لا تزال معالم "اليوم التالي" في سوريا يكتنفها الكثير من الغموض والضبابية، خاصة أن السقوط السريع والمدوي للرئيس المخلوع بشار الأسد أعاد خلط الأوراق وموازين القوى في المنطقة وعبّد الطريق أمام تحولات جوهرية، بل جذرية، ستتوضح تداعياتها خلال الأيام المقبلة لاسيما في الساحات الشديدة الارتباط بها، كلبنان والعراق واليمن والأهم ايران التي تدرس بعناية مواقفها وتصريحاتها بعد استهداف نفوذها في المنطقة وتقويضه.
تزامناً مع التطورات السياسية، يطغى العامل الانساني حيث يلملم الشعب السوري جراحه ويبحث عن معتقليه في سجون الأسد السيئة السمعة، والتي اعتمد عليها ليتفرّد بالحكم أكثر من 50 عاماً مارس خلالها أقسى أنواع التعذيب والوحشية ضد معارضيه أو من يعتبرهم "خطراً" عليه. في وقت لا يزال مصير آلالاف منهم مجهولاً وتبحث عائلاتهم عن بصيص أمل، ولو ضئيل، بأن يكونوا ضمن الأحياء في غرف سرية تحت الأرض كما الحال في سجن صيدنايا الذي يوصف بـ "المسلخ البشري". ووفقاً لـ"المرصد السوري لحقوق الانسان"، فقد قضى نحو 60 ألف شخص تحت التعذيب أو بسبب ظروف الاحتجاز المريعة في سجون النظام السوري.
على خط موازٍ، سارعت اسرائيل الى إسقاط اتفاق فض الاشتباك عام 1974 وذلك من خلال عمليات التوغل والغارات العنيفة التي استمرت حتى ساعات الصباح الأولى واستهدفت البنى التحتية العسكرية ومراكز البحوث العلمية في عموم الأراضي السورية، ما أدى لتدمير بعضها بشكل كامل. ووصفت "هيئة البث الإسرائيليّة" الغارات بـ"غير المسبوقة"، وقالت إنها تستهدف تدمير قدرات جيش بأكمله. فيما أشار "المرصد السوري" إلى إن إسرائيل نفّذت 250 غارة على سوريا، منذ إعلان سقوط نظام الأسد.
واذ أكد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس على أن الجيش "سيدمر الأسلحة الاستراتيجية الثقيلة في أرجاء سوريا". أعلنت الأمم المتحدة أنّ تقدم القوات الإسرائيليّة داخل المنطقة العازلة في الجولان السوري الذي تحتلّه إسرائيل يشكّل "انتهاكاً" لاتفاق فضّ الاشتباك المبرم بين إسرائيل وسوريا في العام 1974.
وفي السيّاق، شدد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الجدل على أن أنقرة "لا تسعى إلى توسيع سيطرتها في سوريا"، مضيفاً أن بلاده "مستعدة لدعم إعادة الإعمار بأي طريقة بوسعها". وقال "أعتقد أن رياح التغيير القوية التي تهب على سوريا، ستعود بالفائدة على كل السوريين، خصوصاً اللاجئين"، معلناً إعادة فتح معبر "كسب" الحدودي والذي كان مغلقاً منذ العام 2013 لتسهيل عودة اللاجئين إلى بلادهم.
هذا وعقد النظام الايراني، الحليف الأساسي للأسد وزمرته، جلسة مغلقة لمناقشة المستجدات الأخيرة. وفي هذا الصدد، اعترف النائب محمد منان رئيسي أن طهران "قدمت نحو 6000 شخص من مدافعي الحرم كما أنفقنا المليارات ثم سلمنا سوريا للمتطرفين خلال أسبوع واحد"، وفق تعبيره. أما "حزب الله"، وفي أول تعليق رسمي له منذ الإطاحة بحليفه السابق، فقد أكد "الوقوف إلى جانب سوريا وشعبها، مع التشديد على ضرورة الحفاظ على وحدة البلد أرضا وشعبا".
ميدانياً، أصدر وجهاء وأعيان ومشايخ مدينة القرداحة، مسقط رأس الأسد، بياناً، دعوا فيه الجميع لتسليم السلاح، كما قاموا بإسقاط تمثال قديم لحافظ الأسد. وأعربوا عن استعدادهم للتعاون الكامل مع "هيئة تحرير الشام" و"الجيش الوطني الحر"، لأجل "بناء سوريا الجديدة القائمة على الألفة والمحبة".
