صحافة

التصعيد الإسرائيلي في الجنوب السوري أطماع وتسخين انتخابي

عمر إدلبي

المشاركة
التصعيد الإسرائيلي في الجنوب السوري أطماع وتسخين انتخابي

قوات إسرائيلية تتوغل في قرية عين زيوان بريف القنيطرة (رويترز)

تبدو استراتيجية العدو الإسرائيلي فيما تقوم به قواته داخل الأراضي السورية، في جبل الشيخ وقرى القنيطرة ودرعا على تخوم الجولان المحتل، أوسع وأبعد أثراً من مجرد مواجهة هواجس أمنية أو اكتساب أوراق تفاوضية مستقبلية، إلى الحد الذي تصبح فيه هذه الاستراتيجية فعلا مستداماً تتقاطع فيه الأطماع الجغرافية مع الحسابات الانتخابية. مع كل فترة انتخابات إسرائيلية، تتحول قضايا الأمن إلى مادة للمزايدات، ويتسابق سياسيو الاحتلال في تل أبيب على تقديم أنفسهم بصورة القوي والمنتصر، الذي يفرض وقائع جديدة على الأرض، وفي سياق الوضع السوري، يدفع السوريون وخاصة أهلنا في الجنوب ثمن البلطجة الإسرائيلية، فأراضيهم تستباح، وتجرف مزارعهم، ويهدد رزقهم وأمانهم، ويرتهن مستقبلهم لممارسات عدائية يومية، وقبل كل ذلك، تنتهك سيادة الوطن الخارج للتو من صراع مدمر طويل.

لا تخفي إسرائيل أهدافها، فمشروع "سوفا 53" ليس مجرد طريق عسكري وساتر ترابي، بل تطمح قيادة الاحتلال لجعله أداة إعادة ترسيم فعلية للحدود، فهو مشروع يمتد من حضر شمال القنيطرة إلى حوض اليرموك غرب درعا، وعمقه يشي بأنه ليس مشروعاً دفاعياً، بل تكتيك هندسي لتحقيق استراتيجية احتلال جديدة، خاصة إذا تمت قراءته بدلالة محاولات العدو الإسرائيلي تعزيز اختراق السويداء بدعم مليشياتها الانفصالية، في محاولة لتغيير خريطة نفوذ الاحتلال في المشرق العربي كله، لا تغيير الخريطة السورية فحسب، وكل ذلك يسوق بذريعة التهديدات الأمنية، بينما تزيد الانتخابات الإسرائيلية سعير هذا التصعيد الخطير.

وفيما هو أبعد من خسارة الأرض، تتعدد أبعاد التداعيات الخطرة على سوريا، وفي مقدمتها محاولة الاحتلال إضعاف الحكومة السورية في المرحلة الانتقالية التي تعج بالتحديات. على المستوى الاقتصادي، تكرس سياسات الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب السوري فقدان الدولة السورية السيطرة على موارد حيوية، وفي مقدمتها المياه في حوض اليرموك وروافد نهر الأردن، ما يهدد الأمن المائي السوري على المدى البعيد.

وعلى المستوى السياسي، تسعى إسرائيل إلى إبقاء الدولة السورية وخاصة مناطق الجنوب في حالة إنهاك دائم، يمنع الاستقرار، ويحول الجغرافيا إلى ورقة تفاوض، والمفاوضات الأمنية التي ترعاها واشنطن إلى ساحة ابتزاز، وتجعل من السكان في الجنوب رهائن خوف من الاحتلال، ويزرع لديهم عدم الثقة بالدولة، وما قد ينجم عن هذه الاعتداءات من تقطيع أوصال القرى الحدودية، وتهجير قسري جديد. كما يساهم هذا النهج العدائي التصعيدي في تعميق أزمات سوريا وزرع بذور الفتنة داخل النسيج السوري، عبر تشجيع الطموحات الانفصالية في السويداء، وهو ما يشكل تهديداً وجودياً لوحدة الأراضي السورية والسيادة الوطنية. وأمام هذا التحدي الوجودي، يثور السؤال الوطني حول السياسات المتاحة لتفادي التداعيات، وتحويل العدوان إلى فرصة لاستعادة المبادرة؟

