صحافة

"المشهد اليوم".. اليمن ينتفض على الحوثي ويُطلق معركة استعادة الدولة! طهران تُجهّز ردّها على واشنطن.. والزيدي يؤكد ضرورة الإلتزام بحصر السلاح.. والاحتلال يُصعّد جنوبًا ويستأنف مشروع "سوفا 53" بريف القنيطرة


من مشاهد التصعيد العسكري بين القوات اليمنية والحوثيين في صنعاء (أ.ف.ب)

على الرغم من أن جهود المفاوضات المتعثّرة بين واشنطن وطهران واستمرار حالة "اللاحرب واللاسلم" تحتلّ الأولوية، إلا أن أحداث الساعات الأخيرة دقّت ناقوس الخطر لجهة ما يجري على الساحة اليمنيّة، التي تبدو أمام معركةٍ كبرى تُنذر بالأسوأ، في ظلّ غياب أيّ مؤشراتٍ على التهدئة أو العودة إلى بنود الاتفاق السابق. فحرب إيران غذّت هذا الصراع، الذي يدخل شهره الرابع، بسلسلةٍ من التطورات تمثّلت في إعلان رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، "ساعة الصفر"، وتوجيهه خطابًا مصورًا إلى القوات المسلحة والأمن وكافة التشكيلات العسكرية للبدء في تنفيذ مهامها المقررة، وفق الخطط المعتمدة، حتى تحرير البلاد من وطأة "المليشيا الإرهابية"، في إشارةٍ إلى جماعة الحوثيين. وجاء خطاب العليمي بعد نحو أسبوعٍ على إعلانه قرار النفير والتعبئة العامة ضد الجماعة المموّلة والمدعومة من الجانب الإيراني، في وقتٍ تصل فيه المعارك إلى ذروتها على جبهات محافظة تعز، التي يسعى الحوثيون إلى استكمال السيطرة عليها لتأمين مكاسبهم الأخيرة في الساحل الغربي. فيما تخوض القوات الحكومية الشرعية معركةً شرسةً وحاسمةً لوقف هذا التقدّم، بالتزامن مع ضرباتٍ جويةٍ تستهدف تعزيزات الجماعة وقدراتها العسكرية.

هذا المشهد القاتم يؤكد أن "عقارب الساعة" لن تعود إلى الوراء، وأن اليمن اليوم بات أمام معركةٍ مفصليّةٍ ستحدّد موازين القوى غدًا، خصوصًا أن الجماعة تريد أن يكون لها "اليد الطولى"، بعد أن شنّت ضرباتٍ بالصواريخ والمُسيّرات على مناطق خاضغةٍ لسيطرة الحكومة اليمنية، وأخرى باتجاه المملكة العربية السعودية وسفنها في البحر الأحمر رافعةً شعار "الحصار بالحصار"، قبل أن تبدأ هجماتٍ بريةً خصوصًا في منطقة الساحل الغربي، حيث أحرزت تقدمًا بالسيطرة على مدينتي حيس والخوخة آخر معاقل القوات الحكومية في محافظة الحديدة، بالإضافة إلى 4 مديريات في محافظة تعز، أبرزها المخا وذو باب وصولًا إلى منطقة باب المندب الاستراتيجية. والتحوّل في سياق الهجمات يوضح أن الحوثيين لم يحققوا هذا التقدّم من دون دعمٍ ومساندةٍ، وتحديدًا من "الحرس الثوري" الإيراني، الذي ينشط على هذه الجبهة، التي تريدها طهران لتقول للعالم إنها لا تزال تملك العديد من "المفاتيح" والأوراق التي يمكن من خلالها أن تضعها على أيّ طاولة مفاوضاتٍ مرتقبة. وعليه، يدخل القتال منعطفًا جديدًا بعد الإعلان الحكومي عن بدء العمليات العسكرية للسيطرة على المناطق، التي لا تزال تحت سيطرة الحوثيين، الذين يحاولون الدفع بمجاميعهم نحو مناطق جديدة في جنوب تعز، وسط أنباءٍ عن سيطرتهم، أمس الأحد، على منطقتي الصافية والبركاني، وقطع الطريق الذي يربط بين مدينة التربة مركز مديرية الشمايتين في الجنوب، بمدينة تعز في الشمال، ما يعني عزل الأخيرة عن المناطق المحرّرة، حيث لحج وعدن. وكانت القوات الرسميّة صعّدت هجماتها، إذ أفاد المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة اليمنية، العقيد الركن ماجد النزيلي، بأن هذه القوات نفَّذت 257 عملية استهدافٍ دقيقة ضدّ مواقع وتحركاتٍ وقدراتٍ عسكرية تابعة لجماعة "أنصار الله"، باستخدام الطيران الحربي والطيران المسيّر والمدفعية والصواريخ والراجمات.

