خلال فترات تاريخية متقطّعة، كانت مناطق شمال اليمن مسرحًا لدورات متواصلة من العنف في إطار مساعي الأُسَر الهاشمية التي تعتنق المذهب الزيْدي للحكم استنادًا إلى مضامين ذلك المذهب الذي يحصُر الولاية في أنسال الإمام علي بن أبي طالب. ولكن مع هزيمة تركيا في الحرب العالمية الثانية والتي كانت تحكم تلك الأجزاء من البلاد لعدّة قرون، فقد أتيحت الفرصة لهذه الأُسَر للعودة إلى السلطة وظلّت فيها حتى العام 1962 حين دعمت مصر النّاصرية قيام نظام جمهوري في صنعاء.
على مدى نصف قرن من حكم الجمهورية، تراجع طموح الأُسَر الهاشمية المتطلّعة للحكم أو ما يُعرف اصطلاحًا بـ"الحزب الهاشمي"، وفي مقابل ذلك تمدّد تيار "الاخوان المسلمين" المدعوم من السعودية والولايات المتحدة داخل ما اصطُلح على تسميتها بالجغرافيا الزيدية، وزاد من قوّة هذا التيار الدعم الكبير الذي كان يحصل عليه بسبب قيادته موجة تمرّد اليسار في المناطق الوسطى ونظام الحكم في الجنوب حليف الاتحاد السوفياتي.
وشكّل إعلان قيام الوحدة ما بين دولتيْ اليمن عام 1990 إيذانًا بإخراج نشاط التيار الهاشمي إلى العلن، عبر تأسيس حزب "الحقّ" بدعم من الحزب الاشتراكي الشريك في قيادة دولة الوحدة، وتصدّرت المرجعيات الدينية للمذهب الزيدي قيادة الحزب الجديد، حيث كان الاشتراكي يدعم هذا الحزب في مواجهة حزب "الإصلاح" الوريث الشرعي لجماعة "الاخوان المسلمين" حلفاء الرئيس الرّاحل علي عبد الله صالح الذي استخدم هذا الحزب لضرب شريك إعلان دولة الوحدة.
ومع انتهاء الحرب التي شنّها تحالف صالح وحزب الإصلاح، ضدّ الحزب الاشتراكي في منتصف العام 1994 باجتياح الجنوب، عانى حزب الحق من الانشقاقات والتضييق من تحالف المنتصرين لكنّ ذلك لم يستمرّ طويلًا، إذْ إنه وفي اوائل العام 1997 أعلن صالح إنهاء تحالفه مع الإصلاح واستفراده بالسلطة.
خلال الفترة التي سبقت طلاق تحالف الإصلاح مع صالح كانت مجموعة من الشباب قد أقرّت إحياء المذهب الزيدي عن طريق تأسيس منتدى الشباب المؤمن، وقد وجد صالح في المنتدى فكرة مؤاتية لإيجاد تيار ديني نقيض يتولّى مواجهة الخصم الجديد حتى يستقرّ هو بالحكم.
قبل الإعلان عن المنتدى، كان التيار الهاشمي قد نسج علاقاتٍ وثيقة مع الحوزات العلمية في إيران منذ منتصف الثمانينيّات وبعد ذلك مع "حزب الله" في لبنان، وتمكّن المنتدى في سنواته الأولى من استقطاب الآلاف من الأطفال أغلبهم من الأُسَر الهاشمية وآخرين من المعتنقين للمذهب الزيدي في محافظة صعدة، وتُوّجت هذه الجهود بسيطرة حسين بدر الدين الحوثي على المنتدى وإقصاء بقية مؤسسيه بدعمٍ من والده الذي كان واحدًا من المراجع الدينية الزيدية ومن ثم قيادته التمرّد المسلّح على السلطة المركزية منتصف عام 2004.
وعلى الرَّغم من أنّ المواجهة بين القوات الحكوميّة والتمرّد الذي قاده الحوثي الابن قد انتهت بمقتل الأخير في سبتمبر/أيلول من ذلك العام، إلّا أنّ بدر الدين الحوثي دفع بنجله الآخر عبد الملك لقيادة المنتدى الذي تحوّل بعد ذلك إلى جماعة "أنصار الله".
تولّى القائد الحوثي الجديد إدارة حربٍ متواصلة على السلطة المركزية حتى العام 2007، توسّعت خلالها سيطرته لتشمل أغلب مناطق محافظة صعدة، غير أنّ الاحتجاجات ضدّ حكم الرئيس صالح مطلع العام 2011 شكّلت بدايةً لمرحلة فاصلة لا تزال تلقي بظلالها على مستقبل الوضع السياسي في اليمن حتّى اليوم.
ففي حين تمكّن حزب الإصلاح والجناح العسكري المتحالف معه بقيادة العميد علي محسن الأحمر من إزاحة صالح من قمّة السلطة في نهاية ذلك العام ضمن ما سُمِّيَ بـ"الربيع العربي"، فقد ردّ صالح الذي احتفظ بنفوذٍ قوي داخل المؤسسة العسكرية والأمنية بعد مغادرته السلطة، ووجّه هذه القوات بعدم اعتراض الحوثيين عند اجتياح العاصمة صنعاء في 21 سبتمبر/ايلول عام 2014، والإطاحة بحكم خلفه عبد ربّه منصور هادي وحليفه حزب الإصلاح.
في نهاية مارس/آذار 2015، أعلن التحالف بقيادة السعودية استجابته لدعوة الرّئيس هادي للتدخل عسكريًا لإعادته إلى الحكم، وفي أجواء الحرب واشتداد القتال زاد الشحن والخطاب المذهبي بشكل غير مسبوق، ورُفعت في مناطق الأغلبية السنيّة شعارات لمقاومة ما أطلق عليه التمدّد "الرافضي".
الآن ومع انقضاء عشرة أعوام على تلك الحرب، يتصدّر المشهد اليمني تشكيلات عسكرية من السلفيّين إلى جانب القوات التي يسيطر عليها حزب الإصلاح، وهي قوى تجاوز تأثيرها جميع القوى المدنية التي تراجع دورها بشكلٍ لافت.
وفي ظلّ هذه الصورة القاتمة، تميل موازين القوّة على الأرض لصالح القوى الدينية السنّية بشقّيْها السلفي والاخواني، فيما يقف على الجانب الآخر الحوثيون المتسلّحون بنصوصٍ مذهبية تعطيهم "الحق الإلهي" في الحكم، وسط انحسار أدوار القوى المدنية في الجانبيْن، وزاد من حدّتها التحاق قادتها بالسلطة مقابل الحصول على بعض المقاعد الوزارية او امتيازات مالية بصفتهم أعضاء في حكومة او هيئة استشارية لا تمتلك أي سلطة.
(خاص "عروبة 22")