مراجعات

الحزبيّة السياسيّة وتحوّلاتها في "عقد الستينيّات"!

فارس اشتي

المشاركة

صدر للدكتور خالد زيادة كتاب "عقد الستينيّات الفريد[1]" وهو سيرة سوسيولوجية وتاريخية عبر مشاهداته ومشاركته فيه، وقد عاشه في صباه وتفتّح وعيه السياسي في عقد فريد حقًا في تاريخ لبنان وأكاد أقول المنطقة العربية والعالم، كما يتبيّن من الكتاب، وكما يعرف مَن عاشه ومَن كتب عنه.

الحزبيّة السياسيّة وتحوّلاتها في

يتميّز الكتاب بعرض تحوّلات العقد عبر مشاهدات الدكتور خالد الشخصية، وهو من عائلة مهتمّة بالشأن العام، من دون الغوص في المراجع التاريخية والاقتصادية والسوسيولوجية، وهو غوص يُتقنه في كتاباته الأخرى، فجاء كتابه عرضًا مبسّطًا وموضوعيًّا لتحوّلات العقد المفصليّة التي ما زالت آثارها مستمرّة، ويمكن أن يكون مرجعًا لغير المختصّين في معرفة هذه التحوّلات.

وقد اخترت في عرض الكتاب "الحزبيّة السياسيّة" في العقد الفريد للتحوّلات العميقة التي أصابت الأحزاب السياسية فيه أولًا، ولحضور الحزبية السياسية في عائلة خالد ثانيًا، ولحضور التحوّلات في سيرته وفي الكتاب ثالثًا، ولمتابعتي البحثية والشخصية للأحزاب السياسية رابعًا.

يظهر من الكتاب المناخ الحزبي في العائلة، فطارق من أوائل البعثيّين في طرابلس وكان بعض الاجتماعات يُعقد في بيت العائلة، ومعن من أوائل المنتسبين إلى حركة القوميّين العرب (ص 20 و28 و29)، والبعث تأسّس في طرابلس في العام 1952، وحركة القوميين العرب في العام 1956، وكانا الحزبيْن الحديثيْن الأكثر فعالية في تلك المرحلة والمتناغميْن مع المناخ الطرابلسي العروبي، في حين كان الحزب الشيوعي المؤسَّس في عشرينيّات القرن العشرين، والذي كان أحد قياديه المفكّرين سليم خياطة من طرابلس، وكان أبرز رموز تعريب الحزب في الثلاثينيّات، قد خبا وهجه لموقفه من قرار تقسيم فلسطين (1947) وقيام إسرائيل، والحزب السوري القومي الاجتماعي الحاضر في طرابلس منذ الثلاثينيّات قد أجهضه انقلابه في العام 1949 وإعدام زعيمه وملاحقة أعضائه.

يمكن الاستنتاج من الكتاب نوعيْن من التحوّلات: عامة وحزبية

وخالد ابن هذه العائلة المُسيّسة، عرف شخصيّات الحزبيْن وواكب، بالمعايشة، الحزبيْن، حين طغى حضور عبد الناصر عليهما بطريقتين مختلفتين فباينه البعث ثم خاصمه ومعه تراجع، شعبيًّا، وبايعته الحركة لتصبح "قيادة" جمهوره. كما واكبهما بالمطالعة فكانت كتب أخوَيْه في ما يتجاوز حزبيْهما، وكتبهما الحزبية قليلة، فالحزبي في تلك المرحلة مثقّف بطبيعة موقعه في الطبقة المتوسطة، وساهم رفض أهله اقتناء تلفزيون كي لا يُلهي الأولاد، وهو الوافد إلينا في العام 1960، في تعزيز هذا التوجه.

وبقدر ما عبّر تسيّس العائلة عن نزوع إلى الحداثة السياسية، عبّر انتسابه للثانوية الرسمية في طرابلس عن وجه آخر منها؛ فقد كانت أوّل ثانوية في الشمال (ص 53)، وما عنى ذلك من إتاحة الفرصة لمحدودي الدخل للتعلّم أولًا، ومن الاختلاط والتعارف بين أبناء المناطق والطوائف ثانيًا، وأتاح للأحزاب الانتشار ثالثًا. وكانت هزيمة حزيران مفصلًا في هذا النزوع، إذ هزّته الهزيمة، كما هزّت جيله والأحزاب والقوى السياسية الصاعدة، فحاد عن هوايته المفضّلة، الرسم، وعن العمل الكشفي، إلى العمل السياسي فكان خياره اليسار الجديد الذي تحوّلت إليه الحركة الأقرب إليه بين الأهل، حركة القوميين العرب.

