الأمن الغذائي والمائي

آفة "سوسة النخيل": كيف يمكن للتعاون العربي مواجهتها؟تمثّل خطرًا كبيرًا على الزراعة في المنطقة

تعدّ "سوسة النخيل" من أخطر الآفات الحشرية التي تُهدّد أشجار النخيل في الوطن العربي لما لها من قدرة كبيرة على الانتشار والتكاثر والاختباء داخل أنسجة النخلة، ما يهدّد ثروات العالم العربي الضخمة من النخيل.

آفة

تكمن خطورة سوسة النخيل في أنّ الإصابة بها تبدأ غالبًا في الأجزاء الداخلية للنخلة ما يجعل اكتشافها في مراحل مبكّرة أمرًا صعبًا، بينما تستمرّ اليرقات في التغذية والحفر داخل الجذع وقواعد السعف. وعندما تظهر العلامات الواضحة للإصابة، قد تكون الأضرار الداخلية قد وصلت إلى مراحل متقدّمة يصعب معها إنقاذ النخلة، ولذا فإنّ سوسة النخيل تتطلّب برامج منتظمة للرصد والكشف المبكّر والمكافحة المتكاملة. 

سوسة النخيل أصبحت من الآفات الأساسية والخطيرة التي تهدّد أشجار النخيل في العديد من النظم الزراعية

وتمثّل سوسة النخيل مشكلةً اقتصاديّةً واجتماعيةً في المنطقة نظرًا للأهمية الاقتصادية الكبيرة للنخيل في معظم الدول العربية حيث يُعدّ نخيل البلح محصولًا غذائيًا وتجاريًا مهمًّا إذ يوفّر دخلًا لعددٍ كبيرٍ من المزارعين والعاملين في عمليات الإنتاج والتعبئة والتغليف والتسويق محليًا وعالميًا، وتُنتج الدول العربية نحو 45% من الإنتاج العالمي للتمور.

وتقول منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة "فاو" إنّ سوسة النخيل أصبحت من الآفات الأساسية والخطيرة التي تهدّد أشجار النخيل في العديد من النظم الزراعية حول العالم، علمًا أنها انتقلت من مناطق انتشارها الأصلية في جنوب شرق آسيا إلى مناطق متعدّدة من العالم ومنها المنطقة العربية.

آثارها تمتد إلى الأمن الغذائي داخل المجتمعات الريفية

وتدمّر الإصابة بسوسة النخيل أجزاء من أنسجة النخلة الداخلية ما يؤدّي إلى فقدها القدرة على النموّ وظهور أعراض مرضيّة تبدأ بضعف أجزاء من النخلة بشكل كبير وقد تنتهي بموت النخلة، خصوصًا عندما لا يتمّ اكتشاف الإصابة مبكّرًا والسيطرة عليها في الوقت المناسب. وقد تزداد خطورة هذه الآفة نتيجة انتشار العدوى بشكل واسع.

وتعدّ سوسة النخيل مشكلةً ذات طبيعة دولية، حيث تشير منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة إلى أنّ آثارها تمتدّ إلى الأمن الغذائي داخل المجتمعات الريفية في المناطق المتأثّرة نتيجة الخسارة النّاتجة عن انخفاض أو انعدام الإنتاج، بالإضافة إلى الخسارة الأكبر عندما تموت النخلة وتفقد المزرعة أصلًا إنتاجيًّا كان من الممكن أن يستمرّ بالعطاء لسنوات عدة، فضلًا عمّا يتحمّله المزارع من تكاليف عمليات التحصين والمراجعة والعلاج والمكافحة وإزالة الأشجار المصابة والتخلّص منها بطريقة آمنة تمنع انتشار الآفة. 

من هنا اعتمدت الاستراتيجيّات الحديثة لمواجهة سوسة النخيل على مفهوم المكافحة المتكاملة للآفة الذي يشمل المراقبة والكشف المبكّر والإجراءات الوقائية والتعامل السليم مع الأشجار المصابة. 

للتكنولوجيا الرقمية دور مهم في برامج المكافحة

وهناك العديد من الأبحاث والدراسات التي تقوم بها المراكز البحثية المتخصّصة والمنظمات الزراعية المحلية والعالمية لتطوير طرق جديدة للتعامل مع سوسة النخيل، حيث أصبح التركيز على الكشف المبكّر للآفة عنصرًا أساسيًا في برامج المقاومة الحديثة لأن علاج النخلة في بداية الإصابة يكون أكثر فعّالية وأقلّ تكلفة، بالإضافة إلى الحدّ من احتمال انتقال الحشرة إلى الأشجار السليمة.

