تقدير موقف

شروط "إنتاج" التكنولوجيا العربيّة!

إنّ تدقيق العلاقة بين إنتاج المعرفة والتكنولوجيا في العالم العربيّ وبين الابتكار في مجال الذّكاء الاصطناعي، يفترض علميًّا تجاوز الوقوف عند جملة من معطيات الاستخدام التي يُعتقد خطأً أنّها أساس إنتاج الذّكاء الاصطناعيّ.

شروط

من هذا الخطأ، الاعتقاد بأنّ العالم العربي قد بات ينتج منظومةً تكنولوجيّةً مقرونةً بالذّكاء الاصطناعي، بدليل تخصيصه استثمارات ضخمة في إنتاج التكنولوجيا واستخدام كثير من التّطبيقات وتطوير مناويل لغويّة عربيّة ونماذج للاستدلال ومعالجة الوثائق كما يقوم به معهد الابتكار التكنولوجي في أبو ظبي.

السّؤال إذن، لماذا لا يُعتبر العالم العربيّ مُنتجًا للتّكنولوجيا الرّقميّة، وأنّه لا يتعدّى كونه مستهلكًا لها أو بالأحرى مشتغلًا بها في سياق لغويّ ثقافيّ لا غير؟.

يقتضي الجواب تجاوز الخلط بين ثلاثة أبعاد لا يُميّز بينها كثير من الدّارسين أو المتتبّعين لمجال التّكنولوجيات الرّقميّة:

أولها: بُعد الاستهلاك من جهة إعادة استعمال النّماذج والتّطبيقات التي بلورتها المراكز البحثيّة الكبرى والشّركات الموجودة خارج البلاد العربيّة.

ثانيها: بُعد تكييف الإنتاجات التقنيّة وتأهيل نماذج تقنيّة قائمة على استيعاب اللغة العربيّة ولهجاتها والتلاؤم مع الضوابط الثقافيّة والخصوصيّات المؤسّساتية المحلية.

ثالثها: إنتاج التكنولوجيا القاعديّة أو الصّلبة ما يستوجب تطوير الخوارزميّات والأنساق المعماريّة للنماذج، وتصميم المعالجات، وتطوير البرمجيّات وتشييد أنظمة الحوسبة بمنسوبٍ يتميّز بأداءٍ عالٍ.

الإنتاج يعني بلوغ القدرة على ابتكار الآليّات والمفاهيم والأنساق التي تجعل التكنولوجيا العربية أمرًا قابلًا للتحقّق

غير أنّ التّمييز بين هذه الأبعاد الثلاثة لا يعني تمييزًا تقنيًّا فقط، وإنّما هو فرز لمستويات امتلاك شروط إنتاج التكنولوجيا في أفق حيازة القواعد التي تقوم عليها. فإذا كان الاستهلاك يخصّ العلاقة المصلحيّة بنتائج التكنولوجيا؛ والتّكييف يعني ملاءمتها مع الضوابط والحاجيّات المحلية، فإنّ الإنتاج باعتباره سبيلًا لخوض غمار المنافسة الكونيّة يعني بلوغ القدرة على ابتكار الآليّات والمفاهيم والأنساق التي تجعل ما يُسمّى بالتكنولوجيا العربيّة أمرًا ممكنًا وقابلًا للتحقّق.

وإصرارًا على التنبيه إلى تجاوز الخلط بين هذه الأبعاد الثلاثة، لا بدّ من التّأكيد على أنّ تطوير النماذج اللغويّة ومراكز البيانات والاعتماد على التّطبيقات المتطوّرة، لا يعني أنّ العرب يمتلكون منظومةً تكنولوجيّةً مستوفية الشروط، لأنّ هذه النّماذج تقوم على خوارزميّات، وآليات تمرين، وأنساق تشغيل وسلاسل توريد، ورقائق؛ وجلّها مستورد من الخارج. وهذا يعني أنّ هذا الجهد العربي في التّعامل مع إشكاليّات الإنتاج التكنولوجي وعلى الرّغم من أهميّته، لم يستطع أن ينتج تكنولوجيا رقميّة عربيّة مستقلّة.

إنّ الإشكال هنا إذن، لا يتعلّق باستخدام التقنيّة وتعميم استعمالها اجتماعيًّا، وإنّما بتحدّيات الابتكار وتحقيق الاستقلال المعرفي. غير أنّ الاستقلالية لا تعني التمكّن الذاتي من استخدام نتائج المعرفة الغيريّة، وإنّما اكتساب حاسّة المهارة الإبداعيّة في إنتاج شروطها العلميّة والمنهجيّة.

صحيح أنّ مجهود الدول العربيّة، خاصّة دول الخليج، في استيراد المعالجات والبرمجيّات والأنظمة الحاسوبيّة وتطويرها لتطبيقات محليّة، يظلّ وظيفيًا في عصرنة مجتمعاتها، لكنّها تظل بعيدةً عن تحقيق سيادة تكنولوجيا حديثة أساسها الذكاء العربي.

النجاح متوقّف على بلورة نموذج تعليمي عربي قائم على الرياضيات وعلوم الحاسوب والفيزياء وهندسة الإلكترونيات

واختصارًا لكلّ التفريعات التي تنتجها هذه الأسئلة، هناك سؤالان محوريّان مؤطّران: هل بإمكان العرب إنتاج معرفة مستقلة لابتكار الخوارزميّات والبيانات والرقائق والمنصّات السحابيّة؟ وهل هناك رؤية استراتيجيّة تخصّ توطيد بنية علميّة وتكنولوجيّة لازمة لبلورة نموذج عربيّ يخصّ ابتكارات الذكاء الاصطناعي؟.

إنّ كل الرّهانات التي يطرحها هذان السؤالان مشروطة بقدرة العرب على الانتقال من استهلاك نتائج الثورة العلمية التكنولوجيّة إلى تحدّي المساهمة في إنتاج شروطها. ومن هنا تصبح الغاية أعمق من مسايرة ما ينتجه الغرب من تكنولوجيات رقميّة. غير أنّ نجاحها متوقّف على بلورة نموذج تعليمي عربيّ قائم على الرياضيات والإحصاء وعلوم الحاسوب والفيزياء وهندسة الإلكترونيات.

(خاص عروبة 22)

يتم التصفح الآن