وتعبّر السيرة الحزبية عن تحوّلات شهدها العقد الفريد حوّلت، بدورها، الحزبية السياسية، ويمكن الاستنتاج من الكتاب ومن المتابعة البحثية للمرحلة نوعيْن من التحوّلات: عامة وحزبية.

فعلى مستوى التحولات، شهد عقد الستينيّات احتدامًا للصراع الدولي، وقد حُسمت قيادة المعسكر الغربي للولايات المتحدة الأميركية وحُسم الإجهاز على الستالينيّة في المعسكر الشرقي، وحُسمت المشاركة العربية عبر مصر النّاصرية في بلورة كتلة ثالثة، كما شهد صعود القيادة الناصرية وهبوطها ومعها حكم البعثيين في سوريا والعراق، وشهد، ثالثًا، محاولة العهد الشهابي بناء دولة حديثة ببناء المؤسسات وبتوسيع التعليم الرسمي والكهرباء وإنماء الريف.

وعلى مستوى التحوّلات الحزبية، أفرزت التحولات، لبنانيًا، صعود الطبقة الوسطى ونماء المساحات المشتركة بين اللبنانيين في مؤسسات التعليم والمؤسسات العامة والأسواق الاقتصادية من جهة والتحولات العربية والدولية من جهة ثانية، نزوعًا نحو الوطنية اللبنانية، وقد أشار إليه الكتاب (ص 49 و56)، وعبّر عنه بانشقاقات في الأحزاب القومية والشيوعية على قاعدة الانغماس في القضايا الاجتماعية، وهي قضايا لبنانية، وبشبه انشقاقات في الأحزاب اللبنانية عبّر عنه تأسيس حركة الوعي. وكانت الصراعات بين اليسار واليمين في لبنان وفي كل حزب هي في وجه من وجوهها صراعًا على قضايا اجتماعية لبنانية.

وكان لهذه التحوّلات وجه آخر بعد هزيمة حزيران التي دفعت الطالب الثانوي، إلى السياسة؛ إذ سقط شعار "الوحدة طريق التحرير" وحلّ محله "الكفاح الشعبي المسلّح طريق التحرير"، وقد تحوّل مَن اختار الشعار من اللبنانيين في هذا الطريق ولم يكن الفلسطينيون بعيدين بالجغرافيا، مخيّمات ووفودًا، كما لم تكن فلسطين بعيدة، بالجغرافيا وبالتهديد الإسرائيلي، لكن الطالب الثانوي لم يرق له السلاح (ص 145-155).

خاتمة الكتاب مفتوحة على تجربة حزبية ما زلنا نعيش مرارتها

غير أنّ تحوّل الحزبية السياسية الأول أجهضه التحوّل الثاني وعادت إلى ما ألمح إليه الدكتور خالد: "لم يكن العقل العربي مشغولًا بقضايا المجتمع والفرد" - ص 158، ولم يأخذ تحوّلها، يمينًا ويسارًا، قبل الهزيمة نحو القضايا الاجتماعية والبناء على المشترك بين اللبنانيين، الدولة، مداه فعادت إلى الشعارات: من الوحدة طريق التحرير إلى الكفاح الشعبي المسلح طريق التحرير، من دون استراتيجيّات وبرامج عند اليساريين والقوميين. وعادت أحزاب اليمين إلى لبنان أولًا، وأيضًا من دون استراتيجيات وبرامج، وكانت نهاية العقد وخاتمة الكتاب مفتوحة على تجربة حزبية ما زلنا نعيش مرارتها!.



[1]) خالد زيادة، عقد الستينيّات الفريد، بيروت: دار رياض الريس للكتب والنشر، ط1، تموز 2026.

(خاص عروبة 22)

يتم التصفح الآن