إن موقف سوريا المتمسك باقتصار المفاوضات مع الاحتلال على الترتيبات الأمنية، وبأن الجولان أرض سورية، وعدم الرضوخ لشروط الاحتلال في توقيع اتفاقية لا تضمن الثوابت الوطنية السورية، يمثل نهجاً مبدئياً ضرورياً يضمن مصلحة سوريا بمنع إسرائيل من المناورة والابتزاز واستغلال الواقع السوري. ويعتبر العمل الدبلوماسي والقانوني في هذه المرحلة أداة فعالة، عبر توثيق الانتهاكات، ورفع ملفات الاعتداءات إلى مجلس الأمن والجمعية العامة وربما لاحقاً أمام محكمة العدل الدولية، فالملف القانوني، والحملات الدبلوماسية المتواصلة، عربياً ودولياً تجعل كل خطوة إسرائيلية مكلفة سياسياً، مهما بدا هذا الجهد غير منتج على المدى القصير.

ويقدم نضال الشعب الفلسطيني على هذا المسار نموذجاً مكافحاً يبرز أهمية تحويل القضايا العادلة إلى رأي عام عالمي، وسوريا اليوم بحاجة إلى “دبلوماسية المواطن” أيضاً، لا الاكتفاء بالجهد الرسمي الحكومي، لتحويل معاناة السكان في القنيطرة ودرعا إلى قضية عالمية، عبر منصات التواصل الاجتماعي، ومنابر المنظمات الحقوقية، والإعلام الدولي، وتجمعات الشتات السوري.

وعلى مستوى آخر، تحتاج سوريا أكثر من أي مضى إلى تبني تحالفات مصالح، لا الانخراط في صراع المحاور، وفي مقدمتها التحالف مع تركيا، التي تستشعر خطراً جدياً على أمنها القومي، جراء سياسات الاحتلال الإسرائيلي، كذلك الأردن ولبنان والعراق، وهي دول تعيش هاجس وقلق الفوضى التي يمكن أن يفجرها نهج الاحتلال العدواني.

وتجد دول الخليج ومصر نفسها في خضم تداعيات التفلّت الإسرائيلي الدائم الذي يزعزع الاستقرار في الإقليم برمته، وكل هذه مصالح مشتركة تتقاطع مع الهواجس والمصالح السورية، ما يمكن أن يكون دافعاً للحديث الجدي إقليمياً عن جبهة ضغط واسعة، تساهم في تحصين سوريا من السياسات العدوانية الإسرائيلية دون أن تحولها إلى ساحة صراع بين قوى إقليمية.

أما الحصن الحقيقي الذي يكفل مناعة سوريا تجاه مشروع الهيمنة الإسرائيلية، فيتمثل قبل كل شي في وحدة وطنية جامعة، يمثلها جيش وطني ومؤسسات أمنية، وسياسية وإدارية تمثل جميع السوريين، واستمرار العمل البناء على خطة تنفيذ اتفاق دمج قسد، والمبادرة إلى وضع تصورات عملية لحل إشكالية السويداء، واستعادتها إلى الدولة السورية، والتمسك بنهج ومسار دولة المؤسسات والحريات وسيادة القانون، وتحصين مسار إعادة البناء بالحوكمة ومكافحة الفساد، وتمكين المجتمع من طي إرث حقبة الاستبداد والصراع بعدالة انتقالية شاملة.

وعودة كريمة آمنة للاجئين والنازحين، وإقرار سياسات تعافي شاملة في قطاعات الاقتصاد والتعليم والصحة والخدمات الأساسية، تجعل من المواطن السوري حصن الدولة الأول بمواجهة كل التحديات، وأخطرها الاحتلال الإسرائيلي، فالبناء الداخلي المتين يمنع الاختراق، والسيادة التامة تصان بالانتماء الواعي للوطن. ولا يفوتنا التأكيد على دور الإعلام في معركة الرأي العام، فمواجهة الاحتلال مهمة تستوجب دوراً محورياً للوعي الشعبي الذي يساهم في تأسيسه وإنضاجه الإعلام السوري، الرسمي والخاص والمجتمعي، وهو دور يمتد إلى ساحة الرأي العام العالمي، فالعالم يتأثر على نحو أعمق بالصور والقصص والأرقام، أكثر مما يتفاعل مع المواقف السياسية الرسمية.

إن تجربة السوريين مع ثورتهم التي طالت عقداً ونصف العقد، وما تكبدوه من أثمان لقاء كرامتهم وحريتهم، علمتهم أن الأهداف لا تتحقق بانتصارات سريعة، بل بالصبر والإدارة الذكية للفرص، وأبرز الفرص التي يمكن الاستفادة منها في مواجهة تحدي الاحتلال وعدوانه هو بناء نموذج الدولة القادرة على إدارة الاختلاف والتنوع في مجتمعها، ومخاطبة العالم بمنطق المصالح المشتركة، خاصة أن استقرار سوريا شرط ضروري لاستقرار الأمن الإقليمي والدولي، وإدارة ذكية لأزمة الصراع مع الاحتلال في الجنوب السوري تبدو فرصة وبوابة لاستعادة القرار الوطني والسيادة، وبناء دولتنا التي نحلم بها قوية عزيزة.

ولعل النموذج الألماني يمثل صورة للمشهد الأوربي الحالي والمعقد، ففي حين ​تُظهر الخارطة السياسية الأوروبية صورة متوازنة ومتباينة لا تسير في اتجاه واحد، فالانتخابات الإقليمية والمحلية في ألمانيا، على سبيل المثال، كشفت عن هذا الاستقطاب المتصاعد، ​حيث حقق حزب البديل من أجل ألمانيا AFD اليميني مكاسب بارزة في بعض الولايات والمناطق. ​في المقابل، سجلت الأحزاب اليسارية تقدماً ملموساً في مناطق أخرى، وعلى رأسها العاصمة برلين. هذا التباين يوضح أن المجتمعات الأوروبية لا تتجه نحو اليمين بشكل مطلق، بل تعيش حالة من التنافس الحاد وإعادة تشكل الخارطة السياسية وسط تراجع الأحزاب التقليدية في العديد من المواقع، هذا الاستقطاب يفتح ​الفرصة والتحدي أمام اليسار الأوروبي.

إذ ​تُشكل العودة إلى تقديس الخدمات العامة وتفعيل دور الدولة في الرعاية الاجتماعية فرصة أيديولوجية وسياسية مواتية لليسار الأوروبي، كونها تقاطعاً مباشراً مع أدبياته وبرامجه التاريخية، غير أن تقاطع مطالب المحتجين مع أهداف اليسار لا يعني بالضرورة عودته التلقائية إلى السلطة. و​لكي يتحول هذا الحراك إلى مكاسب سياسية وازنة لليسار، يتعين عليه تجاوز الاستثمار الانتخابي العابر أو الاكتفاء بركوب موجة الغضب الشعبي، وذلك عبر العمل على: ​تحويل المطالب إلى برامج عمل جادة وتقديم طرح واقعي وقابل للتنفيذ يضمن جودة الخدمات العامة والعدالة الاقتصادية، و​تقديم إجابات شجاعة وشاملة وصياغة رؤى مقنعة حول الملفات الشائكة التي يؤرّق بها اليمين الشارع، وعلى رأسها الاقتصاد، الهجرة، والأمن الاجتماعي.

ولتحقيق ذلك لا بد من ​بناء الثقة مع الأجيال الجديدة وكسب ثقة الشباب والمحتجين المستقلين دون محاولة الوصاية عليهم أو اختزال حراكهم في أجندات حقيقية ضيقة، ​إن النتيجة الأكثر أهمية في هذه اللحظة ليست صياغة إجابة جازمة حول حتمية عودة اليسار إلى الحكم، بل الاعتراف بأن السياسة قد عادت إلى الحياة اليومية للمواطن الأوروبي.

(الثورة السورية)

يتم التصفح الآن