لا يعني مفهوم "NEET" بالضرورة البطالة بالمعنى التقليدي، باعتبار أنّه يضمّ مَن انقطع عن الدراسة، ومَن لم يجد فرصة عمل، ومَن انسحب مؤقّتًا من سوق الشغل، ومَن تَحولُ عوائق اجتماعيّة أو عائليّة دون دخوله إليها. ولذلك فهو مؤشّرٌ على ضعف الارتباط بمسارات التعليم والتكوين والعمل، وعلى تعثّر الانتقال من مرحلة الشباب إلى الاستقلال الاقتصادي والاجتماعي.
التعليم والتشغيل بصيغتهما التقليدية يواجهان صعوبة في ضمان الانتقال إلى المكانة الاجتماعية والاستقلال الاقتصادي
وتُشير المعطيات الرسميّة والدراسات المنجزة بالتعاون بين وزارة التشغيل والتكوين المهني في تونس ومكتب منظمة العمل الدولية إلى أنّ نسبة الشباب المنتمين إلى فئة "NEET" تصل إلى حدود 30% بالنسبة إلى الفئة العمرية 15-29 سنة، ويمكن أن تصل إلى 32.5% عند توسيع الفئة العمريّة إلى 34 سنة. كما تُبيّن المعطيات تفاوتات مهمّة بحسب الجنس والمجال الجغرافي، إذ ترتفع النسبة لدى الإناث إلى نحو 37.3%، كما تبدو أكثر حضورًا في المناطق الريفيّة مقارنةً بالمناطق الحضرية. لذلك لا ينبغي النظر إلى هذه الأرقام باعتبارها مجرّد مؤشّرات إحصائية، بل باعتبارها مدخلًا لقراءة اختلالات أعمق في مسارات الاندماج الاجتماعي.
يكشف ارتفاع مؤشّر "NEET" الذي يهمّ مستوياتٍ تشمل نحو ثلث فئة الشباب، بالتوازي مع استمرار بطالة حاملي الشهادات، أنّ التعليم والتشغيل بصيغتهما التقليديّة يواجهان صعوبةً متزايدةً في ضمان الانتقال من التحصيل إلى المكانة الاجتماعيّة والاستقلال الاقتصادي. وهنا يبدو التعليم، الذي كان تاريخيًّا أحد أهم آليّات الترقّي الاجتماعي في تونس، عرضةً لأن يتحوّل، بالنسبة إلى بعض الشباب، إلى مصدرٍ للإحباط والاغتراب بدل أن يكون طريقًا واضحًا إلى المستقبل.
تتداخل في إنتاج هذه الظاهرة عوامل مُتعدّدة منها: الهدر المدرسي والانقطاع المبكر عن التعليم، وعدم توافق المهارات والتكوينات مع حاجات سوق العمل، والمسؤوليّات الأسريّة، ولا سيما بالنسبة إلى النساء، فضلًا عن الإحباط وفقدان الثقة في جدوى المسارات التقليدية للترقّي الاجتماعي. لذلك، فإنّ ظاهرة "NEET" لا يمكن تفسيرها بما يعرضه الاقتصاد من فرص أو بما يفتقده من مَواطن الشغل وحسب، باعتبار أنّها ترتبط كذلك بكيفيّة بناء المؤسّسات لمسارات تمنح الشباب معنًى للمستقبل وإحساسًا بجدوى المشاركة.
تتحوّل الظاهرة إلى كلفة اقتصادية واجتماعية مزدوجة على المستوى الوطني
ذلك أنّ البقاء خارج التعليم والعمل والتكوين لفترة طويلة لا يعني خسارة الدخل فحسب، وإنّما قد يقود إلى ضعف الاستقلالية الاقتصادية، وتأجيل تكوين الأسرة، وتراجع المشاركة الاجتماعيّة، واللجوء إلى الاقتصاد غير الرسمي أو إلى الهجرة. أمّا على المستوى الوطني، فتتحوّل الظاهرة إلى كلفة اقتصادية واجتماعية مزدوجة: فمن ناحية تؤدّي إلى ضياع الطاقات البشرية، وهجرة الكفاءات، وتراجع المردوديّة المنتظرة من الاستثمار في التعليم والتكوين، ومن ناحية أخرى تؤدّي إلى فقدان الدولة عوائد اقتصاديّة وضريبيّة كان يمكن أن تنتجها مشاركة هؤلاء الشباب في الدورة الاقتصاديّة.
غير أنّ السؤال الأعمق يظلّ: هل نحن أمام مشكلة تشغيل فحسب، أم أمام أزمة اندماج؟
إنّ اختزال "NEET" في البطالة قد يقود إلى سياسات تركّز أساسًا على توفير وظيفة، بينما يتطلّب مُعالجة الظاهرة وتجاوزها إعادة بناء المسار الذي يصل الشباب بالتعليم والتكوين والعمل والمجال العام. ولذلك لا يكفي الحدّ من الانقطاع المدرسي، بل ينبغي مرافقة المهدَّدين بمغادرة التعليم، وتوفير مسارات مرنة لإعادة التأهيل والتكوين، وتعزيز الصلة بين التكوين وحاجات الاقتصاد، وتطوير الإرشاد والوساطة المهنيّة. كما يقتضي الأمر دعم المبادرات الذاتية والعمل الحر والاقتصاد الاجتماعي، لا بمجرّد الدعوة إلى "المبادرة"، وإنما بتوفير التكوين والمرافقة والتمويل.
ولا يتمثّل التحدّي الحقيقي أمام الدولة والمجتمع في خلق مزيدٍ من مَواطن الشغل، وإن كان ذلك شرطًا أساسيًّا، وإنّما في إعادة بناء منظومة الاندماج الاجتماعي نفسها: تعليم يقود إلى فرص حقيقيّة، وسوق عمل أكثر عدالة، ومؤسّسات أكثر قدرة على الاستماع، ومجال عام يسمح بالمشاركة، وسياسات شبابيّة تنتقل من منطق الرعاية والاحتواء إلى منطق التمكين والاعتراف وتكافؤ الفرص.
أيّ مجتمع نريد أن نبنيه حتى يجد الشباب فيه مكانًا ومستقبلًا؟
فالقضيّة، في النهاية، ليست مجرّد أزمة إحصائيّة في سوق الشغل، بل عرض لشرخ أعمق بين الفرد والمؤسّسات. فالبقاء خارج منظومات التعليم والتكوين والعمل لا يمثّل عطلًا تنمويًّا وحسب، وإنّما قد يعكس أزمة اعتراف وانسداد في بعض قنوات الاندماج الاجتماعي أيضًا. ولذلك فإنّ السؤال لا ينبغي أن يكون فقط: كيف نجعل الشباب يشتغلون؟ وإنّما تحديدًا، أيّ مجتمع نريد أن نبنيه حتى يجد الشباب فيه مكانًا ومستقبلًا؟ وربما يكون هذا هو المدخل الحقيقي لفهم ظاهرة "NEET" في تونس باعتبارها، قبل أن تكون مشكلة تشغيل، سؤالًا عن علاقة الشباب بمجتمعهم وبالدولة وبالمستقبل!.
(خاص عروبة 22)