وفي ظلّ اشتداد القتال، أكدت قيادة "تحالف دعم الشرعية في اليمن" استمرار تقديم الدعم العملياتي الكامل إلى القوات اليمنية، واستمرار وقوفها مع الحكومة الشرعية والشعب اليمني لإنهاء الانقلاب واستعادة الدولة ومؤسساتها الوطنية لبناء مستقبل اليمن. وشددت، في الوقت عينه، على حقّ المملكة الأصيل في اتخاذ جميع الإجراءات لحماية أمنها وسيادتها ومقدّراتها. ودخول المملكة على خطّ المواجهة لم يكن خيارًا، بل قرارًا اتخذته لردع الاعتداءات التي طالتها، ووصلت مؤخرًا ألى العاصمة الرياض والمدينة المنورة، واستهدفت منشآتٍ وبنًى حيويةً، في حين لا يزال الموقف الأميركي يعتريه الكثير من الغموض ولم يصل إلى مستوى العلاقات الثنائية، التي توصف بـ"الاستراتيجيّة" بين البلدين. فتريّث واشنطن يضعه البعض في إطار رفضها فتح جبهةٍ جديدةٍ، بينما تخوض انتخابات الكونغرس على وقع الانتقادات التي ترافق إدارة الرئيس دونالد ترامب بسبب فشلها في إيجاد تسويةٍ للحرب مع إيران، إلى جانب تعهّد الحوثيين بعدم استهداف السفن الأميركيّة والإسرائيليّة، وفق ما ذكرته وسائل إعلامية عدة. إلا ان مسار الأحداث هو الذي يحكم ما سيحدث في الأيام المقبلة، سواء على صعيد المعارك الميدانيّة أو التحالفات السياسيّة، إذ تستضيف العاصمة الرياض، اليوم الاثنين، الاجتماع الثاني لدول "اتفاق مكة للدفاع المشترك"، الذي يجمع السعودية وتركيا وباكستان، على مستوى اللجنة الاستراتيجية السياسيّة الدفاعيّة. ونقلت وكالة "الأناضول" عن مصادر في الخارجية التركية إشارتها إلى أنه من المقرر أن تعرض أنقرة خلال الاجتماع رؤيتها بشأن مسار مأسسة الحلف والخطوات المقبلة، وأن تقدّم تقييمًا للتهديدات التي تواجه السلام والاستقرار في الشرق الأوسط.

ويعكس هذا الاجتماع وجود جديةٍ في التعاطي مع الأحداث، خصوصًا ما يتعلق بأمن المنطقة وبلورة تحالفاتٍ جديدةٍ، ما تطرّقت إليه صحيفة "وول ستريت جورنال"، التي رأت أن ما يحدث لم يعد سلسلةً من الأزمات المنفصلة، بل هو تقاربٌ متزايدٌ بين مسارح جيوسياسية كانت تبدو متباعدةً، من أوكرانيا والقوقاز إلى الخليج وشرق أفريقيا وجنوب آسيا. وأشارت إلى أن الشرق الأوسط يشهدُ تحولًا عميقًا يُعيد رسم خريطة التحالفات والصراعات، بعدما بدأت الخصومات التقليدية تتراجع أمام حساباتٍ جديدةٍ تقوم على الأمن والمصالح الاقتصادية والتكنولوجيا والقوة العسكرية. وخلصت الصحيفة إلى أن الخطر الأكبر لم يعد في صراعٍ واحدٍ داخل الشرق الأوسط، بل في احتمال التحام صراعاتٍ في حريقٍ واحدٍ، ما يجعل وجود سياسةٍ أميركيّةٍ أكثر اتزانًا وتماسكًا ضرورةً أكثر إلحاحًا من أيّ وقتٍ مضى. فالتعويل الدائم على الولايات المتحدة لم يأتِ من فراغ، بل هو نتيجة امتلاكها المقدرة على إدارة الملفات المُعقدة، على الرغم من تراجع الثقة بها مؤخرًا نتيجة مستجدات الأزمة مع إيران، التي كشفت خللًا كبيرًا في كيفية التعاطي، وسط تضارب التصريحات وغياب خطة واضحة المعالم. فبعد 219 يومًا من اندلاع الحرب بين الجانبين، لا تزال كل المعطيات تدور في الفلك عينه من المراوحة وسط محاولات حثيثة يقوم بها الوسطاء لإبتداع تسوية تحظى بموافقة الطرفين. وتتمسك واشنطن بحزمة من الشروط وعلى رأسها إيجاد حلّ للبرنامج النووي، في حين تصرّ طهران على أولوية إنهاء الحصار المفروض على موانئها ورفع العقوبات عنها كمقدمة لفتح مضيق هُرمز، وذلك وفق خطة السبعة أيام التي قدمتها مؤخرًا لواشنطن، ورفضها الرئيس الأميركي بإعتبار أنها لا تتناسب مع "الانتصارات الكبيرة" التي تحققها بلاده.

تزامنًا، كشف مساعد وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب أبادي استمرار طهران بدراسة الرد الأميركيّ على المقترح الإيرانيّ والإعلان عنه فور جهوزيته، مع تشديد وزير الخارجية عباس عراقجي على الجاهزية للمفاوضات وللحلّ الدبلوماسيّ. وترك باب المباحثات مفتوحًا جاء مع السقف العالي من التصريحات التي أدلى بها رئيس البرلمان وكبير المفاوضين محمد باقر قاليباف، الذي أكد أن مضيق هُرمز لن يُعاد فتحه ما لم تستوفِ الولايات المتحدة الشروط الإيرانيّة السبعة الواردة في مذكرة التفاهم المرحليّة التي توصل إليها الطرفان في حزيران/ يونيو الماضي، مشددًا على أن موقف طهران من هذه المسألة واضح وحازم. أما المتحدث باسم وزارة الخارجية إسماعيل بقائي، فلفت إلى أن ملاحظات الولايات المتحدة على المقترح الأخير تتشابه، إلى حدّ كبير، مع المواقف السابقة لواشنطن؛ لجهة تركيزها على البرنامج النووي، في حين ينصب اهتمام إيران حاليًا على المضيق، وعودة الأمن إلى هذا الممر المائي الحيوي. وتختلف الاجندات وتتضارب المصالح وهو ما يُعيق التوصل إلى أي اتفاق يُعيد جزءًا من الهدوء إلى المنطقة وسط إصرار الرئيس ترامب على عدم العودة لمذكرة تفاهم إسلام آباد منتظرًا أن تقدم طهران على تقديم تنازلات نتيجة ما تعانيه من ظروف اقتصادية واجتماعية شديدة الصعوبة. وهو ما كشفته استقالة وزير النفط ⁠محسن باك نجاد، التي رغم أنها وضعت في إطار "الأسباب الشخصية"، إلا أنها تكشف الكثير عما يمرّ به النظام الإيراني المتمسك بسياسة "الصبر الاستراتيجي". وفي المعطيات المتداولة، فقد وافق الرئيس مسعود بزشكيان على طلب الاستقالة، معلنًا عن تعيين المدير التنفيذي لشركة النفط الوطنية حميد بورد قائمًا بأعمال الوزارة. وتُحاصر طهران الضغوط من كل حدب وصوب خاصة بعد إعلان الإدارة الاميركية عن "عملية المنبوذ الاقتصادي" من أجل تجفيف منابع تمويلها عبر استهداف القطاعات الرئيسيّة في البلاد، كالطيران والمصارف.

ففي جديد التطورات المتعلقة في هذا الملف، استأنف مطار النجف الدولي جنوب العاصمة بغداد استقبال الرحلات الإيرانيّة، أمس، عقب حصول العراق على استثناء من العقوبات الأميركيّة المفروضة على قطاع الطيران الإيراني. ويسمح "الاستثناء"، الذي أتى نتيجة محاولات حثيثة قامت بها حكومة الرئيس علي الزيدي من اجل امتصاص التحركات الشعبية الرافضة والغاضبة، بحد أقصى يصل إلى 40 رحلة يومًيا، وسط توقعات من مسؤولي المطار ببلوغ هذا السقف في غضون يومين فقط بناء على حجم الحجوزات والطلب المرتفع على السفر. ويمكن أن يُسهم هذا القرار في تهدئة الشارع الذي انتفض خلال الأيام الماضية معلنًا رفض الارتهان للسياسات الأميركية وتفعيل قيودها على إيران ما يمكن أن يُسهم في إتجاه إعادة البوصلة نحو الملفات الاكثر أهمية والتي تريد بغداد الحسم فيها، وتحديدًا ما يتعلق بحصر السلاح بيد الدولة. في الأثناء، حذّر الزيدي "قوى الإطار التنسيقي" الشيعي من مغبة عدم الالتزام بالمواعيد المحددة للقيام بهذه الخطوة، مشددًا على ضرورة "حسم جميع الملفات، بما فيها استكمال ملف حصر وتنظيم السلاح، بما يُعزز سيادة قرار الدولة واستقرار الأمن في البلاد والمنطقة". وكان الأخير حدّد نهاية الشهر الماضي موعدًا لتحقيق ذلك قبل أن يرجىء ذلك إلى منتصف العام المقبل نتيجة ما يواجه هذه العملية من تحديات وعراقيل جسام، أبرزها النفوذ الإيرانيّ ورفضها أن تكون هذه الفصائل "كبش فداء" نظرًا لأهميتها، وهي لذلك تُعيد رسم نفوذها وسيطرتها من خلال إيجاد آلية لهذه القوى التي لن تتنازل عنها "تحت أي ظرف".

فطهران التي اختبرت أهمية ورقة الأذرع في صنعاء وبغداد وبيروت لن تقبل المساومة عليها بسهولة ودون تحقيق مكاسب كبيرة، وهي لذلك تضع ضمن شروطها لفتح المضيق وقف القتال على كافة الجبهات، والمقصود هنا، بشكل خاص، الساحة اللبنانيّة من أجل إعادة تنظيم صفوف "حزب الله"، الذي هو بدوره أيضًا يرفض خطوات الحكومة الساعية إلى استكمال المفاوضات المباشرة مع اسرائيل ويضعها في إطار "التقديمات المجانية" التي "لن تحرّر الأرض ولن تُعيد للشعب اللبناني حقوقه". ولكن الحزب لا يرى أي مشكلة بربط لبنان بالمباحثات المتعثرة بين واشنطن وطهران وان يكون لبنان ساحة لاختبار النفوذ وتصفية الحسابات، خاصة أن الحرب الدائرة رحاها فُرضت على شعبه وقراه وبلداته التي تواجه مسحًا ممنهجًا وتدميرًا كاملًا يُعيد إلى الأذهان ما جرى في مدينة رفح خلال حرب الإبادة على قطاع غزّة. وحتى "يستفيق" "حزب الله" ويُعيد تحديد البوصلة، تجهد حكومة الرئيس نواف سلام على تحديد الاولويات والتي رفعها من مدينة النبطية، ليؤكد أن الدولة موجودة بكل أركانها ولن تتنازل عن شبر واحد حين جدّد ضرورة إعادة الإعمار والانسحاب الاسرائيلي، مشددًا على أن الدولة لا تستطيع أن تبقى في حال انتظار، لا في عودة الأهالي ولا في إعادة الإعمار ولا في بسط سلطتها على الأرض. ووسط ترقّب الجولة المقبلة من المفاوضات العسكرية، التي يُفترض أن تُعقد في فلوريدا بعد نحو أسبوعين، يواصل الاحتلال رفع منسوب الضغط العسكري جنوب لبنان، عبر توسيع عمليات التفجير والهدم والجرف، في محاولة لتعزيز وجوده الميداني وذلك قبل أي عودة جدّية إلى طاولة التفاوض.

وفي هذا الإطار، نفّذت القوات الإسرائيلية عملية تفجير استهدفت مدرسة إعدادية جبل عامل في بلدة حولا، في قضاء مرجعيون، بعد تفخيخ مبنى المدرسة، ما أدّى إلى تدميره. وجاء التفجير في سياق استمرار استهداف المنشآت المدنية بالتزامن مع الغارات الجوية والقصف المدفعي والتحرّكات البرية الإسرائيلية التي استهدفت حولا وياطر وبيت ياحون والمنصوري وميس الجبل أمس. في المقابل، أعلن الجيش الإسرائيلي إصابة جندي بجروح خطيرة وضابط بجروح متوسّطة، نتيجة "حادث عملياتي" في جنوب لبنان، مشيرًا إلى إجلائهما إلى المستشفى لتلقّي العلاج. وجاء ذلك بعد يوم واحد من تقارير إعلامية أفادت بإصابة ثمانية جنود في حادث آخر دون أن تتضح الملابسات الكاملة. ومن الجنوب إلى قطاع غزّة والضفة الغربية المحتلة يبدو مشهد التخريب واحدًا مع اتخاذ سلطات الإحتلال قرارًا بإغلاق الضفة وكل المعابر المؤدية إلى القطاع يومي الثلاثاء والأربعاء المقبلين بالتزامن مع الذكرى الثالثة لهجمات السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023. في غضون ذلك، تحول ملف محاولة إسقاط طائرة "فلاي دبي"، الذي وقع، الأسبوع الماضي، في أثناء تحليقها من دبي إلى تل أبيب، إلى مادة للجدل السياسي، وتحميل المسؤولية عن "إخفاق أمني إسرائيلي". وتواكب ذلك السجال مع قرب الانتخابات الإسرائيلية المقررة، نهاية الشهر الحالي، بينما أفادت 12 الاسرائيليّة أن الطيار العُماني همام الهمامي (المُتهم بالواقعة)، قال أثناء التحقيق معه بإنه كان يخطط للاصطدام بطائرته في مطار بن غوريون، ولهذا السبب، هاجم الطيار الآخر تحديدًا عندما كانت الطائرة تحلق فوق الأردن، بالقرب من إسرائيل.

على صعيد ذات صلّة بسوريا، استأنفت قوات الاحتلال، الأحد، أعمال الحفر في مشروع "سوفا 53" بريف القنيطرة الجنوبي وسط مواقف سورية وعربيّة مندّدة. وهذا المشروع هندسي عسكري تنفذه تل أبيب ضمن منطقة فضّ الاشتباك منذ منتصف عام 2022 ابتداء من أطراف بلدة حضر باتجاه قرى جباتا الخشب، الحميدية في ريف القنيطرة الشمالي، إلى القحطانية، رويحينة، بئر عجم، بريقة في الريف الأوسط، والعشة جنوبي القنيطرة. بالتوازي، أعلن الجيش الإسرائيلي مقتل شخص وصفه بأنه "مشتبه به"، وقال إنه حاول التسلل إلى أحد مواقع إسرائيل في المنطقة الأمنية جنوب سوريا. ومنذ سقوط النظام السابق تواصل اسرائيل سياسة اثارة الاحتقان حيث لم تصل المفاوضات السابقة إلى أي نتيجة ملموسة جراء تعنت إدارة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.

