فلسطين... القضية والبوصلة

تقديس الجناة!دافيد بن غوريون وتحويل المشروع الصهيوني إلى دولة

حين تنجح القوة في فرض واقعها، يتحوّل الجناة إلى صُنّاع دولٍ تحظى بالاعتراف الدولي، وتُطوى صفحة جرائمهم تحت سطوة الأمر الواقع، وكأنّ العالم لا يعترف إلا بالقوة ولا يقدّس إلا المنتصر. وتُجسّد تجربة دافيد بن غوريون هذا التحوّل بوضوح؛ إذ كان الشخصية المحورية في نقل المشروع الصهيوني من فكرة قومية وحركة سياسية واستيطانية إلى دولة احتلال تمتلك مؤسّساتها وجيشها وأدوات فرض سيادتها، وتفرض حضورها في معادلات السياسة الدولية.

تقديس الجناة!
دافيد بن غوريون وتحويل المشروع الصهيوني إلى دولة

وُلد بن غوريون عام 1886 في بولندا، وهاجر إلى فلسطين العثمانية عام 1906، وانخرط مبكّرًا في النشاط الصهيوني والعمل السياسي والتنظيمي، ثم أصبح أحد أبرز قادة الحركة الصهيونية العمالية، قبل أن يتولى دورًا مركزيًّا في بناء مؤسسات "الييشوف" اليهودي وقيادة المشروع الذي انتهى بإعلان قيام "إسرائيل" في مايو/أيار 1948. 

من الصهيونية الفكرية إلى الصهيونية السياسية

نشأ بن غوريون في مرحلةٍ انتقلت فيها الصهيونية من نقاش فكري حول مستقبل اليهود إلى مشروع سياسي واستيطاني يسعى إلى إقامة كيان قومي يهودي في فلسطين، مستندًا إلى الهجرة والاستيطان والتنظيم السياسي وبناء المؤسّسات وتكوين القوة الاقتصادية والعسكرية. وقد انصبّ اهتمامه على تحويل الفكرة إلى واقع مفروض، وبناء مجتمع يمتلك أدوات السيطرة والقدرة على انتزاع الأرض من سكّانها العرب.

القوة تحوّل الوقائع المفروضة إلى شرعية سياسية والأمر الواقع يصبح أقوى من العدالة

وهكذا تكشف تجربته كيف تستطيع القوة المنظّمة تحويل مشروعٍ استيطانيٍّ متنازعٍ عليه إلى دولة تفرض وجودها، ثم توظّف ما حقّقته على الأرض لانتزاع الاعتراف الدولي، في مسارٍ يثير سؤالًا جوهريًّا حول قدرة القوة على تحويل الوقائع المفروضة إلى شرعية سياسية، وحول مصير حقوق الضحايا حين يصبح الأمر الواقع أقوى من العدالة.

فلسطين مركز المشروع

أصبحت عملية نقل اليهود إلى فلسطين وبناء المستوطنات وإنشاء المؤسّسات العمالية والسياسية جزءًا من مشروع متكامل. لكن هذا التصوّر اصطدم منذ البداية بحقيقة أساسية لم يكن من الممكن تجاهلها: فلسطين لم تكن أرضًا خالية، بل كانت موطنًا لمجتمع عربي فلسطيني له وجوده السكاني والاجتماعي والاقتصادي والسياسي، كما كانت جزءًا من محيط عربي أوسع رفض المشروع الصهيوني.

وهنا نشأ أحد أكثر التناقضات مركزيةً في تاريخ المشروع الإسرائيلي؛ فالسعي إلى بناء وطن قومي يهودي في فلسطين كان يتطلّب التعامل مع شعب يعيش أصلًا على الأرض ويعتبرها وطنه. ومن هذه النقطة تحديدًا بدأت القضية الفلسطينية تتحوّل من مجرّد مسألة تتعلّق بالهجرة والاستيطان إلى صراع على الأرض والسيادة والهوية والحقّ في تقرير المصير.

بناء الدولة قبل إعلان الدولة

كانت إحدى أهم سمات بن غوريون أنّه لم ينتظر قيام الدولة حتى يبدأ في بناء مؤسّساتها. فقد ساهم مع الحركة الصهيونية العمالية في تطوير مؤسسات سياسية واقتصادية واجتماعية وأمنية داخل المجتمع اليهودي في فلسطين، بحيث أصبح "الييشوف" يمتلك قدرًا متزايدًا من التنظيم الذّاتي. وكان الهدف يتجاوز إدارة الحياة اليومية؛ إذ كان بناء المؤسّسات يعني عمليًّا تكوين البنية الأولية لدولة مستقبلية.

