لا يمكن تفسير هذه الظاهرة بمجرّد ضعف الإرادة السياسية لدى أطراف الصّراع، بل ينبغي النظر إليها بوصفها أزمة في تصميم الوساطة عينها، وفي البيئة الإقليمية والدولية التي تتحرّك داخلها.
المُشكلة الأولى أنّ الكثير من المبادرات تتعامل مع الحرب باعتبارها خلافًا بين أطراف يمكن جمعها حول طاولة التفاوض، بينما تنبع أزمات عديدة من اختلالات أعمق في بنية الدولة وتوزيع السلطة والثروة واحتكار القوة المسلّحة. ففي السّودان، لا يتعلّق الصّراع فقط بالتنافس بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، وإنّما أيضًا بمستقبل المؤسّسة العسكرية، وطبيعة الحكم، وموقع القوى المدنية، وشبكات المصالح التي نشأت حول اقتصاد الحرب. ولذلك، فإنّ أيّ اتفاق يوقف الاشتباكات من دون معالجة هذه القضايا قد يمنح الأطراف فرصةً لإعادة تنظيم قواتها وتحسين مواقعها، بدلًا من أن يفتح طريقًا حقيقيًّا لإنهاء الحرب.
تعدّد القنوات يتيح للأطراف المتحاربة استثمار الخلافات بين الوسطاء
وتظهر المعضلة عينها في إثيوبيا، حيث لم ينهِ اتفاق بريتوريا عام 2022 جذور الصراع في تيغراي، كما لم يضع حدًّا للتوتّرات المرتبطة بطبيعة النظام الفيدرالي وتوزيع النفوذ بين المركز والأقاليم. فالوساطة التي تركّز على وقف إطلاق النار من دون معالجة قضايا الأمن المحلي، وإعادة دمج المقاتلين، وتسوية النزاعات على الأراضي، تترك أسباب تجدّد القتال قائمة. وفي الحالتَيْن، لا تكمن المشكلة في غياب الاتفاقات، بل في افتراض أنّ التوقيع عليها يكفي لإنتاج سلام لا تتوافر له بعد شروط الاستمرار.
وتتمثّل المشكلة الثانية في تعدّد الوسطاء وتضارب مصالحهم. ففي بعض الأزمات الأفريقية، تعمل الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي ومنظمات إقليمية ودول منفردة في مسارات متوازية، من دون مرجعيّة مشتركة أو توزيع واضح للأدوار. وقد يمنح تعدّد القنوات الأطراف المتحاربة فرصًا إضافيةً للتفاوض، لكنّه يُتيح لها أيضًا الانتقال من وسيط إلى آخر بحثًا عن شروط أفضل، أو استثمار الخلافات بين الوسطاء لتأجيل التنازلات. وتزداد هذه المعضلة حين تكون بعض الدول المنخرطة في الوساطة مرتبطةً بمصالح اقتصادية أو أمنية مع أطراف الصّراع. عندئذٍ تتراجع الثقة في حياد الوساطة، ويُصبح احتواء الحرب جزءًا من التنافس الإقليمي بدلًا من أن يكون هدفًا مشتركًا.
نجاح الوساطة يُقاس بقدرتها على تغيير حسابات الأطراف المسلّحة
أمّا المشكلة الثالثة فتتعلّق بضعف أدوات تنفيذ الاتفاقات. فالوساطة تستطيع إنتاج نص سياسي، لكنّها لا تضمن الالتزام به ما لم توجد آليّات للرصد والتحقّق، وجداول زمنية واضحة، وتكلفة فعلية لخرق التعهدات. وقد أشار مجلس السلم والأمن الأفريقي إلى تحدّيات تتصل بالتدخّلات الخارجية، وعدم استدامة التمويل، وضعف تنفيذ القرارات ومراقبة اتفاقات السلام.
وتكشف هذه الفجوة أنّ نجاح الوساطة لا ينبغي قياسه بعدد الاتفاقات الموقّعة أو المؤتمرات المنعقدة، بل بقدرتها على تغيير حسابات الأطراف المسلّحة، بحيث تصبح كلفة العودة إلى الحرب أعلى من كلفة الالتزام بالتسوية.
وتتصل بهذه الإشكاليّات أيضًا محدوديّة تمثيل القوى المدنية والمجتمعات المتضرّرة في بعض مسارات التفاوض. فعندما تتركّز المفاوضات على قادة القوات المسلحة أو الجماعات المسلّحة، قد تنجح في ترتيب تقاسم للنفوذ، لكنّها لا تُعالج بالضرورة أسباب الإقصاء والتهميش التي غذّت الصّراع. كما أنّ استبعاد النساء والسلطات المحلية والقوى المدنية يضعف شرعية الاتفاق، ويحدّ من فرص تحوّله إلى تسوية اجتماعية وسياسية أوسع. ولا يعني ذلك التقليل من ضرورة التفاوض مع حاملي السلاح، بل إنّ وقف القتال يحتاج إلى مسار أمني عاجل ومسار سياسي أشمل، يتكاملان بدلًا من أن يحلّ أحدهما محلّ الآخر.
الاتفاق الذي لا يُغيّر حوافز المتحاربين ولا يضمن تنفيذه ولا يوسّع قاعدة المشاركة قد يصبح هدنة بين جولتين من القتال
إنّ إصلاح الوساطة الأفريقية والدولية يبدأ، لذلك، من تغيير معيار النجاح. المطلوب ليس إطلاق مبادرات جديدة في كل مرّة تتجدّد فيها الحرب، وإنّما توحيد المسارات الديبلوماسية حيثما أمكن، وإسناد دور الوساطة إلى أطراف تملك النفوذ والقدرة على التأثير في المتحاربين، مع ضمان عدم تحوّل هذا النفوذ إلى غطاء لمصالح خاصّة. كما يتعيّن ربط أي اتفاق بآليّات مستقلّة للتحقّق، وتمويل مستدام، ومراحل تنفيذ قابلة للقياس، وإجراءات واضحة للتعامل مع الخروقات، بالتوازي مع معالجة قضايا الحكم والأمن والعدالة وإعادة الإعمار.
في المُحصّلة، لا تفشل الوساطات لأنّ الحوار بلا قيمة، بل لأنّها كثيرًا ما تكلّف بإنهاء حروب من دون مُعالجة الشروط التي تُعيد إنتاجها. فالاتفاق الذي لا يُغيّر حوافز المتحاربين، ولا يضمن تنفيذه، ولا يوسّع قاعدة المشاركة السياسية، قد يصبح هدنةً بين جولتَيْن من القتال!.
(خاص عروبة 22)

