صحافة

النظام الإيراني وتقويض تدويل مضيق هرمز

سلطان النعيمي

المشاركة
النظام الإيراني وتقويض تدويل مضيق هرمز

في ظل الضربات العسكرية الأمريكية- الإسرائيلية على إيران، يتجاوز المشهد كونه تصعيداً ميدانياً إقليمياً ليعكس نمطاً مختلفاً في إدارة الأزمات. ومن هنا يطرح السؤال الجوهري نفسه: هل تدير إيران الأزمات بهدف احتوائها وإنهائها، أم إنها توظفها كأدوات لإعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية بما يخدم رصيدها الجيوسياسي؟

تتجاوز قراءة هذا المشهد الحدث العسكري المباشر إلى ما يكشفه من أنماط تفكير أعمق، زاوية الفرق بين من يتعامل مع الضربات بصفتها نهاية مسار، ومن يراها بدايةً لإعادة تشكيله، فالعقلية الاستراتيجية للنظام الإيراني، كما تعكسها تجاربه السابقة، لا تميل إلى إنهاء الأزمات بقدر ما تسعى إلى إدارتها وإعادة تدويرها، بحيث تتحول الضغوط، مهما بلغت حدّتها، إلى أدوات يمكن توظيفها لتعزيز موقفها التفاوضي.

وفي هذا السياق لا تُقرأ الضربات العسكرية فقط بصفتها تصعيداً، بل جزءاً من معادلة أوسع يحاول النظام احتواءها عبر تفكيك آثارها السياسية، إذ يعتمد على تشتيت الضغوط الدولية، مستفيداً من تباين مصالح الفاعلين الرئيسيين في المشهد الاقتصادي والسياسي العالمي، مثل روسيا والصين والهند، أو داخل الدول الأوروبية، بما يحدّ من إمكانية تشكّل موقف دولي موحّد. ولكن إلى أيِّ مدًى يمكن لهذا النهج أن يصمد في بيئة دولية تتجه نحو مزيد من الاستقطاب والاصطفاف؟

من قلب هذا التفاعل يبرز مضيق هرمز مجدداً بصفته أحد أبرز مفاتيح هذه المعادلة، وهو ما يطرح بدوره سؤالاً محورياً حول تحول المضيق من ممر دولي مفتوح إلى أداة ضغط إيرانية انتقائية، فمع تصاعد التوتر تتضاعف قيمة المضيق كوسيلة لنقل الأزمة من بُعدها العسكري المحدود إلى فضاء أوسع تتقاطع فيه مصالح الفاعلين في الاقتصاد العالمي مع اعتبارات أمن الطاقة واستقرار سلاسل الإمداد. وهنا يكتسب التصريح المنسوب إلى محمد باقر قاليباف، رئيس مجلس الشورى الإيراني، بُعداً لافتاً للنظر حين قال: "مضيق هرمز لن يعود للعمل كما كان"، وهو ما يعكس -وفق ما نراه حالياً- توجهاً نحو إعادة تعريف قواعد استخدام هذا الممر الحيوي بما يتجاوز كونه ممراً دولياً مفتوحاً.

ولعل ما يعزز هذا الفهم ما كشفت عنه التصريحات الإيرانية الأخرى، التي ألمحت إلى أن عبور المضيق قد يُربط باعتبارات "عدم العداء" أو التنسيق المسبق، أو حتى دفع رسوم أو إتاوات كما أشارت "وكالة بلومبيرغ"، فهل يعكس ذلك تحولاً تدريجياً نحو إعادة تعريف طبيعة المضيق قانونياً وسياسياً؟ أم إنه مجرد أداة ضغط مرحلية ضمن إدارة الأزمة؟ في كلتا الحالتين يبدو أن الهدف يتجاوز الرد العسكري إلى محاولة تقويض فكرة تدويل المضيق، وإضعاف أي موقف دولي موحد لاستخدام القوة لتأمين الملاحة في المضيق، ومن ثمّ الإبقاء عليه ضمن هامش سيطرة سيادية قابلة للتوظيف السياسي، وهو الأمر الذي بدأ يتكشف بتأكيد إيران مرور سفن عدد من الدول، وأن العشرات من الدول الأخرى أصبحت تنسق مباشرة مع طهران لتأمين مرور سفنها.

يبدو أن هذا التوجه يعكس حرصاً إيرانياً واضحاً على منع تدويل الأزمة تدويلاً شاملاً، مع إبقاء التصعيد ضمن حدود يمكن التحكم فيها، وتفادي تحوّله إلى ملف دولي جامع قد يفرض مسارات سياسية أو قانونية يصعب احتواؤها. وهنا يبرز تساؤل آخر: هل العالم، بكل فاعليه الرئيسيين، مستعد فعلًا لتحمّل كلفة اضطراب هذا الشريان الحيوي؟

أما على المستوى الإقليمي، فتكتسب دول الخليج العربية أهمية مضاعفة، بحكم موقعها الجغرافي وانكشافها المباشر على تداعيات أي تصعيد في مضيق هرمز، إذ تمر النسبة الكبرى من صادراتها النفطية عبر هذا الممر، وهو ما يفرض عليها الانتقال من موقع التأثر إلى موقع الفعل، لا على مستوى الإجراءات الوطنية فقط، بل أيضاً عبر مقاربة أكثر تماسكاً تعكس ترابط المصالح الحيوية وتشابك المصير الاستراتيجي في مواجهة التحديات المشتركة.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى بلورة موقف خليجي أكثر تنسيقاً وقدرة على التأثير لا يقتصر على إدارة التداعيات، بل يُسهم أيضاً في إيصال رسالة واضحة إلى الفاعلين الرئيسيين في المشهد الاقتصادي والسياسي العالمي بأن أي اضطراب في هذا الممر الحيوي لن يبقى أثره محصوراً إقليمياً، بل سيمتد ليطول استقرار الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة وسلاسل الإمداد.

والأمر الطبيعي أن يكون مضيق هرمز أزمة دولية تستدعي استجابة والتزاماً دوليَّين تفرضهما المواثيق والأعراف الدولية، إلا أنه من غير الطبيعي أن يُسهم بعضهم في إنجاح شرعنة ضمنية للعدوان الإيراني على الممرات الدولية بحجة الدبلوماسية والقنوات الخلفية، مؤدياً بذلك إلى نتيجة حتمية مؤسفة هي تقويض تدويل مضيق هرمز وبقاؤه أداةَ مناورة سياسية للنظام الإيراني.

(الخليج الإماراتية)

يتم التصفح الآن