ومن أهم التقنيات الحديثة في هذا المجال أجهزة الاستشعار الصوتي والحراري والتصوير بالأشعة تحت الحمراء وتقنيات الموجات الدقيقة وأنظمة تحليل الصور بالذكاء الاصطناعي.

وهناك أيضًا تطوّرات هائلة في مجال المكافحة التي تعتمد على استخدام خوارزميّات تحليل الإشارات الناتجة عن النشاط الصوتي لليرقات.

كما ظهرت تقنية المصائد الفيرمونية الحديثة التي تستخدم في الكشف عن وجود السوسة من خلال مادة جاذبة تسمّى الفيرمون التجمّعي، والتي تساعد على جذب الحشرات البالغة إلى المصيدة.

أقامت المنظّمات المعنية بالمكافحة مدارس حقلية للمزارعين بهدف تطوير مهاراتهم

وبات للتكنولوجيا الرقمية دورٌ مهمٌ في برامج المكافحة وهي تعتمد على جمع البيانات وتحليلها ورسم خرائط للتعرّف إلى مكان الإصابة وتوزيعها وتطوّرها بمرور الوقت، ما يسمح بتوجيه فرق المكافحة إلى المناطق الأكثر احتياجًا. كما أصبح هناك دور متطوّر للنظم الميكانيكية والحقن المباشر لمكافحة الإصابات الشديدة، بالإضافة إلى إمكانية إزالة الأشجار المُصابة بطريقة آمنة تمنع خروج الحشرات وانتقالها إلى أشجار أخرى. 

وأخيرًا، ظهرت المكافحة الحيوية التي تلعب دورًا مهمًّا في تقليل الاعتماد على المُبيدات الكيميائية من خلال استخدام كائنات حيّة أو منتجات حيويّة يمكنها مهاجمة السوسة أو التأثير في قدرتها على البقاء والتكاثر.

وعلى الرغم من التطوّر الكبير في الطرق التكنولوجية الحديثة لمكافحة الآفات، يظلّ المزارع العنصر الأساسي في نجاح برامج المكافحة، ولهذا اهتمّت البرامج الحديثة بتدريب المزارعين على التعرّف إلى أعراض الإصابة وطرق استخدام التقنيات الحديثة والمصائد، بحيث أقامت المنظّمات المعنية بالمكافحة مدارس حقلية للمزارعين بهدف تطوير مهاراتهم عبر التعلّم المباشر داخل الحقول.

الدمج المؤسّسي للخبرات والتجارب العربية يحقّق الهدف المتمثّل في إيجاد نظم وتقنيات ناجعة لمقاومة هذه الآفة

وتمتلك الدول العربية خبرات متعدّدة ومتراكمة يمكن أن يكمل بعضها بعضًا في هذا المجال. فعلى سبيل المثال، لدى دول الخليج خبرات واسعة في التعامل مع أعداد ضخمة من أشجار النخيل، بينما تمتلك المراكز البحثية في مصر والسعودية خبرات واسعة في مجالات مكافحة الحشرات ومراقبة النباتات والحجر الزراعي. ولهذا فإنّ التعاون المشترك بين الباحثين العرب يمكن أن يؤدّي إلى نتائج أفضل تُراعي ظروف البيئة المحلية العربية. 

كما أنّ الدمج المؤسّسي للخبرات والتجارب التي مرّت بها الدول العربية في إطار واحد يحقّق الهدف العام للمنطقة المتمثّل في إيجاد نظم وتقنيات ناجعة لمقاومة هذه الآفة عبر تكامل خبرات وقدرات مؤسّسات العديد من المنظّمات الدولية والعربية، من بينها المنظمة العربية للتنمية الزراعية والمركز العربي لدراسات المناطق الجافة والأراضي القاحلة "أكساد"، والمركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافّة وجامعات ومراكز بحثية عربية ودولية، وهي جهات بَنَتْ قاعدةً علميةً وتطبيقيةً أحدثت طفرةً هائلةً في قدرات مكافحة سوسة النخيل وكبح انتشارها.

(خاص عروبة 22)

يتم التصفح الآن