بصمات

الحيوية المواطنية!

تناولنا في كتابات سابقة الإعاقات التي تواجه تحقّق المواطَنة في حياة المواطنين اليومية وفق ما تنصّ عليه النصوص الدستورية، وذلك بسبب الفجوات الطبقيّة التي تعاني منها المجتمعات المُعاصرة على اختلافها، تلك الفجوات التي تحدّد - عمليًا - قدرة المواطن على ممارسة المواطنة، لا حسب موقعه الطبقي: البيْني من جهة وداخل الطبقة الواحدة من جهة أخرى، وإنّما أيضًا حسب مدى قرب المواطنين وبعدهم من مراكز القوة الثروية والنفوذية والسلطوية، وهو ما أطلقنا عليه المواطنة اللّامتكافئة. الأمر الذي يدفعنا إلى البحث عن سبيلٍ لتجاوز تلك الإعاقات.

الحيوية المواطنية!

في هذا الإطار، أقترح تبنّي مفهوم "الحيوية المواطنية"؛ وأقصد به القدرة التي تتولّد لدى المواطن، فرديًّا وجماعيًّا، ومن أسفل، والتي تُتيح تحويل موقعه الاجتماعي/الطبقي واحتياجاته ومظالمه وحقوقه إلى أفعال مستدامة، ما يُتيح له مواجهة الإعاقات التي تحول دون ممارسة المواطنة وتوسيع مجالها في كلّ دائرة من دوائر حركته: الشخصية Personal، والخاصة Private، والعامة Public، والسياسية Political؛ وبذلك لا تعود المواطنة مجرّد وضع دستوري - قانوني، وإنّما تتحوّل إلى ممارسة حياتية - مجتمعية؛ فيما تمثّل الحيوية المواطنية القدرة التي تجعل هذه الممارسة ممكنة ومتجدّدة ومستدامة، أي عدم الاكتفاء بالمواطنة باعتبارها حقًّا وإنّما قدرة تولد وتستدام من خلالها أفعال المواطنة.

الفعل المواطني من أسفل قد يتجسّد في ممارسات يومية متفرّقة

لا تعني هذه الحيوية بالضرورة الاحتجاج الصّاخب أو المواجهة المباشرة. فالفعل المواطني قد يكون يوميًّا وهادئًا وتراكميًّا. وهنا تكتسب أطروحة "آصِف بيات" التي يُطلق عليها "الزحف الهادئ للعاديين"؛ أهمية خاصة. تلك الأطروحة التي درس فيها كيف يُطوّر الفاعلون الحضريّون المُهمّشون أشكالًا من الفعل اليومي لتوسيع مجالات وجودهم وحقوقهم في مواجهة الإقصاء، خصوصًا في مدن الجنوب العالمي. فلقد كشفت هذه الأطروحة أن الفعل المواطني من أسفل لا يحدث دائمًا من خلال الحركات المنظّمة، وإنّما قد يتجسّد في ممارسات يومية متفرّقة. وفي هذا السياق، أيضًا، تبرز دراسة عالِم الأنثروبولوجيا الأميركي "جيمس هولستون" حول "المواطنة المتمرّدة" (Insurgent Citizenship)؛ لسكّان الأطراف الحضرية في ساو باولو، التي بيّن فيها كيف أسهمت تحركاتهم حول السكن والأرض والمدينة في نشوء شكلٍ جديدٍ من المواطنة. ويمكن قراءة هذه الخبرة، في إطار مفهومنا، باعتبارها أحد النّماذج الواقعيّة للحيوية المواطنية. وكيف ساهمت حيوية المواطنين من سكّان الأطراف الحضريّة في التحرّك لإعادة صياغة مطالب حقوقيّة تتعلّق بالسكن والأرض والمدينة، كان من شأنها جعل حقوق المواطنة الاقتصادية والاجتماعية حقيقة.

ورصد كيف أن الحيويّة المواطنيّة الجمعية دفعت مجموعة من المواطنين المُهمّشين يقعون في الأطراف بعيدًا عن مراكز القوة والتأثير إلى التحرّك القاعدي من أجل حياة حضرية أفضل. في هذا المقام، رصد كيف أنّ هذه التجربة البرازيلية للحيوية المواطنية الذّاتية القدرة قد رسّخت معنًى جديدًا لحقوق المواطنة في أنّها يمكن أن: تتحقّق من أسفل، وتنطلق من الأطراف، ومن ثم تؤثّر على مراكز القوة. ولا تنتظر أن يتمّ منحها تلك الحقوق من أعلى خاصّةً إذا تأخر هذا المنح عن التحقّق.

فعل قادر على مواجهة الإعاقات التي تحول دون تفعيل المواطنة

وتوفّر مساهمتا "آصف بيات" و"جيمس هولستون" المختبرَتان على أرض الواقع كيف أنّ تحوّلًا لافتًا يتعلّق بحقوق المواطنة مفاده أن: "المواطنة يمكن أن تتحوّل من أسفل، من مجرّد مركز قانوني إلى ممارسة قادرة على إعادة صياغة الحقوق وعلاقات القوّة والمساواة الفعلية".

ومن ثمّ يمكن النّظر إلى فعل المواطنة بوصفه إحدى اللحظات التي تتجسّد فيها الحيوية المواطنية؛ إذ تتكثّف فيه خبرات التهميش والاحتياج والوعي بالحقّ والقدرة على التنظيم، لتتحوّل إلى فعلٍ قادرٍ على مواجهة الإعاقات التي تحول دون تفعيل المواطنة.

إنّ أطروحتنا حول الحيوية المواطنية أوسع من الحركة/الحركات الاجتماعية المنظّمة؛ لأنّها تشمل - إضافةً إلى المبادرات المدنية، والتنظيمات المحلية، والاحتجاجات، وحملات الحقوق... إلخ - أشكالًا مبتكرةً من التضامن القاعدي المختلف، والممارسات اليومية التي قد لا تمتلك قيادةً أو برنامجًا أو بنيةً تنظيميةً مستقرّة. إنّها تلك القدرة الفردية والجماعية، المتولّدة داخل المجتمع ومن أسفل، على تحويل الموقع الاجتماعي والاحتياجات والمظالم والحقوق إلى أفعال ومطالب وشبكات وتنظيمات ومساحات عامة، بما يُتيح للمواطنين إعادة التفاوض حول توزيع الموارد والاعتراف والسلطة وشروط المشاركة وتأمين حياة أفضل على المستويات الخدمية والتأمينية. وهو أمر لن يتأتّى ما لم يمتلك المواطن/المواطنون الحيوية المواطنيّة اللّازمة للتحرك لمواجهة الإعاقات التي تُنتجها: العلاقات الطبقية البينية والداخلية في كلّ طبقة، والإقصاءات التي تنتجها مواقع القوة والثروة والنفوذ والسلطة، والتي تجعل بعض المواطنين أقرب إلى مراكز إنتاج القرار والموارد من غيره (راجع مقاليْنا الأخيرين في "عروبة 22": المواطنة في المجتمع الطبقي: مساواة نصوصية وتفاوتات حياتية، و المواطنة اللّامتكافئة).

الحيوية المواطنية تحوّل المواطن إلى مساهم في إنتاج المواطنة

الخُلاصة، المواطنة لا تنتهي عند حدود الدستور، ولا تقتصر فقط على صندوق الاقتراع، وحرية التعبير وما شابه، إنّما هي حيوية مستدامة تمارس من أسفل في شتّى فضاءات الحركة المواطنية. وإذا كانت المواطنة اللّامتكافئة تكشف الفجوة بين المساواة النصّية والممارسة الحياتية في المجتمع الطبقي، فإنّ الحيوية المواطنية تمثّل القدرة على الحركة داخل هذه الفجوة والعمل على تضييقها. إنّها الطّاقة التي تحوّل المواطن من حامل للحقّ إلى فاعل فيه، ومن متلقٍّ للمواطنة إلى مساهم في إنتاجها وتوسيع حدودها وعوائدها.

(خاص عروبة 22)

يتم التصفح الآن