تقدير موقف

عدوان مستمرّ ومصالحة مؤجّلة!

تراودني فكرة أنّ شيئيْن في هذا الصراع لا تظهر لهما نهاية. العدوان الإسرائيلي على غزّة وجنوب لبنان، واجتماعات الفصائل الفلسطينية بحثًا عن المصالحة. الأول يترك وراءه بيوتًا مهدّمة وأهالي يبحثون عن مكان آمن، والثاني يترك بيانات يعرف المتابع عباراتها قبل صدورها. وبين القصف والاجتماع، يضيع عمر الفلسطيني، وتتراجع قدرته على البقاء في أرضه، فيما يتصرّف بعض قادته كأنّ الوقت ملك لهم!.

عدوان مستمرّ ومصالحة مؤجّلة!

لا أساوي هنا بين مسؤولية المعتدي ومسؤولية المختلفين على إدارة قضيّتهم. إسرائيل مسؤولة عن أفعالها، وعن استمرار استخدام القوة ضد شعب تحت الاحتلال، ولا يمنحها الانقسام الفلسطيني حقًّا في قتل إنسان أو اقتلاعه من بيته. لكن وضوح هذه المسؤولية لا يُعفي القيادات الفلسطينية من السؤال عن قراراتها. التضامن مع الفلسطينيين يقتضي مساءلة مَن يتحدّث باسمهم، وخاصّةً عندما تتحوّل خلافاته إلى عبء إضافي عليهم.

لقد أصاب الخراب مساحات واسعة من غزّة وقرى الجنوب اللبناني، ومع ذلك يستمرّ القصف. أرى أنّ السؤال تجاوز الأهداف العسكرية المعلنة إلى مستقبل الناس في هذه المناطق. ماذا تعني العودة إذا غاب البيت والماء والمدرسة ومصدر الرزق؟ تدمير شروط الحياة قد يدفع السكان إلى الرحيل من دون قرار معلن بترحيلهم. لذلك تصبح إعادة الإعمار وحماية العودة جزءًا من المواجهة السياسية، وتصبح المماطلة فيهما خدمةً لاستدامة آثار العدوان.

ينقص الفلسطينيين قرار يجعل المصلحة الوطنية أعلى من حصّة الفصيل وأن يخضع السلاح لقرار وطني مشترك

كثرت اجتماعات الفصائل حتّى يصعب على المتابع إحصاؤها. من اتفاق مكّة عام 2007 إلى إعلان بكين عام 2024، تغيّرت الأماكن وبقي الانقسام. وُقّعت اتفاقات، لكنّها لم تنتج الحد الأدنى من العمل المشترك. فماذا ينتظرون؟ لا ينقص الفلسطينيين نصّ جديد يؤكد الوحدة. ما ينقصهم قرار يجعل المصلحة الوطنية أعلى من حصّة الفصيل، ويقبل أن تكون السلطة مسؤوليةً قابلةً للمحاسبة، وأن يخضع السلاح لقرار وطني مشترك.

أعتقد أن أصل العطب في المصالح التي صنعها الانقسام. لكلّ تنظيم جهازه وموظفوه ومصادر تمويله وعلاقاته الخارجية. وإنهاء الانقسام يعني أن يتخلّى أشخاص عن نفوذ وامتيازات، وأن تنتهي قدرة بعض العواصم على مخاطبة الفلسطينيين عبر وكلاء متنافسين. لهذا يسهل الاتفاق على الكلمات، وتصعب الخطوة الأولى عند توزيع الصلاحيّات. ويبدو أحيانًا أنّ المطلوب مصالحة تحفظ لكلّ طرف كل ما عنده، وتمنحه فوق ذلك شهادة بالحرص على الوحدة!.

السؤال للفصائل: إذا كنتم تعرفون مَن يستفيد من انقسامكم فلماذا تواصلون تقديم هذه الخدمة له؟

المؤلم أنّ الإنسان في غزّة لا يستطيع تأجيل حاجته إلى الدواء إلى موعد الجولة المقبلة. والطفل الذي انقطع عن المدرسة لن يستعيد سنواته ببيانٍ ختاميّ. هناك فارق قاسٍ بين زمن الوفود وزمن المنكوبين. الوفد يستطيع أن يغادر ويعود، أمّا صاحب البيت المدمّر فينتظر تحت المطر. ومَن يتصدّر تمثيل هذا الإنسان عليه أن يشرح له ما الذي تغيّر بعد الاجتماع، ومَن عطّل التنفيذ، ولماذا بقي المُعطِّل في موقعه.

وإسرائيل لم تكن متفرّجًا على هذا الشرخ. سمحت حكومات نتنياهو بوصول الأموال إلى غزّة تحت حكم "حماس"، وبرّرت ذلك بالتهدئة وتخفيف الأزمة الإنسانية. لكن منتقدي تلك السياسة رأوا فيها تقويةً لـ"حماس" على حساب السلطة الفلسطينية وتكريسًا للفصل بين غزّة والضفة، بما يعرقل قيام الدولة. أرى أن دقّ هذا الإسفين خدم إسرائيل. والسؤال للفصائل: إذا كنتم تعرفون مَن يستفيد من انقسامكم، فلماذا تواصلون تقديم هذه الخدمة له؟.

المسؤولية اليوم أن يبقى الناس في وطنهم وأن يجدوا قيادة تستحق تضحياتهم

المطلوب اجتماع ينتهي بمهام ومواعيد وأسماء مسؤولة عن التنفيذ، ثم إعلان للنّاس ما تحقّق وما تعطّل. وتحتاج أي إدارة مشتركة إلى رقابة على المال، وإلى تفويض محدّد، وإلى طريق لتجديد التمثيل الفلسطيني متى أمكن إجراء انتخابات حرّة. فلا معنى لأن تظلّ شرعيّة الفصيل مستمدّة من ماضيه، بينما يعجز في الحاضر عن تقديم جواب واحد لمَن فقد أسرته وبيته وينتظر بدايةً مختلفة.

أخشى أن تستمر الرحلات، وتبقى المصالحة موعدًا مؤجّلًا، بينما تصبح أرض الفلسطينيين أقلّ قدرةً على إيوائهم. والمسؤولية اليوم أن يبقى الناس في وطنهم، وأن يجدوا قيادةً تستحقّ ثقتهم وتضحياتهم. فلسطين لا تنتظر اجتماعًا آخر!.

(خاص عروبة 22)

يتم التصفح الآن