لقد كتب شاعر العراق الكبير محمد مهدي الجواهري قصيدة رثاء طويلة ورائعة في عبد الناصر قال فيها: "لا يَعصم المجد الرجال (فقد كان) عظيم المجد والأخطاء"... إذن حقًّا بنى جمال عبد الناصر خلال رحلة حياته القصيرة وهو رئيس لمصر، إنجازاتٍ وأمجادًا ليس لوطني وعروبي صادق أن ينكرها، لكن أيضًا كانت له إخفاقات وأخطاء بعضها ربما عظيم فعلًا.
أمّا أبرز وأشهر الأخطاء والإخفاقات فهما اثنان: أولهما تعثّر نظامه في توفير بيئة تسمح بديموقراطية سياسية وتعدّدية حزبية حقيقية. وثانيهما ترك مهمة قيادة الجيش لشخص غير مؤهّل (المشير عبد الحكيم عامر) ما أدى إلى هزيمة عسكرية ثقيلة أمام العدو الصهيوني في حرب العام 1967 التي اعترف هو نفسه بمسؤوليته عنها مباشرة، وأعلن تنحّيه فورًا عن السلطة لكن الجماهير التي انطلقت في الشوارع بالملايين هي التي كلّفته بالاستمرار وقيادة معركة تحرير الأرض.
الديموقراطية الاجتماعية التي أقام عبد الناصر صرحها كانت بمثابة قاعدة لبناء ديموقراطي سياسي حقيقي وفعّال
هذان هما العنوانان الرئيسيّان اللذان تتركّز حولهما حملات التشهير، أولهما يستند إلى حقيقة مؤكّدة فعلًا، إذ أخفق نظام عبد الناصر في بناء الديموقراطية السياسية، على الرغم من أنّ هذا النظام أحدث في المجتمع المصري تحوّلاتٍ جذريةً عميقةً وأقام صرحًا هائلًا لديموقراطية اجتماعية واسعة النطاق، غير أن المُشَهِّرين أهملوا (عمدًا أو جهلًا) السياق التاريخي الذي عاش النظام الناصري في ظلّه، إذ كان الطلب على الديموقراطية السياسية قليلًا جدًّا في أغلبية نظم التحرّر الوطني آنذاك، فضلًا عن غياب هذا النّوع من الديموقراطية في كلّ منظومة الدول الاشتراكية بقيادة الاتحاد السوفياتي السابق.
ومع ذلك لم تكن هذه الثغرة الخطيرة في نظام ثورة يوليو/تموز بعيدةً عن إدراك ووعي قائدها (التي هي ربّما أهم أسباب الانقضاض على منجزاتها بعد رحيله). وفي هذا الصدد، نشر الدكتور رفعت السعيد اليساري المصري البارز منتصف السبعينيّات كتيّبًا صغيرًا تضمّن وثائق عثر عليها بالصدفة، كانت عبارة عن محاضر رسمية لاجتماعات عدّة عقدتها عام 1968 اللجنة التنفيذية العليا للاتحاد الاشتراكي العربي (التنظيم السياسي الوحيد وقتها) وخُصّصت هذه الاجتماعات للبحث في اقتراحٍ من الرئيس جمال عبد الناصر نفسه قضى بإدخال تعديلٍ مهمٍّ على نظامه يتضمّن السّماح بحزبٍ آخر كخطوة أولى من شأنها سدّ هذه الثغرة في بنيانه التي كانت "أهم أسباب الهزيمة"، حسب ما قال عبد الناصر، طبقًا لما جاء في الوثائق.
لكنّ تلك الفكرة واجهت رفضًا من غالبيّة الحضور بحجّة أنّ "ظروف الحرب لا تسمح" بتطبيق اقتراح الرئيس، والمفارقة هنا أنّ مَن قاد جوقة الرّافضين لهذه الخطوة كان أنور السادات!.
كلّ الحكام بعد رحيل عبد الناصر تولوا مهمّة تخريب ما تمّ إنجازه من مكتسبات اقتصادية واجتماعية وحافظوا على الاستبداد
يبقى أن نتوقّف قليلًا عند الديموقراطية الاجتماعية التي أقام جمال عبد الناصر صرحها العظيم في مصر، وهي بالمجمل كانت بمثابة قاعدة أساسية صلبة لبناء ديموقراطي سياسي حقيقي وفعّال وهو ـ للأسف ـ ما لم يحدث، بل على العكس، تولّى كلّ الحكام الذين قفزوا إلى سدّة الرئاسة بعد رحيل عبد الناصر مهمّة تخريب وتحطيم ما تمّ إنجازه في عهده من مكتسبات اقتصادية واجتماعية رائعة، بينما على الصعيد السياسي حافظوا جميعًا على الاستبداد، بل متّنوا قواعده ووسّعوه وطوّروه حتى صار أشبه بقانون حياة.
أمّا أهم ملامح ورواسي قاعدة الديموقراطية الاجتماعية التي انتهت تقريبًا بعد رحيل جمال عبد الناصر فهي تشمل عشرات التفاصيل، أهمها:
- الإصلاح الزراعي، الذي صدر أول قوانينه الثلاثة يوم 9 سبتمبر/أيلول 1952، أي بعد نحو سبعة أسابيع فقط من اندلاع ثورة يوليو/تموز.
- تحويل التعليم بمراحله كافّة إلى تعليم مجاني، وكذلك الأمر في ما يخص خدمات الصحة والعلاج التي صارت كلّها مجانية، فضلًا عن تخفيض أسعار الدواء، وبناء صرح عملاق للصناعات الدوائية، وإنشاء مرافق صحية غطت مصر كلها.
- تمصير وتأميم المشروعات الصناعية والخدمية الكبرى كافّة في البلاد، وسيطرة الدولة على القطاع المالي والمصرفي بأكمله، مع إعطاء العمّال والعاملين في المؤسّسات والهيئات كافّة حقّ الحصول على نسبة من أرباحها السنوية والمشاركة في إدارتها جميعها، إضافةً إلى رفع الحد الأدنى للأجور.
- الإقرار الدستوري بحقّ المرأة في التصويت والترشيح في الانتخابات العامة، وكان ذلك مبكّرًا (عام 1956) بينما دول أوروبية مهمّة ومتقدمة مثل سويسرا، لم تتمكّن المرأة فيها من ممارسة هذا الحقّ قبل العام 1971.
- إقامة صروح إنتاجية (صناعية وزراعية) جديدة وعملاقة وتحقيق خطط تنمية شاملة قفزت بمعدلات النمو قفزات طفرية جعلت مصر تتقدّم على كل مثيلاتها من البلدان النامية، في نسب النمو.
- الاهتمام الكبير بنشر الثقافة والفنون الراقية في المجتمع عبر مشاريع رائدة وعملاقة مثل قصور الثقافة الجماهيرية التي انتشرت في كل المدن والقرى المصرية.
كان ممكنًا أن تصبح مصر نموذجًا نهضويًا ملهمًا لأقطار أمّتها
كل هذه الإنجازات وغيرها الكثير، ممّا لا يتسع المجال لذكرها، بدت تصنع قاعدةً مجتمعيةً ناهضةً وقويةً تسمح ببناء نظام سياسي ديموقراطي كفء، لا يسجن الحرّيات الديموقراطية في آليّات ممارستها فحسب (الانتخابات مثلًا) بل يكفل أساسًا الالتزام بقيمها ومبادئها السامية.
لقد كان ممكنًا جدًّا أن تصبح مصر الآن نموذجًا نهضويًا مبهرًا وملهمًا لأقطار أمّتها العربية، لو لم يتم الانقضاض بكل هذه الشراسة الإجرامية على الثورة وقائدها، ومواصلة البناء على ما تركه الرجل من منجزات اجتماعية وتقدّمية هائلة... لكن تلك الفرصة الثمينة أُهدرت - بكل أسف - حتّى الآن!.
(خاص عروبة 22)

