الفكرة الرئيسيّة هي أنّ مبرّر قيام الجمعيّة هو العمل في مجال اجتماعي أو ثقافي أو تربوي يتطلّب اهتمامًا ورعايةً لا تقوم بها المؤسّسات الرسمية التابعة للدولة.
وإذا كان هذا هو هدف إنشاء جمعيّة ذات طابع مدني، فإنّ هذا النوع من الجمعيّات قد عرفه لبنان أواسط القرن التاسع عشر مع تأسيس الجمعيّة العلميّة السوريّة (1868) التي كان هدفها نشر المعرفة وتشجيع التأليف والترجمة والتقريب بين أبناء الطوائف، وكما يشير هدفها واسمها فإنّها قامت بعد الأحداث الطائفيّة في جبل لبنان عام 1860. وفي وقت لاحق تأسّست جمعية المقاصد الخيرية عام 1878، وكانت أغراضها تربويّة، وأسّست سلسلة المدارس التي تحمل اسمها.
هذه مجرّد أمثلة معروفة، ويُشير زمن إنشائها إلى فترة أصبحت المعرفة والتربية فيها مطلبًا اجتماعيًّا، وذلك في فترةٍ ازداد فيها تأثير الغرب في بلادنا، أي فترة التحديث التي أدّت إلى تغيّرات اجتماعية وثقافية واقتصادية.
أصبح الانتماء إلى الحزب هو انتماء إلى رؤية طائفية للبنان
كانت تلك الجمعيّات التي أشرنا إلى أمثلة بارزة منها في القرن التاسع عشر، تتجاوز ما يمكن أن نسمّيه الروابط الأهلية والأولية كالرابطة الطائفية، والرابطة العشائرية والعائلية، أو الانتساب إلى بلدة أو قرية أو حي، وهي روابط قديمة استطاعت أن تتعايش مع التحديث بتجديد أشكالها. على الرغم من أنّ التطوّرات الاجتماعية كان من المفترض أن تتجاوزها، لكن في بلد مثل لبنان تكيّفت هذه الروابط الأوليّة مع التحديث، خصوصًا في الفترة التي عرف لبنان فيها تحديثًا اقتصاديًّا وثقافيًّا تناسب مع إقامة المتصرّفية التي كرّست الانتماءات الطائفيّة.
إنشاء منظمات وجمعيات مدنية ثقافية واجتماعية سبق إنشاء الأحزاب السياسية التي تأخّر قيامها في لبنان، ويمكن أن نسمّيها المجتمع السياسي، بالمقارنة والتناسب مع المجتمع المدني والمجتمع الأهلي. ولكنّ الأحزاب في لبنان التي تبلورت بعد الحرب العالمية الثانية كانت من الطبيعة الأيديولوجية (شيوعيّون وقوميّون) في مقابل أحزاب (لبنانيّة) أشبه بالروابط أو الولاءات الطائفيّة للبيوتات المعروفة (الحزب الدستوري أو حزب آل الخوري) و(حزب الكتلة الوطنية أو حزب آل إدّه).
يصعب القول إنّ طرفًا أو حزبًا يقدّم للبنانيين برنامجًا سياسيًّا على أساس الانتماء إلى الجمهورية التي توحّد المواطنين
شهدت السنوات من ستينيّات القرن العشرين إلى يومنا الرّاهن تطوّرات كبيرة وخصوصًا خلال الحرب الأهلية وما بعدها. فالأحزاب التي كانت أقرب إلى البيوتات أو الصالونات السياسية تراجعت لصالح أحزاب بارزة في الصفة الطائفيّة، إذ أصبح الانتماء إلى الحزب هو انتماء إلى رؤية طائفيّة للبنان.
وفي الوقت نفسه الذي تراجعت فيه الأحزاب العقائدية اليسارية إلى حدّ التلاشي، نمت وتوسّعت وتفشّت ظاهرة جمعيّات المجتمع المدني، وخصوصًا تلك المموّلة من جهات دولية والتي تتبنّى أجندات تفرضها الجهات المموّلة. وكأنّ الهدف من هذا التمويل إخراج النشطاء الاجتماعيين من حقل السياسة إلى الخوض في نشاطات جزئية ذات أثر ضئيل أو معدوم مثل تمكين المرأة وحقوق الطفل وغير ذلك.
وباختصار، فإنّ الحقل السياسي أصبح مستقطبًا من الأحزاب الطائفيّة والشخصيّات المحليّة التي تستند في تدعيم نفوذها إلى الروابط الأوليّة والأهليّة، من الحيّ والقرية والعشيرة والطائفة.
ويكفي أن نتطلّع ونتفحّص النشاطات التي تتم خلال الانتخابات النيابيّة، التي من المفروض أن تكون نموذجًا للتنافس بين برامج سياسية، فخلال الموسم الانتخابي يلجأ المرشّحون من كل الطوائف والأحزاب والتيّارات إلى استقطاب الروابط الأوليّة. وحين لا يكون الخطاب المباشر طائفيًّا سافرًا، فإنّ المرشحين يستدعون جذورهم العائلية ووجاهتهم المحلية وأصالتهم المدينية وباع عائلاتهم القديم في الزعامة.
المجتمع الأهلي الذي يستند إلى روابط بدائيّة يتحكّم بما هو سياسي
وهكذا، فإنّ لبنان الذي يتعرّض لعدوان إسرائيلي إجرامي، وتدخّلات من كل حدب وصوب، يصعب القول فيه إنّ طرفًا أو جهةً أو حزبًا يقدّم للبنانيين برنامجًا سياسيًّا قادرًا على استقطاب مواطنين، ليس تبعًا لانتمائهم الطائفي أو المحلي، وإنما على أساس انتماءٍ إلى الجمهورية التي توحّد كل المواطنين.
على هذا النحو، فإنّ المجتمع الأهلي، الذي يستند إلى روابط بدائيّة، يتحكّم بما هو سياسي، أو ما يفترض أنه يمثّل السياسة التي تعني في مفهومها الحديث إدارة الشأن العام والمصالح الوطنية المشتركة.
(خاص عروبة 22)