وفي الإطار نفسه، أشار زعيم "هيئة تحرير الشام" أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني) إلى أن السلطات الجديدة في سوريا ستنشر قريباً "قائمة أولى بأسماء كبار المتورّطين بتعذيب الشعب السوري" لملاحقتهم ومحاسبتهم، وذلك على وقع المعلومات عن "تنسيق انتقال السلطة"، حيث نشرت المعارضة مقتطفاً من اللقاء ظهر فيه الشرع، وهو يتحدث بحضور ثلاثة أشخاص بينهم رئيس حكومة تسيير الأعمال السورية محمد الجلالي ومحمد البشير، رئيس "حكومة الإنقاذ" التي كانت تتولى إدارة مناطق سيطرة "الهيئة" في إدلب، والذي بات ينظر إليه كأبرز المرشحين لقيادة الحكومة في المرحلة الراهنة.
وأوضح الكرملين أنه سيبحث وضع القاعدتين العسكريتين الروسيتين في سوريا مع السلطات المقبلة. ونقلت "وكالات الأنباء الروسية" عن مصدر إشارته إلى أن الفصائل التي أطاحت بالنظام "ضمنت أمن القواعد العسكرية الروسية والمؤسسات الدبلوماسية على الأراضي السورية". يُذكر أن النفوذ الروسي والايراني تعاظما في سوريا بعد أحداث الثورة في العام 2011 وتقديمهما الدعم العكسري لبقاء الأسد مقابل اطلاق يدهما وتوسيع نفوذهما في دمشق.
لبنانياً، اجتمع ممثلو اللجنة الخماسيّة المكلفة مراقبة تنفيذ اتفاق وقف اطلاق النار بعد مرور حوالي أسبوعين على التسوية وسقوط أكثر من 15 شهيداً إثر الخروقات والاعتداءات الإسرائيليّة المتواصلة. وعقب الانتهاء، أكد البيان الصادر عن سفارتي الولايات المتحدة وفرنسا في لبنان وعن "اليونيفيل" أنّ "اللجنة ستجتمع ضمن هذه الآلية بوتيرة منتظمة وستنسّق عملها بشكل وثيق لتحقيق التقدّم في تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار والقرار 1701"، في وقت لا يزال فيه العدو الإسرائيلي يتفنن في خرقه الاتفاق بشكل يومي.
وعلى المقلب الفلسطيني، أفاد الجيش الإسرائيلي بمقتل 3 عسكريين وإصابة 12 آخرين، خلال معارك في مخيم جباليا، في حين أوقعت الغارات المكثفة 60 شهيداً في عموم قطاع غزّة. في غضون ذلك، نقلت "هيئة البث الإسرائيليّة" عن مصادر سياسية إشارتها إلى أنه "تم إحراز تقدم إيجابي في المفاوضات المتعلقة بالإفراج عن الرهائن لدى "حماس"، لافتة إلى وجود "صفقة صغيرة حالياً تناقش إطلاق سراح المختطفين الذين يعدّون حالات إنسانية، لكن إسرائيل تعمل على زيادة عدد المفرج عنهم".
وبحسب الهيئة، فإنه تم تبادل مسودات الاتفاق بين إسرائيل و"حماس" عبر الجانب المصري، وتشمل 3 بنود أساسية؛ وهي إطلاق سراح النساء وكبار السن والمرضى الإسرائيليين، ووقف مؤقت لإطلاق النار لمدة تصل إلى 60 يوماً، وانسحاب الجيش الإسرائيلي من أجزاء من قطاع غزّة، مقابل إطلاق مئات الأسرى الفلسطينيين من السجون الإسرائيليّة، ونقاشات بشأن إعادة فتح الجانب الفلسطيني من معبر رفح.
وتستمر الأحداث السورية بحصد الانتباه حيث ركزت الصحف العربية الصادرة اليوم على ماهية المرحلة المقبلة وانعكاساتها المحلية والاقليمية. وفي هذا الإطار:
اعتبرت صحيفة "الخليج" الاماراتية أن "سوريا دخلت مرحلة جديدة، ولم يعد مهماً كيف انتهت مرحلة الأسد، المهم أن تبقى سوريا كياناً متماسكاً، وأرضاً موحدة، وركناً لا غنى عنه في مواجهة المخاطر التي تعصف بالمنطقة، والأهم أن يدرك السوريون أن وحدتهم هي الضمانة الوحيدة لإنقاذ بلدهم". وقالت: "أمام السوريين فترة عصيبة من الانتظار، لكن المشكلة أن الأمر لن يكون متروكاً للسوريين وحدهم، بل قد يتدخل كل العالم، في كل صغيرة وكبيرة، في حين يبقى الشعب السوري ينتظر الحلم بالتغيير المنشود".
