تَتَجَلّى الباثولوجْيا الاجْتِماعِيَّةُ بِوُضوحٍ في الفَضاءاتِ العَرَبِيَّةِ والعالَمِيَّةِ عَبْرَ انْتِشارِ خِطابِ الكَراهِيَة، والتَّنَمُّرِ الإِلِكْترونِيّ، وَثَقافَةِ الإِلْغاء، وَضَخِّ الأَخْبارِ الزّائِفَةِ ضِمْنَ مِنَصّاتٍ لَمْ تَعُدْ مُحايِدَة، بَلْ أَصْبَحَتْ رَهينَةً لِاقْتِصادِ الانْتِباه، وَسَطْوَةِ الخَوارِزْمِيّات، والرَّأْسِمالِ المِنَصّاتِيّ، مِمّا يَفْرِضُ إِعادَةَ مُساءَلَةٍ مُلِحَّةٍ لِقَضايا التَّضامُنِ والتَّعاوُنِ والتَّعايُشِ بَيْنَ أَفْرادِ المُجْتَمَعِ الواحِد، وَبَيْنَ الدُّوَلِ والثَّقافات، خاصَّةً حينَما يَتَعَلَّقُ الأَمْرُ بِمُجْتَمَعاتٍ تَعَدُّدِيَّة، أَوْ تَعْرِفُ تَوَتُّراتٍ حُدودِيَّةً أَوْ صِراعاتٍ طائِفِيَّة، حَيْثُ تَتَقاطَعُ الهَشاشَةُ المُجْتَمَعِيَّةُ مَعَ هَشاشَةٍ نَفْسِيَّةٍ تُغَذّي الاسْتِخْدامَ الباثولوجِيَّ / المَرَضِيَّ لِلتِّكْنولوجْيا.
الشخصية المَرَضِيّة تجد في الفضاء الرقمي مُتنفّسًا لها
أَمّا بِخُصوصِ الجانِبِ النَّفْسِيّ، فَقَدْ أَدْخَلَتِ الحَياةُ الرَّقْمِيَّةُ على الشَّبَكاتِ تَحَدِّياتٍ غَيْرَ مَسْبوقَة، مِنْ قَبيلِ "التَّحْميلِ الرَّقْمِيِّ الزّائِد"، وَ"الإِجْهادِ المَعْرِفِيّ"، وَ"ضَعْفِ الانْتِباه"، وَ"اضْطِرابِ الذّاكِرَة"، وَ"اضْطِرابِ التَّنْظيمِ العاطِفِيّ"، إِذْ تُشيرُ البَياناتُ العالَمِيَّةُ الحَديثَةُ إلى أَنَّ انْتِشارَ الهَواتِفِ الذَّكِيَّةِ تَجاوَزَ 85% على مُسْتَوى العالَم، حَيْثُ يَقْضي البالِغونَ في المُتَوَسِّطِ 7-9 ساعاتٍ يَوْمِيًّا مَعَ الأَجْهِزَةِ الرَّقْمِيَّة، وَلِهَذا التَّعَرُّضِ المُتَزايِدِ آثارٌ عَميقَةٌ لَيْسَ على الوَظائِفِ المَعْرِفيةِ فَحَسْب، بَلْ أَيْضًا على المُمارَسَةِ الاجْتِماعِيَّة، حَيْثُ تُدْخِلُ الهَواتِفُ الذَّكِيَّةُ مُسْتَخْدِميها في حالَةِ اتِّصالٍ دائِمٍ مَعَ البيئَاتِ الافْتِراضِيَّةِ والرَّقْمِيَّة، وَتَضْطَلِعُ المِنَصّاتُ عَبْرَ آلِيّاتِ الإِشْباعِ والتَّحْفيزِ بِمُهِمَّةِ الإِبْقاءِ عَلَيْهِمْ في حالَةِ انْفِصالٍ عَنِ الواقِع، وَهَذا الوَضْعُ يَجْعَلُ الجِهازَ العَصَبِيّ، مَعَ مُرورِ الوَقْتِ يَعيشُ حالَةَ "تَدَفُّقٍ ذِهْنِيٍّ" تُفْقِدُ الفَرْدَ وَعْيَهُ الاجْتِماعِيَّ التَّواصُلِيّ، وَإِحْساسَهُ بِالوَقْت، كَما تُسْتَخْدَمُ كاسْتراتيجِيَّةٍ لِلْهُروبِ مِنَ الضُّغوط، وَهُوَ ما يُخِلُّ بِما يُعْرَفُ بِـ"تَوازُنِ الحَياةِ الرَّقْمِيَّة".
وَمِنْ ذَلِكَ مَثَلًا، أَنْ يَميلَ الأَشْخاصُ الذين يُعانونَ مِنِ اضْطِّراباتِ المِزاج، كالاكْتِئابِ أَوِ القَلَق، إلى الاسْتِخْدامِ المُفْرِطِ لِلشَّبَكاتِ لِتَلْبِيَةِ احْتِياجاتٍ اجْتِماعِيَّةٍ يَفْتَقِدونَها في الواقِع. وَلا يَقْتَصِرُ الأَمْرُ على ذَلِك، بَلْ يَمْتَدُّ أَيْضًا لِيَشْمَلَ سِماتِ الشَّخْصِيَّةِ المَرَضِيَّةِ التي تَجِدُ في الفَضاءِ الرَّقْمِيِّ مُتَنَفَّسًا لَها؛ فالنَّرْجِسِيّونَ يَبْحَثونَ بِشَراهَةٍ عَنِ الإِعْجابِ والتَّرْويجِ لِلذّاتِ لِتَعْويضِ مَشاعِرِ الفَراغ، وَذَوو الشَّخْصِيَّةِ "الحَدِّيَّةِ" يَنْدَفِعونَ نَحْوَ الشّاشاتِ بَحْثًا عَنِ الطُّمَأْنينَةِ وَتَخْفيفًا لِلضّيقِ الانْفِعالِيّ، بَيْنَما يَسْتَغِلُّ أَصْحابُ السِّماتِ العُدْوانِيَّةِ التَّخَفِّيَّ الرَّقْمِيَّ أَوْ ما يُعْرَفُ بِـ"تَأْثيرِ فُقْدانِ الكَوابِح" (Online Disinhibition Effect) بِتَعْبيرِ جونْ سولَر (John Suler - 2004)، لِمُمارَسَةِ سُلوكِيّاتٍ عَنيفَةٍ تُجاهَ الغَيْرِ أَوْ مُعادِيَةٍ لِلْمُجْتَمَع، في حينٍ تَتَغَذّى الشَّخْصِيَّةُ ذاتُ السِّماتِ الذُّهانِيَّةِ على خَوارِزْمِيّاتِ "غُرَفِ الصَّدى" التي تَعْزِلُ المُسْتَخْدِمَ في بيئَاتٍ مُتَجانِسَةٍ مَعَ أَفْكارِه، حَيْثُ يَجِدُ ضِمْنَ هَذِهِ الغُرَفِ ما يُعَزِّزُ مُعْتَقَداتِهِ غَيْرَ المَأْلوفَة، وَيَزيدُ مِنِ انْفِصالِهِ التَّدْريجِيِّ عَنْ حَياتِهِ الواقِعِيَّة.
هل نحن أمام عملية إنتاج جديدة لأنماط مُصطنعة من الشخصيات والهويات اللااجتماعية؟
وَيُمْكِنُ فَهْمُ هَذَا التَّحَوُّلِ أَيْضًا في ضَوْءِ ما ذَهَبَ إِلَيْهِ الفَيْلَسوفُ جيلْبير جِرْمينْ (Gilbert Germain) في مَقالَتِهِ "الحالَةُ الإِنْسانِيَّةُ في عَصْرِ التِّكْنولوجْيا" (2004) حَيْثُ اعْتَبَرَ أَنَّ "التِّكْنولوجْيا المُعاصِرَةَ تُفاقِمُ اغْتِرابَ الإِنْسانِ عَنِ الأَرْض، بَلْ وَتُعيدُ تَشْكيلَ 'الحالَةِ الإِنْسانِيَّةِ' بِطَريقَةٍ سَلْبِيَّة، كَما رَأى أَنَّ هَذِهِ التِّقْنِيّات، على الرَّغْمِ مِنْ كَوْنِها تَرْبِطُ العالَمَ وَتَجْعَلُهُ أَكْثَرَ "تَقارُبًا"، فَإِنَّها في الوَقْتِ نَفْسِهِ تُحَرِّرُ الإِنْسانَ مِنْ قُيودِ المَكانِ والزَّمانِ الأَرْضِيَّيْن، وَهِيَ القُيودُ التي شَكَّلَتْ تاريخِيًّا فَهْمَنا لِما يَعْنيهِ أَنْ نَكونَ بَشَرًا".
تُؤَكِّدُ كُلُّ هَذِهِ المُعْطَياتِ المُتَشابِكَةِ أَنَّ التَّدَهْوُرَ النَّفْسِيَّ والاجْتِماعِيَّ الحاصِلَ في الفَضاءاتِ الرَّقْمِيَّة، سَواءٌ بِأَبْعادِهِ السِّياسِيَّةِ أَوِ الثَّقافِيَّةِ أَوِ الاقْتِصادِيَّةِ أَوِ الإِدْمانِيَّة، لَيْسَ مُجَرَّدَ خَلَلٍ تِكْنولوجِيٍّ عابِر، بَلْ هُوَ مِرْآةٌ دَقيقَةٌ تَعْكِسُ احْتِياجاتٍ نَفْسِيَّةً واجْتِماعِيَّةً لِشَرائِحَ واسِعَةٍ مِنَ المُسْتَخْدِمين، لَمْ تَجِدْ مُتَنَفَّسًا لَها في عالَمٍ واقِعِيٍّ يَزْدادُ تَعْقيدًا وَهَشاشَةً وَضُمورًا، وَهُوَ ما يَضَعُنا أَمامَ سُؤالٍ مَرْكَزِيٍّ حَوْلَ الحُرِّيَّةِ والأَفْكارِ الصّالِحَةِ في قَلْبِ فَضاءاتٍ اجْتِماعِيَّةٍ مُصْطَنَعَة، حَيْثُ تَتَقاطَعُ الباثولوجْيا الاجْتِماعِيَّةُ والنَّفْسِيَّةُ مَعَ مَنْطِقِ الخَوارِزْمِيّاتِ واقْتِصادِ الانْتِباه: فَأَيُّ حُرِّيَّةٍ مُمْكِنَةٍ في عالَمٍ تُعادُ فيهِ هَنْدَسَةُ التَّفاعُلاتِ والاخْتِيارات، وَيَتَآكَلُ فيهِ الاعْتِرافُ داخِلَ الدَّوْلَةِ والمُجْتَمَع؟ وَهَلْ ما نَشْهَدُهُ هُوَ فِعْلًا اتِّساعٌ لِفَضاءاتِ التَّعْبيرِ وَتَداوُلِ الأَفْكار، أَمْ أَنَّنا أَمامَ عَمَلِيَّةِ إِنْتاجٍ جَديدَةٍ لِأَنْماطٍ مُصْطَنَعَةٍ مِنَ الشَّخْصِيّاتِ والهُوِيّاتِ اللّااجْتِماعِيَّة؟!.
(خاص "عروبة 22")

