بصمات

سوسْيولوجْيا "الدَّعْوَة": كَيْفَ تَتَحَوَّلُ الجَماعاتُ المَأْزومَةُ إلى حَواضِنَ لِلنُّفوذ؟

نَتَناوَلُ في هَذِهِ المَقالَةِ آلِيّاتِ تَمَدُّدِ النُّفوذِ الإِيرانِيِّ داخِلَ المَجالِ العَرَبِيِّ عَبْرَ دَعْوَةٍ ذاتِ طابَعٍ خَلاصِيٍّ تَسْتَهْدِفُ جَماعاتٍ تَمْتَلِكُ قابِلِيَّةً لِإِعادَةِ تَشَكُّلِ هُوِيَّتِها بِفِعْلِ شُروطِها التّاريخِيَّةِ والاجْتِماعِيَّة. هَذِهِ الجَماعاتُ لا تَتَحَرَّكُ في فَراغ، بَلْ ضِمْنَ مَجالاتٍ مَأْزومَةٍ تَتَداخَلُ فيها هَشاشَةُ الدَّوْلَةِ مع الاضْطِرابِ الأَهْلِيِّ وَضَعْفِ الاندِماجِ السِّياسِيّ.

سوسْيولوجْيا

قابِلِيَّةُ التَّلَقّي لا تُفَسَّرُ بِالخِطابِ العَقائِدِيِّ وَحْدَه، بَلْ بِالبُنْيَةِ الاجْتِماعِيَّةِ المُتَصَدِّعَةِ التي تَجْعَلُ سَرْدِيّاتِ الخَلاصِ أَكْثَرَ جاذِبِيَّة. وَلا يُقْصَدُ اخْتِزالُ الظّاهِرَة، بَلِ الإِشارَةُ إلى مَنْطِقٍ تاريخِيٍّ مُتَكَرِّر، كَما في تَجْرِبَةِ الدَّعْوَةِ الفاطِمِيَّةِ التي بَدَأَتْ بِشَبَكَةِ دُعاةٍ اسْتَطاعَتِ النَّفاذَ إلى البُنى القَبَلِيَّة، فَحَوَّلَتْ جَماعاتٍ مَأْزومَةً إلى قاعِدَةٍ اجْتِماعِيَّةٍ مَكَّنَتْ لاحِقًا مِنَ الانتِقالِ إلى السُّلْطَة.

تَكْتَنِفُ البِداياتُ الأولى لِلدَّعْوَةِ الإِسْماعِيلِيَّةِ - الفاطِمِيَّةِ في المَشْرِقِ والمَغْرِبِ قَدَرٌ مِنَ الغُموض، بِسَبَبِ السِّرِّيَّةِ والتَّقِيَّةِ خَشْيَةَ العَبّاسِيّين، لِذَلِكَ كُتِبَتْ أَغْلَبُ الرِّواياتِ في ظِلِّ الدَّوْلَةِ الفاطِمِيَّةِ أَوْ بَعْدَها بِقَرْن.

وَكَما يَرى عالِمُ الِاجْتِماعِ ماكْس فيبر، تَتَحَوَّلُ الدَّعْوَةُ حينَ تُحْتَرَفُ اجْتِماعِيًّا إلى سُلْطَةٍ رَمْزِيَّةٍ قادِرَةٍ على إِعادَةِ تَشْكيلِ أَنْماطِ الفِعْل. فَالدَّعْوَة، في بُعْدِها السّوسْيولوجِيّ، لَيْسَتْ مَجَرَّدَ خِطابٍ عَقائِدِيّ، بَلْ آلِيَّةٌ لِإِعادَةِ تَشْكيلِ الجَماعَةِ وَتَوْجيهِ السُّلوكِ السِّياسِيّ، خُصوصًا داخِلَ البيئَاتِ المَأْزومَة.

الدعم الإيراني لعب دورًا في تحويل جماعة تشعر بالتهديد إلى مركز نفوذ إقليمي

في لُبْنانَ مَثَلًا نَشَأَ "حِزْبُ الله" في سِياقٍ مُزْدَوِج: الِاحْتِلالُ الإِسْرائيلِيُّ مِنْ جِهَة، وَتَهْميشُ جُزْءٍ كَبيرٍ مِنَ الشّيعَةِ اللُّبْنانِيّينَ تاريخِيًّا مِنْ جِهَةٍ أُخْرى. خِلالَ الحَرْبِ الأَهْلِيَّةِ وَما بَعْدَها، لَمْ يَقْتَصِرْ حُضورُهُ على الخِطابِ العَقائِدِيِّ المُرْتَبِطِ بِـ"وِلايَةِ الفَقيه"، بَلْ بَنى شَبَكَةَ خِدْماتٍ اجْتِماعِيَّةً وَصِحِّيَّةً وَتَعْليمِيَّةً وَتَعْويضاتٍ مالِيَّةً داخِلَ بيئَةٍ تُعاني ضَعْفَ الدَّوْلَة. هُنا تَحَوَّلَتْ "الدَّعْوَةُ" إلى بُنْيَةِ رِعايَةٍ اجْتِماعِيَّةٍ وَهُوِيَّةٍ جَماعِيَّةٍ تَمْنَحُ الإِحْساسَ بِالحِمايَةِ والكَرامَةِ والانْتِماء. وَمع الوَقْت، أَصْبَحَتْ هَذِهِ الشَّبَكَةُ حاضِنَةً لِنُفوذٍ سِياسِيٍّ وَعَسْكَرِيٍّ يَتَجاوَزُ البُعْدَ الدّينِيَّ نَفْسَه.

في العِراق، ظَهَرَ المَشْهَدُ بِشَكْلٍ أَوْضَحَ بَعْدَ عامِ 2003. انْهِيارُ الدَّوْلَة، وَتَفَكُّكُ المُؤَسَّسات، وَتَصاعُدُ العُنْفِ الطّائِفِيِّ خَلَقَ بيئَةً مِثالِيَّةً لِتَمَدُّدِ الفَصائِلِ المُرْتَبِطَةِ بِإيران. اسْتَثْمَرَتْ طَهْرانُ في الأَحْزابِ الدّينِيَّةِ والحُسَيْنِيّاتِ والشَّبَكاتِ الخَيْرِيَّةِ والتَّعْليمِ الدّينِيّ، لَكِنَّ العُنْصُرَ الحاسِمَ كَانَ شُعورَ قِطاعاتٍ واسِعَةٍ مِنَ الشّيعَةِ بِأَنَّهُمْ خَرَجوا مِنْ عُقودٍ مِنَ التَّهْميشِ إلى لَحْظَةِ "اسْتِعادَةِ الهُوِيَّة". لِذَلِك، لَمْ يَكُنِ النُّفوذُ الإيرانِيُّ مَجَرَّدَ اخْتِراقٍ خارِجِيٍّ، بَلْ تَشَكَّلَ داخِلَ حاجَةٍ اجْتِماعِيَّةٍ إلى الحِمايَةِ والتَّمْثيلِ بَعْدَ انْهِيارِ المَرْكَزِ السِّياسِيِّ العِراقِيّ. لاحِقًا، وَمع صُعودِ تَنْظيمِ "داعِش"، تَحَوَّلَتْ فَصائِلُ عِدَّةٌ إلى فَضاءِ تَعْبِئَةٍ عَقائِدِيَّةٍ وَعَسْكَرِيَّةٍ واجْتِماعِيَّةٍ في آنٍ واحِد، ما عَزَّزَ النُّفوذَ الإِيرانِيَّ داخِلَ البُنْيَةِ العِراقِيَّة.

