شكّلت تلك الاحتجاجات نزعة مواطنية - بامتياز - من قبل طبقات وشرائح وفئات وأجيال متعدّدة، تقاطعت في ما بينها من أجل الدفاع عن مصالحها وحقوقها ومكتسباتها وأنظمة الحماية الاجتماعية والتأمينية والخدمية الأساسية التي تضمن لها حدًّا أدنى للعيش الكريم. كذلك إعلان رفضها لسياسات الإصلاح الاقتصادي التي تبيّن - بالممارسة - أنّها تُحمّل - بالأساس - المواطنين ممّن ينتمون إلى الطبقة الوسطى وما دون تكلفة هذا الإصلاح.
عدم اقتصار الاحتجاج المواطني على فئة بعينها وسعي المحتجّين إلى تشكيل حركات من خارج التنظيمات القائمة
تشكّلت هذه النزعة بوضوح منذ إدارة "جاك شيراك وحكومة ألان جوبيه"، منتصف التسعينيّات، عندما انطلقت الإضرابات الشهيرة لقطاع النقل ضدّ ما أسمته الحكومة إصلاح أنظمة التقاعد والضمان الاجتماعي الذي لم يكن إلا تقليصًا لدور الدولة في الحماية الاجتماعية. ثم توالت الموجات الاحتجاجية من "شين بوانتو 2005" ضدّ قتل المراهقين، والاحتجاج الباريسي الشهير في 2006 ضد عقد العمل الأول، و"غوادلوب 2009" ضدّ غلاء المعيشة والثراء الفاحش والاستغلال على حساب الفقراء، واحتجاجات 2016 ضدّ قوانين العمل، واحتجاجات 2018 التي امتدّت إلى 2019 على ضرائب الوقود وضعف القدرة الشرائية والإحساس بتراجع العدالة الاجتماعية، والاحتجاجات المتواصلة منذ 2020 ضدّ قانون التقاعد، وإجراءات التقشّف الحكومية... حتّى وصلنا إلى حراك طلاب الثانوي ضدّ تردّي المنظومة التعليمية الفرنسية الذي انطلق في 21 سبتمبر/أيلول 2026.
تميّزت تلك النزعة المواطنية - "المواطنيزم" (Citizenism) – بأمرَيْن، الأول: عدم اقتصار الاحتجاج المواطني على فئة بعينها. الثاني: سعي المحتجّين، بدرجات متفاوتة، إلى تشكيل حركات من خارج التنظيمات القائمة كالأحزاب، والمتعارف على أنّها تمثّل مصالح القطاعات النوعيّة كالنقابات والاتحادات والروابط.
بالنسبة للأمر الأول: توسّع نطاق الفئات المُحتجّة؛ فرأينا على مدى أكثر من ثلاثين سنة انخراط العديد في تلك الاحتجاجات مثل العاملين في قطاع النقل، والطيران، وعمال القمامة، وعمال المصافي النفطية، والعاملين في القطاع الصحي والمشافي، والعاملين في قطاع التعليم... إلخ.
أمّا بالنسبة للأمر الثاني: فرأينا تشكيلات قاعدية عديدة مثل حركة الواقفين ليلًا، وحركة فتيان وفتيات الثانوي، وحركة إلى الأمام (التي أسّسها ماكرون)، والملابس السوداء/الكتلة السوداء، والسترات الصفراء...
أزمة بنيوية عميقة طالت الجسم الاجتماعي والطبقي الفرنسي
وتعبّر تلك النزعة المواطنيّة بفئاتها النوعية المختلفة من جهة، وتشكيلاتها المتجدّدة من جهة أخرى، عن "حيوية مواطنية" (راجع مقالنا الأخير في "عروبة 22" المعنون: الحيوية المواطنية!) امتلكت القدرة النضالية - في ظلّ الإخفاق الحكومي على مدى عقود وضعف الكيانات التي من المفترض أن تحمل هموم المواطنين وتطلّعاتهم - للدفاع - مباشرة - عن حقوق المواطنين الاقتصادية والاجتماعية، بالضغط والمُساءلة وتقديم البدائل. وقد استطاعت تلك الحيوية المواطنية التي وُلدت من رحم الشارع أن تجعل من المواطنة فعلًا مستدامًا (Sustainable Act of Citizenship)؛ تكون له القدرة على استيعاب ما يستجدّ من مطالب وإدراك ما يتهدّد حقوق المواطنة بأبعادها وجعل العدالة الاجتماعية والمساواة وتكافؤ الفرص والديموقراطية والكرامة الإنسانية واقعًا معاشًا.