دوليًا، التقى المستشار الألماني ⁠فريدريش ميرتس مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في العاصمة كييف، تزامنًا مع دوي صفارات الإنذار من الغارات الجوية الروسية وأصوات الانفجارات، حيث تعهد المستشار بدعم أوكرانيا وتقديم مساعدات ⁠عسكرية تقارب قيمتها مليار ⁠يورو (1.13 مليار دولار) وحزمة دعم في مجال الطاقة، داعيًا موسكو إلى إنهاء الحرب، مؤكدًا استعداد برلين للمحادثات، ومشددًا على ضرورة وقف الهجمات التي تطال المدنيين والبنية التحتية الأوكرانية. أما في باريس، فقد حاول رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو إمتصاص غضب الشارع المشتعل منذ عدة أيام، معلنًا عن إطلاق 5 مسارات عمل لمعالجة الصعوبات التي يواجهها طلبة المدارس الثانوية والعاملون في المؤسسات التعليمية، متعهدًا ضمان انتظام الدروس، وتحسين ظروف المباني المدرسية بالتعاون مع المجالس الإقليمية، وإعادة تنظيم أيام الدراسة، وتعزيز الشفافية في نظام القبول الجامعي، إلى جانب إتاحة مساحة أكبر لمشاركة الطلبة في القرارات المتعلقة بالحياة المدرسية.

التداعيات المحلية والإقليمية لكل هذه الأحداث المتسارعة ناقشتها الصحف العربية التي صدرت اليوم الاثنين. وهنا أبرز مضامينها:

رأت صحيفة "الرياض" السعودية أن "الأهداف التي من أجلها تُخاض الحروب متعددة؛ ولكن في حالة حروب الشرق الأوسط هناك عوامل كثيرة تلعب دورا بارزا في تشكيل كيفية هذه الحروب، فمنطقة الشرق الأوسط وخلال العقود الماضية أنتجت أهدافا مختلفة للحروب، فتدخلات بعض دول الشرق الأوسط في شؤون دول أخرى ساهمت في إعادة تعريف هذه الحروب وفق فرضيات مختلفة فرضت على دول المنطقة أسبابا متعددة لخوض الحروب وإدارتها، لذلك بقيت حروب الشرق الأوسط من أطول الحروب زمنا على المستوى الدولي، وهذا ما يفسر كم التدخلات التي تمارسها دول في المنطقة بنت نفسها على أن تكون عامل هدم مستمر لفكرة الاستقرار في المنطقة"، لتشدّد، في خلاصة تحليلها، على أن "الهدف السعودي في الأزمة اليمنية هو استعادة الشرعية لليمن وعودة الاستقرار واستئناف التنمية وفق مسار سياسي دولي وإقليمي يضمن عودة اليمن الموحد إلى سابق عهده بعيدًا عن الحروب والأزمات، وبعيدًا عن التهديد المباشر للفضاء الاستراتيجي السعودي، وبعيدًا عن التدخلات المباشرة وغير المباشرة، كل ذلك من أجل أن تنتهي فكرة تحول اليمن كنقطة انطلاق للوكلاء المدعومين سواء من إيران أو غيرها من الدول".

بدورها، اعتبرت صحيفة "الخليج" الإماراتية جوهر المشكلة في لبنان لا يكمن فقط في تعثر مفاوضات روما، على خلفية رفض الالتزام الإسرائيلي بوقف إطلاق النار أو توسيع "المناطق التجريبية"، وإنما بربط كل تفاصيل المفاوضات بنزع سلاح "حزب الله"، الذي يرفض بدوره نزع سلاحه قبل الانسحاب الإسرائيلي من كل الأراضي اللبنانية، وهي المهمة التي عجزت إسرائيل عن تحقيقها حتى الآن"، لافتة إلى أن "إسرائيل تضع لبنان أمام خيارين: إما الذهاب إلى حرب داخلية وهو ما يرفضه لبنان واللبنانيون، أو دفعه لانتظار ما يمكن أن تسفر عنه التسويات الإقليمية، وهو أيضًا مسألة مرفوضة لبنانيًا. ومع ذلك، لا تبدو تل ابيب في عجلة من أمرها، طالما أنها لا تواجه قوة رادعة في الميدان، علاوة على أنها ليست في وارد الحديث عن انسحابات بينما الانتخابات الإسرائيلية أصبحت على الأبواب، بخلاف لبنان الذي الذي يواجه ضغوطًا ميدانية متصاعدة، ولا يملك ترف الانتظار لحلول بعيدة، فيما الحلول القريبة ليست متوفرة".

في سيّاق أخر، أشارت صحيفة "الغد" الأردنية إلى توقيت حادثة طائرة "فلاي دبي"، التي كانت متجهة إلى تل أبيب، وما انطوت عليه من أحداث درامية، "تمنح نظرية العمل المدبّر زخما كبيرًا. نتنياهو كما يقول خصومه، وأخرهم رئيس الوزراء السابق إيهود باراك، يسعى لافتعال أزمات أو حوادث أمنية لتأجيل الانتخابات، التي تشير استطلاعات الرأي العام إلى أن تحالفه لن يتمكن من تحقيق الأغلبية الكافية لتشكيل حكومة"، موضحة أن "مقاربة نتنياهو لكسب الانتخابات قائمة على تضخيم فكرة الخطر الذي يحيط بالإسرائيليين من كل اتجاه، وبأن الحرب الوجودية لم تنته بعد، والانتصار فيها يحتاج لقائد مثل نتنياهو لتحقيقه كاملا غير منقوص. الحادثة تخدم بشكل مثالي هذه المقاربة، ولذلك سعى نتنياهو لتوظيفها إعلاميا قدر ما استطاع؛ فتصدر المشهد منذ اللحظة الأولى، واستقبل الركاب حال عودتهم، وروج لفيديو الراكب الذي ادعى لنفسه دورا بطوليا في إنقاذ الطائرة. بهذا المعنى فقط، حادثة طائرة "فلاي دبي" هي خدمة مجانية لنتنياهو وليس مؤامرة مدبّرة"، على حدّ تعبيرها.

الموضوع عينه كان محور مناقشة في صحيفة "الأهرام" المصرية التي نبهت إلى أن "نتنياهو عرف جيدا، وأجاد العزف على خوف الإسرائيليين. استثمر فى خوف الإسرائيليين أيما استثمار. لنحو عقدين من الزمن وهو يتصدر الساحة بإحيائه هاجس الخوف عند الإسرائيليين من تهديدين أساسيين أقنعهم بأنهما تهديدان وجوديان، وأنه وحده القادر على مواجهتهما. التهديد الأول هو التهديد الفلسطيني، والثانى هو التهديد الإيراني. غلق هذين الملفين أو أحدهما يعني بالضرورة تراجعا لحظوظه". وقالت "بكل تأكيد فإن محاولته إبقاء حالة الحرب مع إيران قائمة وعدم حسم ملف الحرب على غزة هو هروب للأمام وانتظار لانقضاء الانتخابات. واليوم يهرب نتنياه الهروب الكبير إلى الأمام بإشعال الورقة الأهم، أو "الجوكر" وربما "العصا"، وهي الخوف وإذكاء جمرة التهديد الوجودي للإسرائيليين. حادثة الطائرة، أي "فلاي دبي"، تخدمه ليقول للإسرائيليين إن الحرب والتهديد مستمران، وأن طريقته، التي تعيب عليها المعارضة، هي الخيار الأفضل، وربما الوحيد ليبقى الإسرائيليون على قيد الحياة بدون خوف. سيبلع الإسرائيليون "الطعم" وسيصوت الخوف نيابة عنهم لنتنياهو في صندوق الانتخابات".

(رصد "عروبة 22")

يتم التصفح الآن