّون قد سحبوا الأموال باستخدام أجهزة الصرّاف الآلي، ولذلك يرفع الإنتربول شعار "عندما يصبح مجرمو الإنترنت عالميّين، يجب أن يكون ردّنا دوليًّا".

ومن أبرز عمليات الاحتيال الرقمي المعروفة على الصعيد العالمي حتّى الآن، نجد:

ــ "احتيال التصيّد" (Phishing scams): يتضمّن اختراق البريد الإلكتروني أو صياغة رسائل احتيال مُصمّمة خصّيصًا لخداع المستلمين لكشف معلومات شخصيّة مثل كلمات المرور، أو تفاصيل بطاقات الائتمان؛

ــ "احتيال العملات المشفّرة" (Cryptocurrency scams): يُعتبر هذا الأسلوب من أحدث آليات الاحتيال الرقمي، ويشمل عروض العملات الأولية الوهمية (ICOs)، ومنصّات التداول الوهميّة، ومخطّطات الضخّ والتفريغ (Pump-and-dump)؛

ــ بونزي والمخطّطات الهرميّة (Ponzi and pyramid schemes): أوقعت هذه الآليّة ملايين الضحايا من خلال وعدهم بعوائد عالية على الاستثمارات مع مخاطر قليلة أو معدومة؛

ــ هجمات برامج الفدية (Ransomware attacks): يقوم المجرمون بتشفير بيانات الضحايا، ثم يطلبون فدية مقابل مفتاح فكّ التشفير، وقد استهدف هذا النوع من الهجمات المؤسّسات الحسّاسة مثل المستشفيات ومحطات القطارات والمطارات والشركات، ما خلق اضطرابات واسعة؛

ــ الاحتيال العاطفي (Romance scams): يشمل بناء علاقات وهميّة عبر الإنترنت للتلاعب بالأفراد لإرسال الأموال؛

ــ اختراق البريد الإلكتروني للشركات عبر انتحال صفة المديرين التنفيذيين أو الموردين لخداع الشركات لإجراء معاملات غير مُصرّح بها: في إحدى أكبر القضايا، احتال رجل ليتواني على شركتَيْن أميركيتَيْن رئيسيتَيْن بمبلغ 100 مليون دولار باستخدام فواتير ورسائل بريد إلكتروني مزيّفة؛

ــ احتيال التسوّق عبر الإنترنت: تخدع مواقع التجارة الإلكترونيّة المزيّفة والبائعون الوهميّون على المنصّات الرقمية، العملاء لدفع ثمن بضائع لا يتمّ تسليمها أبدًا؛

ــ احتيال الدعم الفني: ينتحل المجرمون صفة ممثّلي الدعم الفني، لإقناع الضحايا بمنحهم وصولًا عن بُعد لأجهزتهم أو دفع ثمن خدمات غير حقيقية.

دمج الحلول يجعل النظام الرقمي في الجغرافيا العربيّة أكثر مرونة في مواجهة الاحتيال

أمّا عن آليّات التصدي للاحتيال الرقمي وزجر المجرمين، فينبغي اتخاذ إجراءات عدّة متعدّدة الأبعاد تجمع بين الابتكارات التكنولوجيّة، والتعليم والتدريب، وتكييف الأطر القانونيّة، ويشمل ذلك:

- التشفير والاتصال الآمن: ضمان أمان البيانات الحسّاسة عبر التشفير الشامل وبروتوكولات آمنة؛

- النظافة السّيبرانيّة وتوعية المستخدمين: تثقيف الأفراد من خلال حملات التوعية وتقديم التدريب للموظفين؛

- الالتزام التنظيمي والتعاون الدولي: فرض قوانين صارمة لحماية البيانات وتعزيز التعاون العابر للحدود؛

- بوّابات الدفع الآمنة وأدوات مكافحة الاحتيال: تحديد وحظر المعاملات غير المصرّح بها واستخدام تقنيات الترميز؛

- خطط الاستجابة للحوادث والتعافي: إنشاء بروتوكولات استجابة واضحة والاحتفاظ بنسخ احتياطيّة منتظمة للبيانات؛

- تقنية "Blockchain" لشفافية المعاملات: تعزيز الأمان والشفافية واستخدام العقود الذكيّة؛

- مشاركة معلومات التهديدات: التعاون بين المنظّمات لمشاركة معلومات الاستخبارات السّيبرانيّة؛

- المراقبة والتحليلات: المراقبة المستمرّة للمنصّات الرقميّة لتحديد الثغرات وإصلاحها.

ومن خلال دمج هذه الحلول، يمكن أن يصبح النظام الرقمي في الجغرافيا العربيّة أكثر مرونةً في مواجهة الاحتيال والجرائم الرقميّة، ما يحمي الأفراد والمنظّمات على حدٍّ سواء من أضرار جسيمة، ويُضفي الثّقة والأمان على المعاملات الماليّة وأشكال الحضور عبر الإنترنت.

(خاص عروبة 22)

يتم التصفح الآن