للحقّ، فإنّ سياسة التمييز ضدّ السّوريات وتجسيدها سلوكيًا، ليست بالأمر الجديد على صعيد الدولة والمجتمع. إذ هي جزء من أمر واقع، يستند إلى إرثٍ قديمٍ حاضرٍ في أفكار وقيم وعادات وتقاليد، ساهمت بدرجات في صياغات قانونية وإجرائية وتعليمات، فرضت نفسها على السّوريات وعلاقاتهنّ مع المجتمع والدولة.
قدّم السوريون فاتورة كبيرة من أجل الحرية وتحمّلت النساء قسمًا مهمًّا من الفاتورة
لكنّ الجديد في سياسة التمييز الحاليّة أمران: الأول أنها توسّع مدى التدخلات في حياة السّوريات، والتي تمتد من التدخل في اللباس والحجاب إلى دفعهن للانكفاء إلى البيت، وفرض نوعيات معيّنة من التعليم وبالتالي استبعادهن من دخول قطاعات معينة في سوق العمل من جهة. والأمر الثاني أنّها تتخذ أشكالًا جديدةً في تكريس التمييز، تشمل تدخّلاتٍ مكثّفةً من جانب مؤسّسات رسمية وأهلية، وبمشاركة ناشطين دعويين وشيوخ وخطباء مساجد لصياغة مكانة النساء في المجتمع وعلاقاتهنّ بمؤسّساته وأفراده، حيث يجري التركيز على الفصل بين الجنسَيْن، ودفع النساء إلى التراجع عن فكرة المساواة مع الرجال كليًّا أو جزئيًّا والاعتكاف في البيت واعتماد أشكال مُحدّدة من اللباس والحجاب.
الأهم في هذه التطوّرات أنّها جاءت بعد سنوات من ثورة السّوريين ضد نظام الأسد، قدّم فيها السّوريون فاتورةً كبيرةً من أجل الحرية وتغيير علاقات السيطرة، وتحسين أحوال النساء. وتحمّلت النساء قسمًا مهمًّا من الفاتورة نتيجة ضعفهن وقسوة الصراع، واضطرارهن للعيش في ظلاله وسط ظروف سياسية واجتماعية وثقافية موروثة شديدة القسوة، أضيفت إليها أعباء وحمولات اقتصادية واجتماعية. ولم يكن الأمر مقتصرًا على ما لحق بهنّ من تهجير وقتل واعتقال، بل جرى تحميلهن مسؤولية إعالة أُسَر نتيجة فقدان وإعاقة المُعيل، الأب أو الأخ أو الزوج، وأضيف إلى ما سبق جميعًا، تعرّض النساء لانتهاكات مارستها أغلب قوى الصّراع السّوري المسلّح بخلفيّات ذكورية، استندت إلى مبرّرات متعدّدة.
لعبت النساء أدوارًا مهمّة في إعادة بناء أوروبا
كان إسقاط نظام الأسد أواخر عام 2024 وقيام سلطة جديدة، يمثّل طموحًا إلى تغيير جوهري في حياة السّوريات ومكانتهنّ في المجتمع ودورهنّ في إنهاضه، لكنّ التطوّرات أخذت القضية إلى مستوى يفصل ما بين الذهاب إلى الطموحات من جهة، وتدهور حالة النساء من جهة ثانية، في إطار تدهور الحالة العامة نتيجة ما خلّفه نظام الأسد من كوارث وجرائم، تبدو مواجهتها مركّبةً في مرحلتَيْن: الأولى إخراج السّوريين من الحفرة التي خلّفها نظام الأسد، والتي في مقدّمة تعبيراتها الفقر والبطالة وعدم توفر الاحتياجات الأساسية في قضايا السكن والعمل والصحة والتعليم، إضافةً إلى الأمن. وتوفُّر تلك الاحتياجات يضع السّوريين على أرضية التوجّه إلى إنجاز المهمّة الملحّة الثانية التي تُمثلها إعادة إعمار سوريا، وتطبيع الحياة السّورية في بناها وعلاقاتها الداخلية، كما في حضورها وعلاقاتها الإقليمية والدولية، وكلاهما جرى تدميره في ظلّ نظام الأسد ولا سيما في سنوات حربه وحروب الآخرين على السّوريين 2011-2024.
بطبيعة الحال، فإنّ قضية السّوريات ستكون حاضرةً في المرحلتين، ليس لأن النساء قوة أساسية في إنجاز ما هو مطلوب فيهما فقط، بل لأنّ النجاح في كل منهما سيحسّن وضع السّوريات، ويعزّز دورهنّ في الحياة ومن أجل تحقيق مستقبل أفضل، وهذا تقدير يستند إلى تجارب حقيقيّة خاضتها شعوب كثيرة في عقود ما بعد الحرب العالمية الثانية، تعرّضت لمثل ما أصاب السّوريين أو يشبهه من مسارات، وبينها بلدان أوروبا ومنها ألمانيا وبريطانيا، حيث لعبت النساء أدوارًا مهمّةً في الخروج ممّا خلّفته كارثة الحرب، وإعادة بناء أوروبا.
المطلوب في مواجهة تحديات سوريا تكريس الرغبة في لعب النساء دورًا جدّيًا في السياسة والإدارة وفي عموم المجتمع
ولا شكّ أنّ النجاح في مواجهة التحدّيات العاجلة في الخروج من حفرة نظام الأسد وإعادة بناء سوريا، يحتاج إلى الكثير من تحشيد السوريين وقدراتهم، ووضع خططٍ قابلةٍ للتقييم، وتوفير كلّ مستلزمات نجاحها، والسهر على تنفيذها. وفي هذا المختصر الشديد، يحضر بكثافة عالية الاهتمام بقضية النساء من حيث وقف سياسة التمييز حيالهنّ، ومعالجة كل التردّيات في أوضاعهنّ، وفسح المجال أمام مشاركتهنّ الفاعلة والنشطة في المجتمع والدولة، لا الاكتفاء بحضور ومشاركات شكليّة، كما يبدو الوضع اليوم في خطوات متواضعة ترسم حضور النساء ودورهن في السلطة الجديدة، وكان منها مشاركة النساء المحدودة في الحكومة الثانية، وتمثيل النساء في الهيئات والمؤسّسات، التي تمّ إحداثها في العام ونصف العام الماضيَيْن ومنها اللجنة الدستورية ومجلس الشعب وهيئة العدالة الانتقالية، وتأكيد حضور نساء في بعض مؤسّسات الحكومة وأجهزتها.
إن المطلوب في قضية النساء ودورهنّ في مواجهة تحدّيات سوريا أن نتجاوز فكرة الحضور الشكلي والتجميلي، والذهاب إلى تكريس الرغبة في لعب النساء دورًا جدّيًا في السياسة وفي الإدارة وفي عموم المجتمع.
(خاص عروبة 22)