وبحسب صحيفة "الراية" القطرية، فإن السوريين أمام فرصة تاريخية لإحلال السلام في بلدهم مُتسلحين بالدعم الدولي الكبير، لتحقيق طموحات الشعب دون إقصاء أو تهميش"، داعية إياهم إلى اتخاذ ما حدث كـ "فرصة للوحدة لأن هذه الفرحة والبهجة يجب أن تُوحِّد الصفوف خاصة مع ازدياد مشاعر التكاتف والتضامن وهو ما تحتاجُه سوريا من أجل الانتقال للنهضة والتنمية المُستدامة والاستقرار السياسي".
وبأشد العبارات وصفت صحيفة "عكاظ" السعودية النظام السوري السابق الذي"لم يعرف التاريخ المعاصر نظاماً مجرماً وطائفياً وقمعياً ومتآمراً مثل نظام الأسد، الذي قتل من السوريين واللبنانيين والفلسطينيين والأردنيين والعراقيين والأتراك أكثر من كل أعدائهم مجتمعين"، موضحة أن "سورية بلد الحضارة والتاريخ يستحق أهلها الكرام كل خير…يستحق أن يعيش أحلامه في بلاده وأن يقدم أفكاره بلا خوف ولا قلق ولا رهبة".
بدورها، أكدت "البلاد" البحرينية "أن الظروف التي مرّ بها الشعب السوري الشقيق طوال سنوات كثيرة كانت ظروفًا صعبة وقاسية ومسؤولية اجتيازها اليوم تقع على جميع المواطنين وعلى كل سوري أيًّا كان موقعه ومسؤوليته، وكل الأطراف بلا استثناء"، مشددة على أن "الجميع عليه أن يبذل الجهد ويحشّد كل الطاقات المتوفرة لعودة الأمن والأمان والاستقرار والرخاء للجمهورية السورية، ونحن نعلم أن طاقات شعبها ضخمة وكبيرة وقادرة على تحقيق الهدف المنشود".
وأشارت صحيفة "الدستور" الأردنية إلى أن "المستعمرة الإسرائيلية، تستغل الانكفاء السوري نحو قضاياه الداخلية، لتمارس القصف المنظم، والتدمير المنهجي لقدرات سوريا وأسلحتها المختلفة، وبلع المزيد من الأراضي السورية مع الجولان المحتل". وأضافت: "الخيارات لدى المستعمرة هي التوسع، ونحو العمل والتخطيط والتآمر باتجاه أن يكون الطرف العربي برمته ومكوناته وأنظمته هو الأضعف في معادلة الصراع العربي الإسرائيلي".
ولفتت صحيفة "الشروق" الجزائرية إلى أنه "لم يكن أمرا مفاجئا بمعايير السنن الحضارية للاجتماع الإنساني سقوط النظام العلوي في سوريا، وذلك بالنظر إلى الأخطاء القاتلة التي ارتكبتها عائلة استبدادية، تمثّل أقلية محدودة جدا ضمن النسيج الاجتماعي والسياسي، لكنها احتكرت السلطة بالحديد والنار أكثر من نصف قرن، مستندة إلى تحالفات طائفية وأخرى دوليّة ضمن موازين لعبة صراع الأمم في المنطقة"، وفق تعبيرها.
الى ذلك، أوحت صحيفة "الأهرام" المصرية أن "ما جرى بسقوط النظام السورى لم يكن أكثر من جولة أخرى من جولات ما بعد "الربيع" التي لم تنته بعد طالما ظل النظام باقيا حتى ولو تمزقت الدولة"، داعية الجميع إلى تبني "الكثير من الأفكار الإصلاحية والتنموية بدلا من طوفان الأيديولوجيات الفارغة، وحقن مقوية للهوية الوطنية التي تذوب في دخان المعارك".
وكتبت صحيفة "الراي" الكويتية "الهارب بشار الأسد لم يستغل دعوته لمؤتمر القمة العربية في الرياض 2023، ولم يستمع للنصائح بتقريب وجهات النظر مع المعارضة السورية والأطراف الفاعلة في المنطقة، وهذا ما جعله يشكّل عبئاً ثقيلاً على جيرانه، وأصبح شخصاً غير مرغوب فيه". وخلصت إلى أن هذا كان "بداية النهاية بالنسبة للنظام السوري الذي كابر ولم يعترف بتغير الأوضاع الإقليمية والقوى المسيطرة".