أَمّا في اليَمَنِ فَالحالَةُ الحوثِيَّةُ تَحْمِلُ بُعْدًا قَريبًا مِنْ فِكْرَةِ "الجَماعَةِ المَأْزومَة"، فَحَرَكَةُ "أَنْصارِ الله" نَشَأَتْ في بيئَةٍ زَيْدِيَّةٍ شَعَرَتْ بِتَراجُعِ نُفوذِها السِّياسِيِّ والثَّقافِيِّ بَعْدَ قِيامِ الجُمْهورِيَّةِ وَتَوَسُّعِ التَّيّاراتِ السَّلَفِيَّة. اسْتَثْمَرَ الحوثِيّونَ في خِطابِ المَظْلومِيَّةِ والهُوِيَّةِ الدّينِيَّة، ثُمَّ أَعادوا رَبْطَ هَذِهِ اللُّحْمَةِ المُجْتَمَعِيَّةِ بِمُقاوَمَةٍ خارِجِيَّةٍ وَأُفُقٍ خَلاصِيٍّ. وَمع ضَعْفِ الدَّوْلَةِ اليَمَنِيَّةِ والانْقِساماتِ القَبَلِيَّةِ والحَرْب، تَحَوَّلَتِ الحَرَكَةُ مِنْ إِطارٍ دَعَوِيٍّ - ثَقافِيٍّ إلى سُلْطَةٍ تَمْتَلِكُ جِهازًا عَسْكَرِيًّا وَإِدارِيًّا. هُنا أَيْضًا لَعِبَ الدَّعْمُ الإيرانِيُّ دَوْرًا في تَحْويلِ جَماعَةٍ تَشْعُرُ بِالتَّهْديدِ إلى مَرْكَزِ نُفوذٍ إِقْليمِيّ.

"الدعوة - الإيديولوجيا" ليست مجرد تبشير مذهبي بل عملية إعادة تنظيم اجتماعي وسياسي داخل البيئات الهشة

ما يَجْمَعُ هَذِهِ الحالاتِ هُوَ أَنَّ النُّفوذَ لا يَتَمَدَّدُ أَساسًا عَبْرَ الإِقْناعِ العَقائِدِيِّ المُجَرَّد، بَلْ عَبْرَ ثَلاثِ آلِيّاتٍ مُتَداخِلَة:

- اسْتِثْمارُ المَظْلومِيَّةِ الجَماعِيَّة، وَتَحْويلُ الإِحْساسِ بِالتَّهميشِ أَوِ الخَوْفِ إلى هُوِيَّةٍ سِياسِيَّةٍ مُتَماسِكَة.

- بِناءُ مُؤَسَّساتٍ مُوازِيَةٍ لِلدَّوْلَة، كَالمَدارِس، والجَمْعِيّات، والخِدْماتِ الصِّحِّيَّة، وَشَبَكَاتِ الإِعاشَة، والتَّسْليح.

- صِياغَةُ مَعانٍ خَلاصِيَّة، وَرَبْطُ الجَماعَةِ بِمَشْروعٍ أَكْبَرَ يَمْنَحُها مَعْنًى تاريخِيًّا وَرِسالَةً تَتَجاوَزُ أَزْمَتَها المَحَلِّيَّة.

بِهَذا المَعْنى، تَصْبَحُ "الدَّعْوَةُ - الإيدْيولوجْيا" لَيْسَتْ مَجَرَّدَ تَبْشيرٍ مَذْهَبِيّ، بَلْ عَمَلِيَّةَ إِعادَةِ تَنْظيمٍ اجْتِماعِيٍّ وَسِياسِيٍّ داخِلَ البيئاتِ الهَشَّة، وَهُوَ ما يُفَسِّرُ قُدْرَةَ النُّفوذِ الإِيرانِيِّ على التَّحَوُّلِ مِنْ حُضورٍ رَمْزِيٍّ إلى بُنْيَةِ نُفوذٍ مُمتَدَّةٍ داخِلَ مُجْتَمَعاتٍ مَأْزومَة!.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن