هل اقترب الجنوب الليبي من الحرب؟ملف "الهجرة" يُشعل المواجهة بين الدبيبة وحفتر!

بينما تبدو ليبيا في أمسّ الحاجة إلى الاستقرار، يلوح شبح الحرب مجدّدًا في الأفق، مع تصاعد التوتّر بين الحكومتيْن المتنازعتيْن على السلطة، حول ملف الهجرة غير الشرعية.

هل اقترب الجنوب الليبي من الحرب؟
ملف

على الرَّغم من أن آخر ما تحتاجه البلاد الآن، هو اندلاع حرب جديدة، فقد طالب رئيس حكومة الوحدة عبد الحميد الدبيبة قواته بالاستعداد للتحرك صوْب الحدود الجنوبية، باعتباره واجبًا مقدّسًا. وكان مدهشًا أن يطالب الدبيبة أبرز مقرّبيه محمود حمزة، مدير إدارة الاستخبارات العسكرية والقائد السابق للواء 444 قتال، بالاستعداد للتحرّك جنوبًا، على الرَّغم من أنّه مجرّد مدني لا يتمتّع بأي خلفيّة عسكرية أكاديمية.

وبينما تحوم الشبهات حوله، بشأن سعي حكومته إلى توطين المهاجرين في ليبيا، ضمن صفقة أوروبية، ألقى الدبيبة الكرة في ملعب غريمه المشير خليفة حفتر القائد العام للجيش الوطني المتمركز في شرق البلاد ويسيطر على جنوبها فعليًا، بعدما اتهمه مباشرةً بإدخال المهاجرين غير النظاميين عبْر هيئة الاستثمار العسكري التابعة له.

الدبيبة، الذي رفض دور "الحارس الأوروبي"، اعتبر أنّ البلاد تمر بـ"مرحلة مفصلية"، فيما لاحظ مراقبون إشارة متزايدة إلى احتمالية اندلاع مواجهات عسكرية.

لكن ثمّة تحليلات تذهب إلى اعتبار تحرّكات الدبيبة، مجرّد محاولة لتعزيز موقفه الداخلي، والظهور بمظهر القادر على اتخاذ القرارات الصعبة، في ظلّ تآكل حكومته بسبب الأحكام القضائية والاتهامات بالفساد، التي أطاحت 12 وزيرًا حتى الآن.

لكنّ جانبًا من هذا يتعلّق أيضًا بمحاولة الدبيبة مغازلة حلفائه، خاصة مفتي البلاد المعزول من منصبه، الصادق الغرياني، الذي لطالما رأى في التحشيد العسكري لحفتر بدايةً لحرب مقبلة، تستهدف إسقاط حكومة الدبيبة. ويشكّك الكثيرون في هدف الغرياني، الذي دفعه استحكام خلافه مع حفتر، لاعتبار أنّ المعارك معه هي جزء من معركة المسلمين مع الصهاينة!.

وفي إطار التحريض على الحرب، حذّر حسين بن عطية، عميد بلدية تاجوراء الأسبق، الدبيبة، من أنّ عدم حماية حدود المنطقة الغربية، يعكس فشلًا في حماية العاصمة طرابلس نفسها، حيث مقر الحكومة.

تصعيد أم استعراض؟

في المقابل، توعّد رئيس حكومة الاستقرار الموازية، أسامة حمّاد، الموالي لحفتر والبرلمان، بردع أي تحرّك عسكري لحكومة الوحدة باتجاه الحدود الجنوبية، التي جادل بأنّها مؤمّنة بالكامل، وليست مفتوحة كما تدّعي حكومة الدبيبة.

وفي رسالةٍ واضحةٍ بأنّه لن يَسْمَحَ بأي تحرّكات تهدد استقرار البلاد، نشر حفتر قواته في شوارع سبها، كما تجاهل مجدّدًا مقترح وزير داخلية حكومة الوحدة، عماد الطرابلسي، بتشكيل قوة مشتركة لتأمين الحدود، ما يعكس انعدام الثقة بين الطرفين.

وعلى الرَّغم من الحرب الكلامية والإعلامية بين الحكومتيْن المتنازعتيْن على السلطة، يستبعد معسكر حفتر إمكانية وقوع مواجهات مسلحة، تؤدي إلى انهيار اتفاق وقف إطلاق النار الموقّع في أكتوبر/تشرين الأول 2020، برعاية أممية.

ويتزامن هذا التصعيد مع ضغط أوروبي على ليبيا لمنع تدفقات الهجرة، مما قد يُفسّر جزءًا من تحرّكات الدبيبة وحفتر، إذ تواجه ليبيا ما تصفه بفئاتٍ "شرسة" من المهاجرين غير النظاميين؛ من بينهم أكثر من مليون لاجئ من السودان.

وفجّر التدفق الهائل للمهاجرين، احتجاجات محدودة في عدّة مدن ليبية من بينها العاصمة طرابلس، للتحذير من محاولات توطين المهاجرين، تنفيذًا لمخططات دولية، على حساب مصلحة الليبيين.


ويتّهم ليبيون البعثة الأممية بالدفاع عن مشروع وخطة التوطين الموقّعة بين إيطاليا وحكومة الدبيبة.

حرب مفتوحة تلوح في الأفق؟

أعاد تحرّك مفاجئ لقوات حفتر خلال العام الماضي، باتجاه مناطق في الجنوب الغربي، تسيطر عليها حكومة طرابلس المعترف بها من الأمم المتحدة، شبح الحرب الأهلية بعد أربع سنوات من وقف إطلاق النار.

وعلى الرَّغم من إعلان قوات حفتر، بقيادة نجله صدّام، أنّ تحركاتها تستهدف فقط تأمين الحدود الجنوبية، فقد حذّرت الأمم المتحدة من أنها قد تؤدّي إلى تصعيد التوتّر.

ولم تكن التوتّرات العسكرية بين الشرق والغرب جديدة، فقد فشل حفتر ما بين عاميْ 2019 و2020، في السيطرة على طرابلس، بعد معارك عنيفة، قبل أن يبرم لاحقًا، اتفاقًا لوقف إطلاق النار في 2021 برعاية الأمم المتحدة، لكنّ تأجيل الانتخابات واستمرار الخلاف السياسي جعلا من تجدّد المواجهات احتمالًا قائمًا.

بالنسبة إلى الكثير من الأوساط الديبلوماسية والمحلّلين، تمثّل تحركات حفتر العسكرية باتجاه الجنوب، واستنفار حكومة طرابلس، اختبارًا لمواقف القوى الدولية، ورسالة بأن الخيار العسكري لا يزال مطروحًا إذا فشلت المساعي السياسية.

دور أوروبي مشبوه؟

وفي موقفٍ يعكس محاولات موسكو تعزيز نفوذها في ليبيا، مقابل التوتّر مع الدول الأوروبية، التي تسعى لتحجيم موجات الهجرة غير الشرعية، انتقدت السفارة الرّوسية ما وصفته بـ"هستيريا الأوروبيين"، متهمةً الاتحاد الأوروبي بمحاولة تحويل ليبيا إلى مخيّم احتجاز للمهاجرين.

وبينما يُكرّس الخلاف بشأن ملف الهجرة غير الشرعية، الانقسام المؤسَّساتي بين حكومتيْ الوحدة والاستقرار، بات الجنوب الليبي، بحدوده الشاسعة وموقعه الاستراتيجي، ساحةً جديدةً لصراع النفوذ. ووسط مخاوف من الانزلاق نحو حربٍ جديدة، يبقى المستقبل غامضًا في ليبيا، المترنّحة بيْن غياب الحوار السياسي، وانعدام الثقة بين الأطراف المحلية، وتضارب مصالح القوى الدولية.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن