يَسْتَنِدُ هَذا الرَّأْيُ إلى مَفاهيمَ عِدَّةٍ في العَلاقاتِ الدَّوْلِيَّةِ والعُلومِ العَسْكَرِيَّة، مِثْلَ مَفْهومِ "القُدْرَةِ على التَّحَمُّلِ الاسْتراتيجِيّ"، أَيْ قُدْرَةِ الدَّوْلَةِ والمُجْتَمَعِ على امْتِصاصِ الخَسائِرِ العَسْكَرِيَّةِ والاقْتِصادِيَّةِ والبَشَرِيَّةِ والاسْتِمْرارِ في القِتالِ لِفَتْرَةٍ أَطْوَلَ مِنَ الخَصْم، أَوْ بِعِبارَةٍ أُخْرى امْتِلاكِ "عَتَبَةِ أَلَمٍ أَعْلى"، وَيُمْكِنُ قِياسُ ذَلِكَ بِواسِطَةِ مُتَغَيِّراتٍ عِدَّة، مِثْلَ: دَرَجَةِ الحَساسِيَّةِ لِلْخَسائِرِ البَشَرِيَّة، والصُّمودِ الاقْتِصادِيّ، والإِرادَةِ السِّياسِيَّة. المَعْنى هُوَ قُدْرَةُ الدَّوْلَةِ والمُجْتَمَعِ على الاسْتِمْرارِ في الحَرْب، على الرَّغْمِ مِنَ الضُّغوطِ والخَسائِرِ المادِّيَّةِ والبَشَرِيَّة، وَما تُسَبِّبُهُ مِنْ آلام. وَمِنْ ثَمَّ، تَتَوَقَّفُ الحُروبُ الطَّويلَةُ على مَنْ سَوْفَ يَنْهارُ أَوَّلًا سِياسِيًّا أَوِ اجْتِماعِيًّا، أَوْ مَنْ سَوْفَ تَتَأَثَّرُ إِرادَةُ الاسْتِمْرارِ في القِتالِ عِنْدَه.
العنصر الحاسم في تحليل أيّ حرب هو "حرب الإرادات"
والمَقْصودُ بِذَلِك، أَنَّ تَحَمُّلَ الأَلَمِ لا يَقْتَصِرُ على الخَسائِرِ المادِّيَّةِ والعَسْكَرِيَّةِ المُباشِرَة، وَلَكِنْ أَيْضًا على الضُّغوطِ الاقْتِصادِيَّةِ بِسَبَبِ التَّضَخُّمِ وارْتِفاعِ الأَسْعار، والتَّكْلِفَةِ السِّياسِيَّةِ الدّاخِلِيَّةِ التي تَأْخُذُ في الدُّوَلِ الدّيموقْراطِيَّةِ صُوَرَ التَّأْثيرِ على الرَّأْيِ العامِّ وَمَدى رِضا المُواطِنينَ عَنِ السِّياساتِ المُتَّبَعَة، مِمّا يُؤَثِّرُ على سُلوكِهِمُ التَّصْويتِيِّ في الانْتِخابات. وَفي الدُّوَلِ السُّلْطَوِيَّة، تَأخُذُ صُوَرَ القُدْرَةِ على تَوْجيهِ الرَّأْيِ العامّ، والحِفاظِ على التَّماسُكِ الاجْتِماعِيِّ والوَطَنِيّ، وَحِفْظِ الأَمْن. وَيُؤَثِّرُ هَذا وَذاكَ على قُدْرَةِ القِيادَةِ السِّياسِيَّةِ لِلدَّوْلَةِ على الحِفاظِ على التَّأْييدِ الشَّعْبِيِّ لِلْحَرْبِ واسْتِمْرارِ الإِرادَةِ القِتالِيَّة.
وَمُؤَدّى ذَلِكَ أَنَّ العُنْصُرَ الحاسِمَ في تَحْليلِ أَيِّ حَرْبٍ هُوَ "حَرْبُ الإِرادات"، بِمَعْنى أَنَّ العِبْرَةَ لَيْسَتْ بِعَدَدِ وَنَوْعِيَّةِ الطّائِراتِ والصَّواريخِ والجُنودِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَدَواتِ القِتالِ لَدى أَطْرافِ الصِّراع، وَلَكِنْ بِإِرادَةِ القِتالِ والصُّمودِ لَدَيْهِم. فَخِلافًا لِلْحُروبِ التَّقْليدِيَّةِ في الأَزْمِنَةِ القَديمَةِ التي اعْتَمَدَ فيها الحَسْمُ على السَّيْطَرَةِ المُباشِرَةِ في مَيْدانِ القِتالِ وَتَدْميرِ قُوّاتِ الخَصْم، فَإِنَّهُ في الحُروبِ الحَديثَةِ بَعْدَ الحَرْبِ العالَمِيَّةِ الثَّانِيَة، ازْدادَ دَوْرُ العَوامِلِ النَّفْسِيَّةِ والاجْتِماعِيَّة، وَلَمْ يَعُدْ هُناكَ مَيْدانٌ واحِدٌ لِلْمَعْرَكَة، وَظَهَرَ مَفْهومُ "الحُروبِ بَيْنَ الشُّعوبِ أَوِ المُجْتَمَعات"، كَما بَلْوَرَهُ الجِنِرالُ البَريطانِيُّ روبِرْت سْميث في كِتابِهِ "مَنْفَعَةُ القُوَّةِ" الصّادِرِ عامَ 2005، والذي يُفَسِّرُ حالَةَ الحُروبِ التي تَتَلاشى فيها المَسافَةُ بَيْنَ الجَبْهَةِ والمُجْتَمَع. وَتَتَضَمَّنُ هَجَماتٍ تَسْتَهْدِفُ البُنْيَةَ التَّحْتِيَّةَ كَمَحَطّاتِ تَحْلِيَةِ المِياهِ وَشَبَكاتِ الطّاقَة.
التفوُّق العسكري والتكنولوجي والاستخباراتي لا يضمن النصر
لَيْسَ هَذا بِالأَمْرِ الجَديدِ في تاريخِ الصِّراعاتِ والحُروب، فَفي أَحْيانٍ كَثيرَةٍ لَمْ تَنْتَصِرِ الدَّوْلَةُ الأَكْثَرُ تَفَوُّقًا مِنَ النّاحِيَةِ العَسْكَرِيَّة، بَلْ تِلْكَ الأَكْثَرُ قُدْرَةً على تَحَمُّلِ الأَلَمِ والخَسائِرِ والقُدْرَةِ على الصُّمود، وَلَمْ تَسْتَطِعِ الدَّوْلَةُ الأَقْوى عَسْكَرِيًّا أَنْ تُحَوِّلَ قُوَّتَها إلى انْتِصارٍ سِياسِيّ. وَعلى سَبيلِ المِثال، في فْيِتْنام، فَإِنَّ الجَيْشَ الأَميرْكِيَّ المُتَفَوِّقَ واجَهَ خَصْمًا على اسْتِعْدادٍ لِتَحَمُّلِ خَسائِرَ بَشَرِيَّةٍ ضَخْمَةٍ والاسْتِمْرارِ في القِتالِ لِسَنَواتٍ طَويلَة، فَأَصْبَحَتِ التَّكْلِفَةُ السِّياسِيَّةُ لِلْحَرْبِ أَكْبَرَ مِنْ قُدْرَةِ الإِدارَةِ الأَميرْكِيَّةِ على تَحَمُّلِها، فاتَّخَذَتْ قَرارَ الانْسِحاب. تَكَرَّرَ ذَلِكَ في حالَةِ الغَزْوِ السّوفْياتِيِّ لِأَفْغانِسْتانَ عامَ 1979، وَفي حالَةِ الغَزْوِ الأَميرْكِيِّ لِلْبَلَدِ نَفْسِهِ عامَ 2001، فَعلى الرَّغْمِ مِنَ التَّفَوُّقِ العَسْكَرِيِّ لِموسْكو وَواشِنْطُن، فَإِنَّهُما واجَهَتا مُقاوَمَةً داخِلِيَّةً طَويلَةَ الأَمَدِ اسْتَنْزَفَتْ مَوارِدَهُما السِّياسِيَّةَ والاقْتِصادِيَّة، مِمّا أَدّى إلى اتِّخاذِ كُلٍّ مِنْهُما قَرارَ الانْسِحاب. أَضِفْ إلى ذَلِكَ أَنَّ الغَزْوَ الأَميرْكِيَّ لِلْعِراقِ لَمْ يُنْتِجْ نِظامًا سِياسِيًّا مُسْتَقِرًّا، وَفَتَحَ البابَ لِلنُّفوذِ الإِيرانِيّ.
