الأمن الغذائي والمائي

"فرض العين" في قضية المياه... و"فرض الكفاية"!

على الرَّغم من أنّ تهديدات الأمن المائي لا تكاد تستثني دولة في أرض العرب، إلّا أنّ التقارير التي أذاعتها وكالات الأنباء آخر فبراير/شباط تقول إنّ هذه التهديدات ربما تبدو أكثر حدّة في المغرب العربي، وبالذات في تونس والجزائر والمغرب.

بدا لافتًا أنّ الملك محمد السادس، ملك المغرب، ناشد مواطنيه عدم ذبح أضاحي العيد هذه السنة، وقال إنّ السبب هو الجفاف الذي أدّى الى تراجعٍ في المساحات الخضراء، وبالتالي في أعداد المواشي المتوفرة. وقالت التقارير الصحافية المنشورة إن نصيب الفرد المغربي من مياه الشرب أصبح 650 مترًا مكعبًا في السنة، بعد أن كان 2500 عام 1960، وهو مرشّح للنزول تحت 500 في 2030، وقد حدث هذا على الرَّغم من أنّ الدولة المغربية نشطت في بناء السدود فأقامت 149 سدًا.

ومن المعروف أنّ الملك الحسن الثاني، يرحمه الله، كان يضع بناء السدود أولوية في عمله. ولم تنشط الحكومة المغربية أيام الحسن في بناء السدود فقط، ولكنّها نشطت كذلك في بناء محطات تحلية المياه، فأقامت 9 محطات تحصل منها على 147 مليون متر مكعب في السنة.

19 دولة من بين 22 دولة عربية تقع في نطاق "الشح المائي"

وعندما دعا الملك المغربي إلى عدم ذبح الأضاحي هذه السنة، فإنّ دعوته كانت وكأنها رأس جبل عائم يتخفّى تحت السطح منه ما يتخفّى.

وفي تونس، انخفض نصيب الفرد عن 500 متر مكعب، واضطرّت الحكومة إلى قطع المياه ليلًا عن المواطنين لساعات متّصلة. وفي الجزائر، شهدت ولاية تيارت التي تبعد 300 كلم عن العاصمة مظاهرات في صيف السنة الماضية بسبب شحّ المياه، وتعهد الرئيس عبد المجيد تبون بإيجاد حلّ جذري للأزمة وفق برنامج عمل يمتدّ إلى 15 سنة، وقال إنّ الحكومة ستعمل على هذا المدى الزمني لتتوفر المياه عند نهاية البرنامج لسكان البلاد البالغ عددهم 45 مليونًا.

وليس سرًّا أنّ المعايير العالمية تضع 1000 متر مكعب كحدٍّ أدنى للفرد سنويًّا، وتقول إنّ الفرد الذي يقلّ نصيبه السنوي عن ذلك يوضع في خانة الذين يعانون من الفقر المائي.

ومن الواضح أنّ نقص المياه لا يتوقّف عند حدود دول المغرب العربي الثلاث، لأنه ما كادت تمرّ أيام على دعوة ملك المغرب، حتى قال الدكتور هاني سويلم، وزير الريّ والموارد المائية المصري، وهو يلتقي رئيس الجمعية العربية لمرافق المياه، إنّ عواصم العرب مدعوّة الآن بأكثر مما كانت مدعوّة في أي وقت سابق إلى التعاون لمواجهة الندرة المائية.

أمّا مبررات التعاون الذي يدعو إليه الدكتور سويلم فهي كثيرة، ولكن أهمّها أنّ 19 دولة من بين 22 دولة عربية تقع في نطاق "الشح المائي" وأنّ 21 دولة منها تحصل على مواردها المائية الأساسية من مياه دولية مشتركة.

ولا بدّ أن التعاون الذي يقصده هو بطبيعته من شأن الحكومات، كما لا بدّ أنّ لمثل هذا التعاون تفاصيل لم يذكرها الوزير المصري ولم يكشف عنها، ليبقى السؤال عمّا إذا كان هناك دور للمواطنين العرب، بحيث يقوم كل مواطن منهم بدوره في مكانه، أم أنّ القضية قضية حكومات وفقط؟

أظنّ أنّ قضية مثل قضية الندرة المائية بالنسبة إلينا كعرب، تظلّ في حاجة إلى التعامل معها من خلال "فرض الكفاية" و"فرض العين" اللذيْن يتحدّث عنهما أهل الفقه في علوم الإسلام. ففرض الكفاية هو الذي إذا قام به شخص سقط عن بقية الأشخاص الحاضرين، وقد ضرب الفقهاء مثلًا بِرَدِّ السلام، وقالوا إنّ شخصًا إذا ألقى السلام على جماعة من المسلمين، فإنّ ردّ شخص واحد من أفراد هذه الجماعة يكفي لينهض بالمهمّة عن الكلّ. أما فرض العين فهو الذي لا بد أن يقوم به كل شخص عن نفسِه، ولا ينفع فيه أن ينوب شخص عن شخص كأداء الصلاة على سبيل المثال.

للحكومات العربية أن تتباحث في وجوه التعاون التي دعا إليها الوزير في القاهرة، ولكن تباحثها ثم تعاونها لا يعفيان كل مواطن عربي من أن يكون له دور حيث يعيش ويقيم، ولا دور له سوى أن يتحلّى بالثقافة المائية إذا جاز مثل هذا التعبير، ولا معنى للثقافة المائية التي أقصدها سوى أن يكون كل مواطن رشيدًا في استخدامات المياه في بيته وفي عمله.

التعاون بين الحكومات العربية "فرض كفاية" ومقاومة إسراف الأفراد "فرض عين" على كلّ فرد

إنّ الحديث النّبوي الشريف يدعونا إلى عدم الإسراف في استخدام الماء ولو كنّا على نهر يجري، ولكن على الرَّغم من ذلك، وعلى الرَّغم من أنّ بعضنا يحفظ نصّ هذا الحديث ويردّده في مناسبات مختلفة، إلّا أنّ الإسراف في استخدامات المياه لا يزال عادةً مرذولةً بيننا، ويستطيع أي منّا أن يلاحظها بالعيْن المجرّدة، لو أنه راقب كيف يتصرّف الناس عند استخدام الماء في العموم.

ولهذا، فإنّ التعاون بين الحكومات العربية إذا كان "فرض كفاية" تقوم به كل حكومة في مقاعدها ولا يقوم به مواطنوها كآحاد، فالوجه الآخر للتعامل مع النّدرة هو مقاومة إسراف الأفراد، وهو "فرض عين" على كلّ فرد لا "فرض كفاية".

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن