صحافة

إيران في المنطقة الرمادية: من الردع العسكري للعمليات غير التقليدية

عامر سبايلة

المشاركة
إيران في المنطقة الرمادية: من الردع العسكري للعمليات غير التقليدية

لوحة إعلانية ضخمة نُصبت على واجهة مبنى في ساحة "فاناك" بطهران، وتُصوّر عنصراً من "الحرس الثوري" الإيراني يدوس على طائرة بحرية مسيّرة أميركية، قيل إنّ إيران استولت عليها في مضيق هُرمز (أ ف ب).

تدخل المنطقة مرحلة دقيقة، قد تكون الأسابيع المقبلة فيها أكثر أهمية مما تبدو عليه اليوم. المواجهة لم تعد تتحرك باتجاه حرب عسكرية تقليدية فقط، بل نحو إعادة تشكيل أدوات الصراع نفسها. واشنطن تواصل الضغط على إيران، وإسرائيل تتحرك على أكثر من جبهة، فيما تبحث طهران عن مساحة تسمح لها بالعودة للتفاوض بدون أن تدخل إليه وهي مضطرة لتقديم تنازلاتها الأساسية.

وتزداد حساسية المرحلة باقتراب الاستحقاق الانتخابي الإسرائيلي في 27 أكتوبر، بما يضيف عاملا سياسيا للحسابات الأمنية، بدون أن يعني ذلك اختزال القرارات العسكرية فيه. في المقابل، تحاول إيران استخدام المسار الدبلوماسي لامتصاص الضغط، لكن الفجوة بين الطرفين ما تزال واسعة: طهران تريد جعل شروطها مدخلا للتفاوض، بينما تريد واشنطن تنازلات واضحة وقابلة للتنفيذ. السياسة الإيرانية تبدو قائمة على مزيج من التنازل المحدود والتصعيد المحسوب.

فالحديث عن إمكانية عودة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية للمواقع النووية التي تعرضت للقصف يمكن أن يُقرأ كإشارة تفاوضية، لكنه لا يعني تلقائيا قبول طهران بتسوية شاملة حول برنامجها النووي، خصوصا أن مسألة دخول المفتشين ما تزال محل خلاف. في الوقت نفسه، تحتفظ إيران بأوراق أخرى، من مضيق هرمز لأدوات الضغط غير المباشر، لإظهار أن استمرار الضغط عليها يمكن أن تكون له كلفة إقليمية. لكن، ماذا تبقى لدى إيران من أدوات المواجهة؟

خلال السنوات الماضية، بنت طهران جزءا كبيرا من نفوذها الإقليمي على شبكة من الحلفاء والجبهات. واليوم، تبدو هذه الشبكة أقل قدرة على توفير العمق الذي وفرته سابقا. تراجع دور حزب الله، وتغير موقع سوريا، والتحولات بالبيئة العراقية، كلها عوامل تضيق هامش الحركة الإيراني. في هذه الظروف، تبدو المواجهة العسكرية المباشرة مع الولايات المتحدة خيارا عالي الكلفة.

هنا تتحول المعادلة من الردع العسكري التقليدي للردع غير المباشر. فإيران لا تحتاج لتحقيق تفوق عسكري حتى ترفع كلفة الضغط عليها؛ يكفي أن تستطيع خلق اضطراب أمني أو سياسي أو اقتصادي، عبر عمليات غير تقليدية، أو تحريك شبكات محلية، أو تنفيذ عمليات نوعية تترك مساحة للإنكار. ميزة هذا النوع من المواجهة أنه يسمح لطهران بتحقيق أثر يتجاوز حجم قدرتها العسكرية المباشرة، مع الحفاظ على مساحة للمناورة وتجنب إعطاء خصومها ذريعة واضحة للانتقال لحرب أوسع.

ومن هنا تكتسب الحوادث الأمنية الأخيرة أهمية، ومنها حادثة طائرة فلاي دبي. ولم تظهر الأدلة إلى الآن صلة إيرانية مباشرة بالحادثة، لكن توقيتها يأتي في بيئة إقليمية تشهد تصاعدا بالتهديدات غير التقليدية. الأهم أن طهران نفسها وجهت مؤخرا تحذيرات لدول المنطقة من تداعيات تقييد الطيران الإيراني، مع حديث رسمي عن امتلاكها خيارات غير عسكرية يمكن استخدامها ضد بعض المطارات إذا تصاعدت القيود.

الغموض قد يصبح جزءا من أدوات الردع: عمليات يصعب نسبها مباشرة، ورسائل أمنية، وضغوط على البنية التحتية والمصالح، بما يسمح برفع كلفة الخصم بدون الانتقال فورا لمواجهة عسكرية مفتوحة. هكذا قد تدخل المنطقة مرحلة تقع بين الحرب والمفاوضات: ضغط اقتصادي، رسائل أمنية، عمليات استخبارية، تفعيل خلايا نائمة، وتصعيد محدود، بالتوازي مع محاولات متبادلة لتحسين الموقع قبل العودة لطاولة التفاوض.

بالنسبة لواشنطن، الهدف زيادة كلفة الأزمة على طهران لدفعها لتنازلات فعلية. وبالنسبة لإيران، الهدف استخدام ما تبقى من أوراق لإثبات أن استمرار الضغط لن يكون بلا ثمن، والعودة للتفاوض من موقع لا يفرض عليها تقديم كل أوراقها منذ البداية. لذلك، قد لا تكون المعركة المقبلة حول من يملك القدرة على توجيه الضربة الأكبر، بل حول من يستطيع إدارة التصعيد ورفع كلفة الطرف الآخر بدون الوصول لحرب شاملة. وفي هذه المنطقة الرمادية، قد تصبح الحرب الاستخبارية والعمليات غير التقليدية إحدى أهم أدوات الصراع بالمرحلة المقبلة، وربما تمهد أيضا لعودة الضربات العسكرية النوعية المبنية على معلومات استخبارية دقيقة.

(الغد الأردنية)

يتم التصفح الآن