تكريس واقع جديد بالقوة ثم بالسعي إلى تثبيته عبر الاعتراف الدولي وموازين العلاقات السياسية

ولذلك فإنّ إعلان الاستقلال عام 1948 يمثّل لحظة انتقال من مرحلة بناء المؤسّسات إلى مرحلة ممارسة السيادة. وقد أدرك أنّ الدولة التي لا تمتلك مؤسّسات قادرة على فرض القانون وجيشًا قادرًا على حماية حدودها ستظلّ عرضة للانهيار، ولذلك ارتبط مشروعه منذ وقتٍ مبكرٍ بفكرة الدولة القوية المركزية القادرة على تنفيذ مخطط الاستيلاء على أراضٍ عربية بالقوة القاهرة.

بن غوريون والقوة العسكرية

كان بن غوريون من أكثر القادة الصهاينة إدراكًا لأهمية القوة العسكرية في حماية المشروع السياسي. وقد رأى أنّ الاعتماد على القوى الدولية أو الوعود الديبلوماسية وحدها لن يكون كافيًا في بيئة إقليمية معادية، ولذلك دعم بناء قوة عسكرية منظّمة داخل المجتمع اليهودي في فلسطين.

وعندما اندلعت حرب 1948، كان توحيد القوى المسلّحة اليهودية تحت قيادة جيش واحد من أهم خطواته السياسية والعسكرية، خصوصًا في ظلّ سعيه إلى منع وجود جيوش وميليشيات مستقلّةً يمكن أن تنافس سلطة الدولة. وهكذا أصبح الجيش الإسرائيلي، منذ سنواته الأولى، أحد الأعمدة الرئيسية للدولة الجديدة. وهذه النقطة مهمّة لفهم بن غوريون؛ لأنّه نظر إلى الجيش على أنّه مؤسّسة مركزية في بناء الدولة وحماية استقلال قرارها السياسي.

إعلان قيام إسرائيل: لحظة التحوّل

في 14 مايو/أيار 1948، أعلن بن غوريون قيام دولة إسرائيل، معلنًا انتقال المشروع الصهيوني من مرحلة بناء المؤسسات والاستيطان إلى مرحلة إقامة دولة تسعى إلى فرض سيادتها على أرض فلسطين. وجاء الإعلان في خضمّ حربٍ وصراعٍ على الأرض والحقوق، ففتح مرحلةً جديدةً من المواجهة، تداخلت فيها مسألة الحدود مع مصير الفلسطينيّين واللاجئين والأراضي التي امتدّ إليها النفوذ الإسرائيلي. وهكذا مثّلت لحظة إعلان الدولة نقطة تحوّل في الخريطة السياسية والدّيموغرافية لفلسطين والمنطقة، إذ اقترن قيام الدولة بتكريس واقع جديد بالقوة، ثم بالسعي إلى تثبيته عبر الاعتراف الدولي وموازين العلاقات السياسية.

يتحوّل الجاني مع مرور الزمن إلى حقيقة سياسية بينما تبقى الضحية في مواجهة واقع صنعته القوة

ومن هنا تكشف تجربة دافيد بن غوريون أنّ أخطر ما تصنعه القوة القاهرة هو تحويل الواقع المفروض مع مرور الزمن إلى حقيقة سياسية يتعامل معها العالم باعتبارها أمرًا قائمًا، فتتحوّل القوة من وسيلة للسيطرة إلى أداة لصناعة الشرعية، وتنتقل الوقائع من الرفض إلى التفاوض والاعتراف.

وهنا تتجلّى فكرة "تقديس الجناة"؛ إذ نجح بن غوريون في تحويل المشروع الصهيوني من فكرة إلى مؤسّسات، ومن مؤسّسات إلى دولة، ومن دولة إلى قوة قادرة على حماية ما فرضته وتثبيت حضورها الدولي.

ومع استمرار هذا الواقع، تتراجع مُساءلة القوة التي صنعته أمام ضرورات التعامل معه، ويصبح الأمر الواقع أقوى من المبادئ والقوانين والأعراف الدولية، فتمنح موازين القوة المنتصر قدرةً على تثبيت روايته ونتائجه، ويتحوّل الجاني مع مرور الزمن إلى طرفٍ يُتعامل معه باعتباره حقيقة سياسية، بينما تبقى الضحية في مواجهة واقع صنعته القوة.

(خاص عروبة 22)

يتم التصفح الآن