صحافة

الممرات المائية الاستراتيجية والأزمات الدولية المحتملة

عبدالله محمد الشيبة

المشاركة
الممرات المائية الاستراتيجية والأزمات الدولية المحتملة

أطلق الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب، مؤخَّراً، تصريحاً مثيراً للانتباه حول إمكانية استخدام القوة لـ"استعادة" قناة بنما، التي أعادتها الولايات المتحدة إلى بنما منذ عقود. ويتهم ترامب حكومة بنما بالسماح للصينيين بالسيطرة على ذلك الطريق الحيوي الذي يربط بين المحيطين الأطلسي والهادئ، وبزيادة رسوم الشحن على السفن الأميركية. وهذا يقودنا إلى أثر الممرات المائية الاستراتيجية على الأمن الدولي حالَ نشوب أي أزمة فيها، لا سيما الممرات الثلاثة الأبرز في وقتنا الحالي، وهي قناة بنما، ومضيقا تايوان وباب المندب.

تُعد قناة بنما أحد أهم ممرين مائيين استراتيجيين من صنع الإنسان، أما الآخر فهو قناة السويس. وقد قامت الولايات المتحدة الأميركية بتشييد القناة وفرض السيطرة المباشرة عليها منذ عام 1914 ولغاية عام 1999 عندما انتقلت السيطرة الكاملة على القناة إلى بنما بناءً على اتفاق بين القيادة الأميركية "الديمقراطية" في عام 1979 وحكومة بنما، وهو أمر طالما رفضه العديد من "الجمهوريين".

وتُعد القناة ممراً مائياً دولياً يبلغ طوله 48 ميلاً (77 كم)، وهي ممر استراتيجي بين المحيطين الأطلسي والهادئ، ولولاها لاضطرت السفن المبحرة بين السواحل الشرقية للولايات المتحدة وأوروبا وبينها وبين آسيا للدوران حول كيب هورن في أميركا الجنوبية، وهي مسافة تبلغ نحو8000 ميل بحري (15000 كيلومتر). وتشير التقديرات الدولية إلى أن 5% من التجارة العالمية تمر سنوياً عبر القناة، بما فيها المعادن والنفط والوقود والحبوب والمواد الكيميائية. أضف إلى ذلك الأهمية الاستراتيجية الأمنية للقناة بالنسبة لواشنطن إذ تُعد منفذاً حيوياً لمرور سفنها الحربية حال نشوب صراع بينها وبين بكين.

والممر الثاني الحيوي هو مضيق تايوان الذي يمتد من الجنوب الغربي إلى الشمال الشرقي بين بحري الصين الجنوبي والشرقي، ويقع بين ساحل مقاطعة فوكيان الصينية وجزيرة تايوان. ويعتقَد أن ما يقرب من 2.45 تريليون دولار من البضائع - أكثر من خُمس التجارة البحرية العالمية - عبرت مضيق تايوان في عام 2022. ومن شأن تعطيل هذه التجارة، سواء بغزو مباشر لتايوان أو بفرض حصار عليها، أن يؤدي لأزمة عالمية اقتصادية وسياسية وأمنية على قدر كبير من الخطورة.

أما الممر الثالث الحيوي فهو مضيق باب المندب الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن، وبالتالي فهو منفذ التجارة التي تمر من المحيط الهندي إلى البحر الأحمر، ثم قناة السويس إلى البحر الأبيض المتوسط فأوروبا وبقية العالم الغربي. ووفقاً لبيانات البنك الدولي، يتم نقل ما يقرب من 30% من النفط و40% من البضائع الجافة عبر البحر الأحمر وقناة السويس. وتكمن أهمية باب المندب أيضاً في موقعه الجغرافي وقيمته الجيوسياسية كممر ملاحي، فهو لا يؤثر فقط على أنشطة التجارة العالمية، بل له أيضاً تأثير مباشر على المشهد الجيوسياسي في الشرق الأوسط.

تلك هي الممرات المائية الثلاثة ذات الأهمية الاستراتيجية بالنسبة للأمن الدولي من النواحي كافة في الوقت الحالي، والتي بنشوء أزمة في أحدها تظهر انعكاساتها، وسرعان ما تنتشر وتؤثر بصورة خطيرة في الاقتصاد والاستقرار العالميين، وهو أمر لا نتمنى حدوثه في أي وقت. 

(الاتحاد الإماراتية)

يتم التصفح الآن