بِتَطْبيقِ هَذا التَّحْليلِ على الحالَةِ الأَميرْكِيَّةِ - الإِيرانِيَّة، يَتَّضِحُ لِأَوَّلِ وَهْلَةٍ أَنَّ أَميرْكَا وَحَليفَتَها إِسْرائِيل، تَمْتَلِكانِ تَفَوُّقًا عَسْكَرِيًّا وَتِكْنولوجِيًّا واسْتِخْباراتِيًّا كاسِحًا، وَلَكِنَّ ذَلِكَ لا يَضْمَنُ لَهُما تَحْقيقَ نَصْرٍ إِذا كانَتْ إيرانُ مُسْتَعِدَّةً لِقَبولِ الخَسائِرِ وَتَحَمُّلِ الأَلَمِ لِفَتْرَةٍ طَوِيلَة.
يمكن النظر إلى الحرب على أنها مباراة في تحمُّل الألم
وَبَيْنَما لا يَسْتَطيعُ المُواطِنُ الأَميرْكِيُّ المُتْرَفُ تَحَمُّلَ الخَسائِرِ لِمُدَّةٍ طَويلَةٍ وَيُعَبِّرُ بِوُضوحٍ عَنْ عَدَمِ رِضاهُ عَنْ سِياساتِ رَئيسِهِ في اسْتِفْتاءاتِ الرَّأْيِ العامِّ الجارِيَة، فَإِنَّ المُواطِنَ الإيرانِيَّ نَشَأَ في ظُروفٍ مُغايِرَةٍ اتَّسَمَتْ مُنْذُ عامِ 1979 بِحالَةٍ مُسْتَمِرَّةٍ مِنَ العُقوباتِ الاقْتِصادِيَّةِ والضُّغوطِ السِّياسِيَّةِ والصِّراعاتِ المُتَعَدِّدَة. وَتَرَتَّبَ على ذَلِكَ اكْتِسابُ الحُكومَةِ الإيرانِيَّةِ خِبْرَةً طَويلَةً في "العَمَلِ تَحْتَ الضَّغْطِ" وَإِدارَةِ العُقوباتِ الاقْتِصادِيَّةِ والحِصارِ السِّياسِيّ. لَقَدْ تَعَوَّدَ المُجْتَمَعُ الإيرانِيُّ على التَّكَيُّفِ مَعَ الظُّروفِ الصَّعْبَةِ والصَّبْرِ عَلَيْها، وَعاشَ في التَّعْبِئَةِ العامَّةِ مِنْ خِلالِ الجُمهورِيَّةِ الإِسْلامِيةِ والقَوْمِيَّةِ الفارِسِيَّة، والاعْتِقادِ أَنَّ الحَرْبَ التي تَقودُها بِلادُهُ هِيَ حَرْبُ شَرَفٍ وَكَرامَةٍ وَطَنِيَّةٍ ضِدَّ عُدْوانٍ خارِجِيّ، وَمِنْ ثَمَّ التَّمَسُّكِ بِالمُقاوَمَةِ والصُّمود.
الخُلاصَة، أَنَّ عَتَبَةَ تَحَمُّلِ الأَلَمِ في إيرانَ أَعْلى مِنْها في أَميرْكا، وَلا يَعْني هَذا بِالطَّبْعِ قُدْرَةَ إيرانَ على الصُّمودِ إلى ما لا نِهايَة، وَلَكِنَّ العِبْرَةَ بِمَنْ سَوْفَ تَهْتَزُّ إِرادَتُهُ القِتالِيَّةُ أَوَّلًا. ويُمْكِنُ النَّظَرُ إلى الحَرْبِ الأَميرْكِيَّةِ - الإيرانِيَّةِ على أَنَّها مُباراةٌ في تَحَمُّلِ الأَلَم، وَيَظَلُّ السُّؤال: أَيُّ الطَّرَفَيْنِ سَوْفَ يُراجِعُ مَوْقِفَهُ تَحْتَ ضُغوطِ التَّكْلِفَة؟.
(خاص "عروبة 22")