في هذا السياق، يأتي حراك طلاب المدارس الثانوية في فرنسا، احتجاجًا على تدهور العملية التعليمية، ليس فقط في الأحياء الفقيرة، بل امتدّ أيضًا، حسب التقارير التي تابعت الحراك، إلى المدارس الخاصّة. لم يتوقّف حراك هؤلاء الطلاب عند الاحتجاج فقط، بل تبنّى رؤية نقدية للسياسة التعليمية التي تتبنّاها الحكومة الفرنسية، وطرح رؤية إصلاحية للمنظومة التعليمية عمومًا ونظام التوجيه الجامعي خصوصًا الذي يُقيّمه الطلاب بأنّه لا يُراعي التفاوت في الظروف الاجتماعية والتعليمية التي يخوضون في ظلّها المنافسة.
تحوّل نوعي في علاقة الأجيال الجديدة بالمواطنة
وبعيدًا عن التحليلات الاختزالية خاصّةً العربية، فإنّ الأوساط الأكاديمية والدوائر البحثية والسياسية قد أوْلت اهتمامًا بالغًا في محاولة تفسير الحراك الطلابي، يتجاوز التفسير النفسي الذي يدور حول ضيق المراهقين ممّن ينتمون إلى جيل "زد" من الواقع، إلى اعتباره تعبيرًا عن أزمة بنيوية عميقة طالت الجسم الاجتماعي والطبقي الفرنسي. وإنّ أحد العوامل التي أسهمت في تفاقم هذه الأزمة هو السياسات التعليمية التي لا تُراعي التفاوت الاجتماعي والاقتصادي للطلاب، ومن ثم حقوق المواطنة التعليميّة الجيّدة، والمساواة وإتاحة الفرص المتكافئة بين الجميع.
إنّ الحراك الراهن لطلاب المرحلة الثانوية في فرنسا ليس الأول من نوعه، فلقد تضامنوا في السابق مع المطالب المعيشيّة للعاملين في قطاعات مختلفة، بيد أنّ الجديد في الحراك الجاري هو أنّ هؤلاء الطلاب يتحرّكون اليوم من أجل تصويب العملية التعليمية. بلغةٍ أخرى، لا يتحرّكون بوصفهم طبقة أو قوة اجتماعية تبحث عن حقوقها الاقتصادية والمالية والمعيشية وإنّما كفئة نوعية جيليّة تضم العديد من الطبقات والانتماءات تُناضل من أجل المستقبل بأن يكون لها رأي في تشكيل السياسة التعليمية العادلة.
رهان "المواطنة الفعل" أن يصبح المواطن شريكًا في صياغة المستقبل
وبعد، فإنّ أهمية حراك طلاب الثانوي في فرنسا تكشف عن تحوّل نوعي في علاقة الأجيال الجديدة بالمواطنة. فحين لا يكتفي هؤلاء الطلاب بحقّهم في تعليم جيد وعادل، إلى المطالبة بتكافؤ الفرص والكرامة والمشاركة، تُصبح المواطنة ممارسةً يوميةً تتجاوز الاعتراف القانوني بالحقوق إلى السعي لتحقيقها. ومع ذلك، يظلّ التحدي في تحويل التعبئة الحالية إلى قدرة مُستدامة على الضغط والمُساءلة ومراجعة السياسات العامة. وهنا يكمن رهان "المواطنة الفعل": أن يصبح المواطن، بغضّ النظر عن مكانته الاجتماعية وطبقته أو عمره، شريكًا في صياغة المستقبل.
(خاص عروبة 22)

